Archived: د .محمد مرعي مرعي: بقايا سلطة آل الأسد..بين سلوك القطيع وديناميات جماعات الثورة

د .محمد مرعي مرعي: كلنا شركاء

لم يبق لسلطة آل الأسد سوى قلة من المرتزقة الذين ما زالوا قطيعا وعبيدا لها بحماية عصابات دولية في الخارج لقاء خدماتها لهم طيلة 50 عاما . هنا ، يفيد تحليل سلوك قطيع آل الأسد أفرادا وفئات في أقلياتهم أو تواجدهم بالبلد ، إذ عندما يقومون بالتصرف بسلوك جماعي دون تفكير أو فهم لما يحدث حولهم فإن دلالة ذلك أنهم تخلوا عن بشريتهم وعقولهم وارتضوا اتباع سلوك القطيع الحيواني كتصرف الحيوانات في قطيع البهائم  أو أسراب الطيور أو سلوك الأشخاص خلال الفرار من الكوارث.

للتوضيح ، شبه عالم الأحياء (هاملتون ) في مقالته: “هندسة القطيع ” سلوك القطيع عند الحيوانات بأن كل عضو في مجموعة ما يخدم نفسه بالدرجة الأولى بتقليل الخطر عن نفسه بالدخول مع الجماعة والسلوك بسلوكها، وهكذا يظهر القطيع بمظهر الوحدة الواحدة بينما هو في حقيقة الأمر يخدم مصالح أفراد بأنفسهم. ثم أجريت بحوث على الأشخاص لفهم تصرف البشر في الجماعة الواحدة عندما يقومون بالتصرف بسلوك متشابه كسلوك القطيع فوجدوا أنه في الجماعة الواحدة يميل الأشخاص الأقل مركزا أو الأقل تأثيرا في الجماعة إلى التصرف باقتداء سلوك من هم أعلى مركزا أو أحسن حالة وظيفية أو اجتماعية منهم . ومن أشهر الأمثلة على سلوك القطيع في المجتمعات البشرية المسيرات والمظاهرات واتخاذ قرارات روتينية دون وعي بأسسها ونتائجها . هنا ، نقصد بالسلوك القطيعي عندما يقوم الأشخاص الذين ينتمون لجماعة ما بالتظاهر تأييدا لما يعتقدونه زعيمهم أو عندما يقوم من ينتمي لطائفة أو عرق معين أو فئة مرتزقة من المنتفعين كأقلية بالدفاع عن طائفته أو عرقه أو فئته و يلجأ هؤلاء الأفراد إلى التجمهر في مكان ما يحدده من يقود القطيع وتصرفون بطريقة غوغائية عشوائية ارضاء له . إنه قطيع الراعي حيث يبعد من في القطيع تفكيره وقراره الشخصي ويذوب في الآخرين دون وعي ، ويعرّض نفسه للأخطار وأحيانا للقتل كما يحدث في أعمال الحشد الطائفي والأقلوي والفئوي لقتال الغير ، بمبرر أن الفرد يجد القرار الذي اتخذته الجماعة يفيده مستقبلا ويحميه ، فيقود نفسه مع القطيع إلى الهلاك .

كتب المؤرخ (غوستاف لوبون) “سيكولوجية الجماهير” وأعتبرهم كيانا غير منظم ولا عقلاني ،و كتب عالم الاجتماع ( جان بورديارد ) ” في ظل الأغلبيات الصامتة” معلنا أن الجماهير تقبل صور المعاني ولا تقبل جدليتها و تتميز بالسلبية كونها لا تتجاوب بندّية ، وتمارس الامتصاص لأي شيء يُركَز عليها بكثافة من التاريخ أو الإعلام أو الأجهزة الثقافية والسياسية المختلفة.
لكن ، يقابل الجمهور النخبة ، أومن أطلق عليهم المؤرخ ( أرنولد توينبي) “الأقلية المبدعة” إذ افترض في دراسته تاريخ الحضارات وجود نخب مبدعة تقود مجتمعاتها وحضاراتها لتحقيق أسباب النجاح والبقاء، ووجود نخب مبدعة يستلزم في نفس الوقت وجود نخب غير مبدعة تسحب المجتمع معها للانحدار والجمود، واعتبر توينبي إن أعدى أعداء حضارة ما يكون في عدم استجابتها للتحديات حين تحاكي نخبتها الخلود إلى الاسترخاء. وتكون النخب نخباً حين تكون مصدراً مغذياً وممداً في حقل ما يحتاجه الجمهور وليس حينما تقتات منه. لذا لو استطاع الجمهور أن يوفّر احتياجاته التي يريد من دونها فستفقد هذه النخب مبرر بقاءها و تمايزها.
لكن الجمهور ككيان له آلية وجود تلقائية ، ولو تعرض للحشد والتعبئة والأدلجة فإن هذا يتم لفترة مؤقتة لا يلبث أن يعود بعدها إلى طبيعته. هكذا،استطاعت السلطات العسكرية الحاكمة في البلدان المتخلفة تحت كثافة الصور والشعارات أن تحشد الشعب وتسحبه معها لخوض حروب متتالية كون تلك القوى العسكرية لا تجيد سوى هكذا مسار ومن غير وجود حروب يكون وجود تلك القوى الغاشمة بلا معنى ولا حاجة لها. لكن الشعب لم يلبث أن يفترق عن تلك السلطات المتحكمة به بقوة قاهرة ويعود إلى طبيعته ليطلب الحياة والحريات والعدالة. عادة تقوم النخب الدينية مع حكم العسكر برسم صورة محجّمة ووضيعة عن الشعب للحاكم العسكري المتسلّط للحصول على رضاه ومزاياها منه ، وتبين له أن الجمهور أو الشعب مجموعة من الخراف الضالة ولديه احتياج أبدي للرعاية والتوجيه  فتفوز هي بالوصاية على الشعب بتوجيه الحاكم ، ويتخفف الحاكم من الواجب والمسؤولية بأفعال ضالي الأديان. بالتالي ، يصعب أن تكون هناك كرامة للفرد المواطن مع التقدير أو التأليه المبالغ فيه لأشخاص من الحكام وأفراد عائلتهم  الذي يستلزم استعداداً مماثلاً ومبالغا فيه للحط من قدر آخرين كـأفراد الشعب الذين لا يمثلون ثقلاً قويا مضادا للحاكم .
هنا ، ينبغي تقليص التمايز الرمزي بين الحاكم المؤلّه والشعب الصامت إلى حين الذي قبل به كحاكم مرغما، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية وأشباهها التي تقودها كلمة وتخنقها صورة، ويذكر المفكر (محمد جابر الأنصاري ) في كتابه “العرب والسياسة الخلل” بأن النخب العربية على امتداد الزمن لم تنجح فعلياً في تحقيق نسيج علاقات متميزة داخل مجتمعاتها. بالمقابل ، يكون نمو الجماهير بطيئا في تلك المجتمعات ، لكن أنجزت التكنولوجيا وخدماتها الحديثة أعظم نقلة للجمهور في هذا المجال إذ لم يعد الجمهور ذلك الجسم الجائع المجوّف المستعد دوماً لاستقبال أعطيات الحاكم أو نخبه المرتزقة ، بل اتسعت مساحة استقلالية الأفراد في جوانب متعددة.

لكن ” ديناميات الجماعات”  تفرز سلوكا للجماعات مخالفا لسلوك القطيع باعتبار الدينامية مضادة لمفهوم الجمود وتتضمّن التحوّل، وتستخدم مضاداً لمفهوم الأنا وتشتمل على مجموعة من التغيرات المترابطة فيما بينها تبعاً لقوانين ضمنية بعيدة عن سلطة الحاكم المتسلط وأدواته الإجرامية, وتتضمن القوة الدافعة و التفاعل الجمعي والتطلعات المستقبلية و البرامج التنموية. وبذلك يتضمن مصطلح “دينامية الجماعات ” الحراك، أي حالة الدفق والأنشطة المتماسكة المتسقة والمجتمعة التي تؤدي إلى تحقيق هدف الجماعة على النحو المرجو. والجماعة هنا وحدة اجتماعية من الأفراد لديهم قواسم مشتركة من القناعات والمعتقدات والقيم ويتبعون نفس القواعد ويعملون من أجل أهداف ومهام مشتركة متفق عليها. وتفيد دراسة ديناميات الجماعة في فهم سلوكيات صنع القرارات الجماعية، و ظهور وشعبية أفكار وتكنولوجيات جديدة ، كما أن “ديناميات الجماعة “هي جوهر فهم العنصرية والتمييز على أساس الطائفة والعرق والجنس أوالجغرافيا وغيرها من أشكال التحيّز والتمييز الاجتماعي.

نتساءل : لماذا يحصل سلوك القطيع في شعوب بعض الدول ، بينما يرفضه ولا تقبل به شعوب دول أخرى ؟

الجواب : إنه ضمور النخب الوطنية القادرة على نقل الشعوب إلى مصاف التفكير البشري في ظل حكام مجرمين وفاسدين ، وحينها يبقى الذئاب في الميدان يقودون الشعوب كالقطيع .

ما حصل في الثورة السورية على سلطة آل الأسد كان بفعل ديناميات الجماعات للتخلص من سلوك القطيع،والوصول إلى المواطنة بدلا من الحصول على مكرمات السلطة ،لأن المواطنة أكبر من حدود الجنسية السورية التي تحدّد انتماء شخص إلى مكان جغرافي ما يحمل اسما معينا للتفريق بين المواطن والأجنبي. لأن المواطنة مجموعة الحقوق والواجبات التي تعطيها الدولة إلى الشخص. الا أن الواقع في تطبيق مفهوم المواطنة في ظل سلطة آل الأسد كان مختلفا عما هو في سائر الدول المتحضرة. ويبدو هذا الاختلاف واضحا بين الدول الديمقراطية والبلدان الدكتاتورية. تقرّر الدول الديمقراطية الحقوق السياسية ، أي مفهوم المواطنة المجتمعية المتضمن حقوقا اجتماعية واقتصادية تعطى لجميع الأفراد الذين يتواجدون على الأرض الجغرافية للدولة.

اما في اليلدان الدكتاتورية تقتصر الجنسية على الحصول على الخبز والماء والهواء فقط مع بعض مكرمات من الحاكم وأسرته ، في ظل غياب حقوق المواطنة كليا. ويقتصر وجود الشعب على السير في قطيع التصفيق والتضحية بالروح والدم لراعي القطيع. وهذه البلدان تحرم مواطنيها من الحقوق السياسية  والمجتمعية وتنتهك ابسط الحقوق المدنية المفترض أن يتمتع بها أي مواطن. لذلك هي اقرب الى ما يسمى “بمواطنة القطيع”، أي قطيع الأغنام التي تعتبر من بين أولى الحيوانات التي استطاع الانسان تدجينها لأن الخروف يرمز في ثقافة الشعوب إلى الذل والخنوع وسهولة الانقياد كونه حيوان الأضحية ، وعلى هذا الأساس تكون سياسة تربية الخراف و التضحية بها ” بالمواطنين” هي أساس السلطات الدكتاتورية.  لذلك ، ليس غريبا في سوريا آل الأسد أن تروج ثقافة الشبيحة حين التعامل مع الثوار وحاضنتهم الشعبية بأنهم ارهابيون ويتبعون دول أخرى كونهم خرجوا عن مسار قطيع سلطة الاسد ، ويدعون لسحب الجنسية من المعارضين لراعي القطيع ومنحها لم يدافع عن سلطة آل الأسد من اتباع الديانة الفارسية الشيعية كالأفغان والايرانيين والعراقيين واللبنانيين وأشباههم . فالجنسية لهؤلاء الشبيحة لا تعدو كونها مواطنة قطيع ومواطنة السير في قطيع بهائم آل الأسد للتعبير عن تأييد “القيادة الحكيمة” و” السياسة الشجاعة” لبشار ومن قبله حافظ وأسرتهما . بل بلغ الهبل حد إلغاء التفكير والعقل عندما كان يردّد شبيحة  آل الأسد في  قضايا تسليم سلاح “الردع” الكيماوي و مفاوضات تسليم السلطة ومبادلة أسرى إيرانيين ولبنانيين وأفغان والتخلي عن أسرى الطائفة العلوية لدى جماعات الثوار عبارات :”القيادة تعرف الأفضل”  ؟ و القيادة تعمل لصالحنا ؟ ، وينسحب ذلك على (حفلات الدبكة والرقص بالعرس الشعبي ) لانتخاب اعضاء مجلس شعب آل الأسد ( التي يقوم بها قطيع سلطة الأسد مما يسمى أساتذة جامعات وفنانين واعلاميين وكبار موظفين ومنظمات شعبية وأحزاب جبهة وطنية تقدمية وأم البيارق وأمثالها ) للوصول إلى تحقيق الوحدة والحرية والاشتراكية ! 

إن غياب ثقافة العقل والتفكير النقدي بل غياب كل ما هو ذاتي ومطالبة بكرامة شخصية وتكريس الأنا الغائبة عن الوجود البشري في روح القطيع وقبول الانقياد لسلطة عائلة مجرمة وفاسدة مع مرتزقتها عاثت فسادا وتخريبا في بنى المجتمع السوري ودولته وتاريخه وحضارته ، يسهّل فهم اصطفاف قطيع شبيحة آل الأسد والبقاء خلفها بعد قتلها 400 ألف وجرح وإعاقة مليوني وتشريد 12 مليون مواطن سوري وتدمير نصف سوريا. إنه هدف السلطات الدكتاتورية التي تسخّر كل مؤسساتها لخلق ثقافة “نحن الغنم وثقافة الاستسلام لأمر القيادة والتضحية بالروح والدم كالنعاج لا تملك القدرة على التفكير التي خلقت لتذبح على كرسي الحكم فداء للراعي. لهذا ، نرى على امتداد 50 عاما عبارات مثل :راعي العلم والعلماء ، والرياضة والرياضين و مصالح الشعب والمواطنين….الخ.
هكذا, يجب تكريس ثقافة “المواطنة الثقافية” أو “روح المجتمع” بدلا من ثقافة القطيع أو روح القطيع التي تميز البلدان الدكتاتورية مثل (سوريا وروسيا وايران والعراق وكوريا الشمالية وأشباهها من البلدان المهترئة)التي يغيب عنها ظاهرة الابداع و الابتكار.

أخيرا، لم يفهم آل الأسد ومرتزقتهم أن ديناميات الجاعات ستطيح بهم يوما ما ، وها قد دخلت الثورة الشعبية لتتخلص من روح القطيع عامها السادس ، ولم يتبق لبقايا السلطة الأسدية إلا اللهاث وراء من يحميها ويبقيها بالحكم أشهرا في حكم سوريا . لذلك ، كل ما يجب على الثورة أن تقوم به وتبني عليه سورية المستقبل هي ثقافة الاستقلال الذاتي وتشغيل العقل التي تقوم على روح المبادرة والتفكير النقدي وتتجسد بروح التعاون و”مصلحة نحن” التي تتضمن “الأنا” عبر غرس ثقافة تكامل وظائف الجسد الواحد بالتكافل ، وعلى نقيض ثقافة القطيع التي بنيت عليها الدكتاتورية الأسدية، وسيكون الأساس الذي تبنى عليه هذه الثقافة الحرية التي تقوم على سحب سلطة الانقياد الأعمى من الحكام المجرمين والفاسدين ومرتزقتهم واستبدالها بسلطة التفكير المبنية على أساس سلطة العقل لدى الأنسان .





Tags: محرر