on
Archived: محمد حسام حافظ: طريق السوريين وخيارات الآخرين.. لنبدأ من أسوأ كوابيسهم
محمد حسام حافظ: الحياة
لم يكن السوريون جزءاً فاعلاً في عملية صنع القرار، في ما يخص ثورتهم، بل كانوا في معظم الطريق متلقين وعاملين بالإيحاء وبردود الفعل، بدءاً من شرح قضيتهم وثورتهم في المحافل الدولية في بدايات الثورة إلى تلمسهم الخطوات المتاحة لخروج مشرّف منتصر في نهايتها. وبسبب جبروت النظام وإجرامه تحولت الثورة مع الوقت من فعل مدني شامل إلى فعل عسكري سُمح فيه للعصابة الحاكمة باستعمال أدوات كانت محظورة عليها في السابق كالتهجير والتغيير الديموغرافي. واستطاع النظام تطويع بعض المنظومة الدولية لتتحول نظرة جزء كبير منها إلى الثورة، من قضية شعب مكلوم يصبو إلى الحرية إلى مجرد مفاوضات بين «معارضات» وبين نظام مركزي يسمي وفده باسم الجمهورية العربية السورية، بعد أن دخلنا في نفقَي فيينا وجنيف تحت سمع العالم ونظره.
وفي تفصيل الأمر اتفق الروس والأميركيون على كثير من النقاط منذ التحضيرات الأولى في الصيف الماضي، تلك الاجتماعات قادت بالنتيجة إلى تفاهمات فيينا الأولى والثانية، والتـــي تخطى فيها الطرفان في شكل سافر تفاهمات جنيف الأولى ودروس جنيف الثانية. وكان من البوادر التمهيدية للاتفاق في الجانب السياسي الابتعاد من بعض الأفكار السابقة التي حصرت جمهور كل ضفة براعٍ واحد لا يجوز تجاوزه. فلم يعد اتفاق (الجنتلمان) الذي يفضل أن لا يلتقي كل راع بجمهور الطرف الآخر سارياً بعد ذلك، وبالذات في ما يخص لقاء الجانب الروسي شخصيات معارضة لها استقلاليتها وقوة حضورها في نهاية عام 2014 في موسكو وأماكن أخرى.
أما على الصعيد الاستراتيجي والدولي، فقد وصل تفاهم القطبين إلى غض النظر عن ملء الفراغ العسكري والعملياتي على الأرض السورية من جانب القوات العسكرية الروسية التي لم تدخل سورية إلا ضمن منظور من التفاهمات مع الأميركيين ولو بالخطوط العريضة وعبر آليات التخاطب والإيحاء الديبلوماسي والسياسي، ما أدخل عناصر جديدة إلى الصورة زادتها تعقيداً. ومنذ بداية تسريب التفاهمات الأميركية – الروسية، ومن ثم ما رشح عن الرؤية العامة التي توصل إليها الطرفان في فيينا الأولى والثانية وما تناولته لقاءات بعض المعارضة مع الطرفين، يمكن القول أن التفاهم على الخطوط العريضة لم يكن يوماً اتفاقاً تفصيلياً وشاملاً وإنما كان اتفاقاً على العملية والمسار وليس على المنتج النهائي، مثل شكل المرحلة الانتقالية وما بعدها في سورية. ولكن، يمكن القول أن التفاهم تضمن نقاطاً أساسية من قبيل عدم قيام الروس بوعد النظام في شكله الحالي، خصوصاً رأس الإجرام رئيسه، بأنه سيستمر في وجوده السلطوي لما بعد المرحلة الانتقالية، مقابل عدم وعد الأميركيين المعارضة السياسية والقوى الثورية المسلحة بأن النظام سيستبدل وسيجبر رئيسه على التنحي في بداية المرحلة الانتقالية، كما نصت وثيقة الرياض. كما يبدو أن النقاط تضمنت تعهدهما جلب الطرفين إلى جنيف بأقل الوسائل كلفة، وهي عدم رفع سقف التوقعات، مع إلزامهما في شكل من الأشكال بوقف إطلاق النار لـ «تخفيض مستوى الصراع». وطبعاً، كان من المفترض أن تقدم قوى الثورة والمعارضة تصوراتها لكل ما يتعلق بذلك الجانب، بما في ذلك الضمانات والثمن السياسي المطلوب إذا ما تمت مقاربته داخل العملية السياسية.
أما النقاط الباقية فقد تُركت معلقة ليتم اختبار «شطارة» كل طرف عبر المفاوضات وعبر التوازن بين المفاوضات والعمل العسكري والثوري على الأرض، مع دعم خياراته إعلامياً وعلى المستوى السياسي والديبلوماسي السطحي. ومن نافل القول أن لكل طرف من الطرفين الراعيين على التوازي مع هذه التفاهمات الأولية، جملة من السيناريوات المفضلة التي لا ينسجم بالضرورة بعضها مع بعض ولا تنسجم بالمطلق مع المصلحة الوطنية السورية وفق ما تعبر عنها قوى الثورة والمعارضة السورية بكليتها. وفي التفصيل، نجد أن السيناريو المفضل لدى الروس يقضي بوصول الطرفين عبر جنيف أو أي منصة بديلة وعبر انخراط أكبر مجموعة ممكنة من «المعارضات» السورية المصنعة والمعلبة في «فرع فلسطين» وفي «حميميم» و«موسكو» في العملية، مع قبول دستور انتقالي بصرف النظر عن شكله وعمق موادّه، ومــــن ثم ترتيب شكل من أشكال الحكم الهجين أقرب إلى حكومة موسعة تتضمن هامشاً واسعاً لاحتفاظ النظام برموزه في مواقع مهمة، ومع وجود دور ما لرأس النظام، وعلـــى أن تعقب ذلك انتخابات عامة ورئاسية يسمح فيها لرأس النظام وتابعيه الترشح إن أرادوا ذلك. أما الأميركيون فيفضلون حكومة موسعة أو هيئة حاكمة (لا فرق) وليست ثمة مشكلة كبيرة لديهم إن ضمّت بشار أو رموز حكمه بدور رمزي، ومن ثم دستور جديد بصرف النظر عن شكله وموادّه، تعقبه انتخابات لا يسمح لبشار أن يخوضها، ولكن على أن يُضمن له خروج آمن من السلطة خلال المرحلة الانتقالية أو في نهايتها بصورة عملية.
ولا يمنع ذلك طبعاً من وجود سيناريوات بديلة لدى الأطراف الدولية تتمثل أساسياتها بالنسبة إلى الروس بإعادة الانتشار والانخراط العسكري بتفاهم أوسع مع الإيرانيين وميليشياتهم الطائفية هذه المرة، وليس بالتنافس معهم كانعكاس لمحاولة الروس الابتعاد من وحل التدخل البري المباشر، فلا بأس من تقاسم بعض النفوذ مقابل استعمال قوة بشرية تابعة لإيران الدولة المنافسة سابقاً. أما الأميركيون فكانوا ولا يزالون يرون أن «الحل البديل» أو الخطة (ب) تكمن في اقتسام مراكز النفوذ بما يمهد للتقسيم، وهذا ما درجنا على سماعه مراراً وتكراراً من رموز السياسة الأميركيين، فما فتئ الرئيس الأميركي ووزير خارجيته يعيدان التحذير من الآتي الوحيد المتاح في حال فشل العملية السلمية من تفسخ لسورية وتقسيمها وانقسامها، وربما اقتسام بعض أجزائها كما في الجولان السوري المحتل. وبذلك يكون الحديث عن مواجهة السلطة المركزية لمعارضة مركزية جاذبة وموحدة نوعاً من الضمان للحفاظ على شكل من أشكال الدولة البسيطة الموحدة وغير المركبة قسراً. ولما كانت قوانا، قوى الثورة والمعارضة، غارقة في تصورات مختلفة عن العملية بحد ذاتها وعن المستقبل السوري، أصبحنا الطرف الأضعف الذي يمكن دائماً استعمال مواقفه وتوجهاته بما يفيد توجهات الآخرين.
للأسف قد لا يعني ذلك شيئاً لجمهورنا، جمهور الثورة السورية العظيمة الذي يشكل الغالبية الكاسحة من السوريين، وذلك بالنظر إلى أمرين اثنين: أولهما أن كثيرين منا اعتادوا النظر إلى الأمور بمنظار تبسيطي وتسطيحي وغالبية متصدري المشهد في المعارضة من هؤلاء… في الوقت الذي يساهم الفهم العميق للمشهد والحنكة السياسية في إدارته، في التقليل من آثار نقص الدعم المباشر… وثانيهما – وهو الأخطر – أن معظم قوى الثورة والمعارضة السورية يفتقر إلى المبادرة ويعتمد على ردود الأفعال كمنصة للتفاعل، ويعول على الآخرين لتوفير آليات التحرك السياسي والديبلوماسي وحتى العسكري.
في ضوء هذه الظروف المعقدة وغير القابلة للتغيير الشامل، تتوجب علينا الاستعانة بمقاربات جديدة تغير المشهد. آن الأوان لوضع قواعد جديدة للعبة، ولكن بأيدي السوريين هذه المرة، لنرجع الأمور إلى نصابها ولنواجه العالم بالحقائق الجديدة، نحن الشعب السوري الممتد تحت احتلالين وصمت دولي آثم – احتلال النظام وداعميه واحتلال القرار السوري الثوري – لم يعد من المجدي التعامل مع الاحتلالات هذه إلا بحرب تحرير شعبية شاملة. لا بد من وضع القواعد الأساسية لتحرك شامل جديد لا مكان فيه لمعارضات سياسية ولا حتى لفصائل مقاتلة، بل لقوى شعبية واسعة تنتفض في طول البلاد وعرضها لتخليصها من براثن تلك الاحتلالات. لم يعد من المقبول ولا من المجدي أصلاً التعامل مع سورية عبر الريموت كونترول ولا عبر المؤتمرات والمحادثات والمفاوضات والائتلافات والهيئات، وإنما عبر انتفاضة عارمة شاملة… هذا ما يخيفهم جميعاً، فلنبدأ بتنفيذ أسوأ كوابيسهم.
* كاتب من سورية
Tags: محرر