Archived: د. رياض العيسمي: ما أشبه اليوم بالامس.. سورية ترزح تحت الإحتلال، فهل من سبيل إلى التحرير يا سلطان؟

د. رياض العيسمي: كلنا شركاء

في السادس والعشرين من من شهر آذارالمنصرم صادفت الذكرى الرابعة والثلاثين لرحيل سلطان باشا الأطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى. ثورة التحرير التي إنطلقت من جبل العرب في عام 1925 من القرن الماضي، وامتدت إلى عموم المناطق السورية. وبقيت تقارع  قوات الإحتلال بكافة السبل إلى أن تحقق الإستقلال بجلاء المستعمر الفرنسي عن أرض سورية في 17 نيسان من عام 1946، والذي صادفت ذكراه السبعين قبل أيام. لم يأت اختيار سلطان الأطرش قائدا عاما للثورة السورية الكبرى نتيجة للصدفة أوعبرمحاصصات طائفية أو مناطقية. بل كان هوالشخص الذي اجتمعت فيه صفات القائد الشجاع وأجمع عليه قادة  الثوار في عموم سورية ليقود ثورة الشعب السوري بحكمة واقتدار. فسلطان الأطرش كان وطنيا مخلصا بإمتياز. وكان حريصا على حرية وطنه وإستقلاله من كل المستعمرين على مر العهود. حيث حمل السلاح ضد الإستعمار العثماني قبل أن يحمله ضد الإستعمار الفرنسي. كما ولم يقتصر نضال سلطان على سورية وحدها، بل تعداها ليصل إلى المنطقة العربية المجاورة  والتي إعتبرها الإمتداد الطبيعي لسورية  والضامن الأساسي لتحصين إستقلاها. حيث شارك في الثورة العربية الكبرى عام 1916 بقيادة الشريف حسين بن علي.

وكما جاء في مقدمة الدكتورة ريم منصور الأطرش (حفيدة سلطان) في توثيقها لسيرة حياة جدها ما يلي: أعدم الأتراك والده ذوقان الأطرش وعدداً من زعماء الجبل عندما علّقت مشانق الأحرار العرب الذين قاوموا الاحتلال التركي في 5 آذار من العام 1911 ، أي قبل يوم الشهداء في 6 أيار 1916. وقد تركت هذه الحادثة أثراً عميقاً في نفسه تميّز بكرهه للاستعمار والمستعمرين. وبدلاً من أن يسعى للثأر الشخصي، ثأر من الاستعمار بعقلية القائد الفذ. فلبّى نداء الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين، فشكّل مجموعة من أحرار العرب المجاهدين استظلّت بالعلم العربي وقامت باحتلال قلعة بصرى الشام في 25 أيلول 1918. كما وقاد معركة «تلال المانع» على مشارف دمشق ضد المحتلين الأتراك والألمان.  ودخل مدينة دمشق من جهة حي الميدان في 29- 30 أيلول العام 1918 ورفع العلم العربي فوق دار الحكومة. وكان ذلك العلم الذي نسجه أهل بيته هو أول علم عربي يرفرف في سماء دمشق بعد احتلال دام 400 عام. وبعد وصول الأمير فيصل الأول إلى دمشق في 2 تشرين الأول العام 1918، منح سلطان الأطرش رتبة “باشا” في الجيش العربي. هذا في الوقت الذي رفض سلطان نفس الرتبة من الأتراك. ووضعها على رقبة كلبه تعبيرا عن احتقاره لرتبة تأتيه من المستعمر.”(1).

في عام 1920 هب سلطان مع كوكبة من فرسان الجبل لنجدة وزيرالدفاع السوري  في حينها يوسف العظمة الذي حاول منع دخول الجيش الفرنسي إلى دمشق وخاض معه معركة في منطقة ميسلون على الحدود مع لبنان. إلا أن المعركة حُسمت سريعا وأستشهد فيها العظمة قبل وصول سلطان ورفاقه. فقال سلطان مقسماً: “إن خسارة المعركة لا تعني الإستسلام للمحتلّين”. ولهذا أسرع بارسال رسولاً خاصاً إلى الملك فيصل ليقنعه بالمجيئ إلى جبل العرب وإقامة الدولة العربية في السويداء والاستمرار بمقاومة الاحتلال الفرنسي منها. إلا أن الملك فيصل رأى بأن الفرصة قد فاتت وذهب إلى المنفى. لكن سلطان لم يهجع أو يستكين، وكان يتحين الفرصة للإنقضاض على المحتلين. وكانت أول فرصة سانحة  حين ألقى الفرنسيون القبض على المجاهد اللبناني العاملي أدهم خنجروهو في طريقه إليه في داره في القريا في جبل العرب ليستجير به من الفرنسيين بعد محاولته إغتيال الجنرال غورو. وفور معرفة سلطان بالأمر، وكان حينها خارج الدار، أبرق إلى حاكم الجبل الفرنسي محتجا على إحتجاز المجاهد خنجر وطلب منه إطلاق سراحه على الفور. ولما لم يستجب الحاكم الفرنسي لطلبه، قرر سلطان ورفاقه تحرير خنجر بالقوة وفرض الأمر الواقع على الفرنسيين. إلا أن الحاكم الفرنسي في السويداء كان قد تنبه للأمر وأمر بنقل خنجر تحت الحراسة المشددة إلى دمشق. فهاجم  سلطان ورفاقه القافلة المسلحة التي كانت تنقله، وخاضوا معها معركة في «تل الحديد» غرب السويداء في 21 تموز 1922. والتي إنتهت بتدميرمصفحتين وقتل ثلاثة جنود منهم قائد المجموعة (الضابط بوكسان)، وكذلك اعتقال أربعة جنود(2).

كانت معركة تل الحديد بمثابة الثورة الأولى على الإستعمار الفرنسي، واستمرت لتسعة أشهر. وبعد هزيمة الفرنسيين في معركة تل الحديد واستمرار سلطان ورفاقه بالثورة، حكم عليه الفرنسيون بالإعدام وهدموا بيته في القريّا قصفاً بالطائرات. ولما عجز الفرنسيون عن القبض عليه حاولوا مفاوضته خشية إنتشار التمرّد، فأصدروا عفواً عنه وعن جماعته. إلا أن سلطان وبالرغم من العفو لم يتنازل عن مطالب الثورة المتمثلة بجلاء الفرنسيين التام عن سورية وتحقيق استقلالها الناجز. كما ولم يحدّ العفو من نشاطه بل استمر في تمتين العلاقات مع الوطنيين والثوار في جميع أنحاء البلاد. وبقي على تواصل شخصي معهم أو عبر ممثليه. فاجتمع حوله خيرة مجاهدي الأمة وأبرز قياداتها بإجماع وطني منقطع النظيرعندما أعلنوا إنطلاقة الثورة السورية الكبرى في عام 1925 وأجمعواعليه قائدا عاما لها. وأقسم الجميع على تحرير سورية والحفاظ على وحدتها. وبعد الإعلان عن إنطلاقة الثورة، تلى سلطان باشا الأطرش بصفته القائد العام بيان الثورة التاريخي الذي توّجهُ بشعار «الدين لله والوطن للجميع» وناشد فيه العرب بقوله: “إلى السلاح إلى السلاح”. كما وطالب بوحدة البلاد وتعيين حكومة شعبية تقوم بإجراء انتخابات مجلس تأسيسي لوضع قانون أساسي يقوم على مبدأ سيادة الأمة المطلقة وعلى القانون والعدل والحرية والمساواة. ولاقت هذه الدعوة استجابة واسعة في البلاد.

بعد ستة وثمانين عاما على إنطلاقة ثورة التحرير التي قادها سلطان الأطرش، قامت ثورة الحرية والكرامة في منتصف آذارعام 2011، والتي صادفت ذكراها الخامسة الشهر المنصرم. هذا وبالرغم من الفارق الزمني الكبير وإختلاف الظروف والدوافع للثورتين، إلا أن أهدافهما كانت متماثلة. حيث أن ثورة الحرية والكرامة كانت تهدف إلى تغيير النظام القائم وإرساء دستورعصري يستلهم روح الإستقلال ويضمن إنتخاب برلمان وطني يمثل كل الشعب ورئيس للبلاد كما حصل بعد الإستقلال. وكان شعارها الأساسي:” واحد واحد، الشعب السوري واحد”. لكن ثورة الحرية والكرامة وبالرغم من وضوح أهدافها وإصرار شبابها وتضحياتهم، لم تفرز قائدا يلتف حوله الثوار ويوحد كلمتهم كما فعل سلطان. فبقيت بحكم تجربة الشباب المحدودة ثورة عفوية من غير قيادة مركزية. هذا في الوقت الذي خذلتها معظم النخب السياسية والأحزاب العقيدية التي بقيت لنصف قرن من الزمن تتغنى بدورالجماهير وقوة الشعوب.

وعندما جد الجد وأنتفضت الجماهير وبدأت الشعوب تسقط حكامها واحدا تلو الأخر تراجعت إلى الخلف وأنكفأت في قواقعها المذهبية والفئوية. بل وبدأت تكيل لها الإتهامات وتحاربها. وذلك ما جعل المعارضة السياسية المتواجدة في الخارج أن تركب موجة الثورة دون أن يكون لها القدرة الفعلية على قيادتها على الأرض في الداخل أو حتى تمثيلها في الخارج عبر مشروع وطني شامل. فتكالبت على الثورة معظم القوى الدولية والإقليمية بهدف إجهاضها وذلك لأنها وجدت فيها تهديدا لمصالحها وتوجهاتها. هذا في الوقت الذي استخدم فيه النظام الحل الأمني مع الثوار وأمعن به منذ البداية، وعسكر الثورة بعد أقل من ستة أشهر من إنطلاقتها. وسَهّلَ قيام التنظيمات الدينية المسلحة ووفر لهم بيئة حاضنة استقطبت المتطرفيين والإرهابيين من شتى أصقاع الأرض. حتى أصبحت سورية بؤرة إستقطاب الإرهابيين الأولى في العالم وحاضنة ناشطة لتفريخهم.  فدخلت البلاد في آتون حرب أهلية، ومن ثم تحولت إلى حرب إقليمية وعالمية بالوكالة.  وبهذا فقد النظام السيطرة على مقدرات الوطن وفرط بوحدته، وباتت سورية بمعظمها ترزح تحت الإحتلال. فامتلأت بمقاتلي الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الطائفية الموالية لإيران والتي تقاتل مع النظام أو بالنيابة عنه. وباتت تتحكم بقراره السياسي والإقتصادي بسبب تفوقها العسكري عليه وإدارتها المباشرة للمعارك. وأيضا بسبب الدعم الإقتصادي واللوجستي الذي تقدمه للنظام خدمة لمصالحها وتحقيقا لأهدافها التوسعية في المنطقة.

أما القسم الآخر من سورية فباتت تسيطر عليه داعش وأخواتها من الفصائل المسلحة المتطرفة. والتي نمت وتوسعت على حساب الجيش الحر الذي خسر معظم عناصره ومواقعه لصالح هذه التنظيمات بسبب انحسار الدعم المُتعمد عنه وزيادته  لهذه المنظمات. والتي يقاتل فيها عدد كبيرمن الأجانب وتدعمها أيضا دول خارجية لها مصالحها ومشاريعها في سورية والمنطقة. كما وجاء التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية ليسخن أجواء الحرب الباردة ويعيد فتح ملفات الحرب العالمية الأولى والتي يحاول أن يحصل من خلالها  الرئيس الروسي بوتين على ما لم يحصل عليه في حينه القيصر. ولقد باتت أوضاع المنطقة اليوم تشابهه تلك التي كانت عليه عشية إنطلاق الثورة العربية الكبرى عام 1916 بعد أن قَسّمت بريطانيا وفرنسا المنطقة وفقا لإتفاقية سايكس بيكوعلى إثر التوافق مع الأمبراطورية العثمانية للتخلي عن دعمها لدول المحور والإنضمام إليها في التحالف ضد الألمان في الحرب العالمية الأولى. وذلك ما أدى إلى قيام الثورة العربية الكبرى، والتي شارك بها سلطان الأطرش. ومن ثم قاد لاحقا الثورة السورية الكبرى، ثورة تحرير سورية. والتي تبعتها ثورات تحرير أخرى في كافة أرجاء المنطقة. وذلك ما جعل من سورية  قائدة لمشروع عربي تحرري في المنطقة. وبهذا أصبحت سورية  رافعة المنطقة. إن ارتفعت، نهضت معها المنطقة. وإن سقطت، انهارت معها المنطقة. والمنطقة اليوم أصبحت محطمة وعلى وشك الإنهيار وأهلها محبطون. وتواجه مشاريعا عديدة لتقسيمها وشرذمتها في ظل غياب أي مشروع عربي ينقذ الأرض ويحافظ على الهوية. فاليوم أصبح يشابه الأمس. وسورية باتت  ترزح تحت الإحتلال. فهل من سبيل إلى التحرير يا سلطان؟

وكان سلطان قد أجاب على هذا السؤال في وصيته قبل وفاته، والتي أقتطف منها الآتي:“وصيتي لكم، إخوتي وأبنائي العرب هي أن أمامكم طريقاً طويلة ومشقة شديدة تحتاج إلى جهاد وجهاد: جهاد مع النفس وجهاد مع العدو. فاصبروا صبر الأحرار ولتكن وحدتكم الوطنية وقوة إيمانكم وتراصّ صفوفكم هي سبيلكم لردّ كيد الأعداء وطرد الغاصبين وتحرير الأرض. واعلموا أن الحفاظ على الاستقلال أمانة في أعناقكم بعد أن مات من أجله العديد من الشهداء وسالت للوصول إليه الكثير من الدماء. واعلموا أن وحدة العرب هي المنعة والقوة وأنها حلم الأجيال وطريق الخلاص. واعلموا أن ما أُخِذَ بالسيف، بالسيف يُؤخَذ، وأن الإيمان أقوى من كل سلاح، وأن كأس الحنظل في العز أشهى من ماء الحياة مع الذل وأن الإيمان يُشحَن بالصبر ويُحفَظ بالعدل ويُعَزّز باليقين ويُقوّى بالجهاد. عودوا إلى تاريخكم الحافل بالبطولات، الزاخر بالأمجاد لأني لم أرَ أقوى تأثيراً في النفوس من قراءة التاريخ لتنبيه الشعور وإيقاظ الهمم لاستنهاض الشعوب فتظفر بحريتها وتحقق وحدتها وترفع أعلام النصر. واعلموا أن التقوى لله والحب للأرض وأن الحق منتصر وأن الشرف بالحفاظ على الخلق، وأن الاعتزاز بالحرية والفخر بالكرامة وأن النهوض بالعلم والعمل، وأن الأمن بالعدل وأن بالتعاون قوة.”(3)

المصادر:

(1) سيرة حياة سلطان باشا الاطرش- موقع سلطان الاطرش

http://www.sultanalattrache.org/bio.php

(2) سلطان الأطرش- موقع وكيبيديا- الموسوعة الحرة

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D8%B1%D8%B4

(3) وصية سلطان- موقع سلطان الأطرش

http://www.sultanalattrache.org/will.php





Tags: محرر