on
Archived: عبد الله حنا: السياسة والعنف ومحركهما (الأصفر الرنان) في سورية القرن العشرين
عبد الله حنا
استهلالة
في 5 حزيران 1925 عقد حزب الشعب اجتماعا جماهيريا في بهو اوبرا العباسة بدمشق حضره اكثر من ألف شخص . خطب في هذا الإجتماع الطبيب النهضوي والزعيم البارز في الحركة الوطنية العربية عبد الرحمن الشهبندر جاء فيه :”إن كيان اوروبا يهدد في يومنا هذا بحرب عوان تدعى حرب الطبقات ، وخلاصتها أنّ تسعة أعشار الأمم الغربية وهم العمال يشتغلون آناء الليل وأطراف النهار لإشباع بطون العشر الباقي وإملاء جيوبهم وهم المملقون … وه إذا ما سمعوا بالمظالم والمغارم التي تُجنى بإسمهم قالوا : ليس بين شعوب الأرض شيء من سوء التفاهم ، وإنما هو صراع رأس المال … وسينتهي الإفلاس بالبلاد المستعمَرة إلى حشرها في صفوف العمال يتعاون الجميع على تحرير الإنسانية من مخالب الأصفر الرنان ” .
كان الشهبندر القائد الفكري للثورة الوطنية السورية ، التي اندلعت في صيف 1925 ، فحكمت عليه سلطات الإنتداب الإستعماري بالإعدام ، فلجأ إلى مصر .
وبعد صدور العفو عام 1936 عاد الشهبندر وافتتح عيادة في دمشق مستأنفا نشاطه الوطني والفكري لبلورة المشروع النهضوي التنويري العربي .
في ضحى السادس من تموز 1940 اغتيل الدكتور عبد الرحمن شهبندر غدراً في عيادته بدمشق على يد مجموعة متسلحة بفتوى من الشيخ مكي الكتاني لقتله لأنه ملحد .
وكان اغتيال الشهبندر على يد تلك الفئة المنغلقة المتزمتة بمثابة تحذير للمنادين بحرية الفكر العربي والداعين إلى العقلانية والعلمانية والتنوير، والسير بالمجتمع العربي خطوات إلى الأمام، في ميدان التقدم الحضاري والرقي .
لقد كان المسدس الذي سدّد طلقاته إلى جسم الشهبندر، وتحديداً إلى رأسه ودماغه المفكر، يعني أن عصر النهضة العربية لم ينتصر كما حلم رواد النهضة العربية في العقود الماضية، وأن حرية الفكر ليست سهلة المنال..
ألم يُهدَر دم الشهبندر، لأنه دعا إلى السفور، ونادى بالديمقراطية، وطرح أفكاراً علمانية، وتحدث عن الاشتراكية المعقولة ، وسلخ “عمره في الدفاع عن حرية الفرد وحرية الجماعة سياسياً وإجتماعياً واقتصادياً”.
لقد كان من السهل على أعداء النهضة، ومناهضي التقدم، اتهام الشهبندر بالكفر، وتحليل قتله، وإلقاء الرعب في نفوس رواد النهضة ودعاة التحرر والتقدم.
بعد اغتيال الشهبندر، أصدر “جماعة الإصلاح الاجتماعي العربي” بدمشق، بياناً معبراً عن الوضع نتيجة اغتيال الشهبندر وفيما يلي مقاطع من البيان :
أيها العرب. إن “جماعة الإصلاح الاجتماعي العربي” قد اهتمت بقصة اغتيال الشهبندر لأنه إذا صح أن التهوس الديني ساعد عليها، كان معنى ذلك أن العالم العربي يعيش في بؤرة من التقهقر الإجتماعي، وأن حرية الفكر في بلاد العرب أصبحت في خطر، وأن كل مفكر لا يستطيع التفوه بما يعود على الحضارة العربية بالتقدم، وأن كل مفكر عربي تقدمي يقضى عليه سياسياً واجتماعياً باسم التعصب الديني، الذي لا يمت بآصرة من الأواصر إلى روح الدين. وإن الرضوح لإرادة من لا يفهمون من الدين إلا القشور دون اللباب، سيؤدي إلى كارثة كبرى. إن جماعة الإصلاح الإجتماعي العربي، لم يهتموا بقضية اغتيال الشهبندر، إلا لأنه اغتيال لحرية الفكر العربي. لقد سلخ الشهبندر عمره في الدفاع عن حرية الفرد وحرية الجماعة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وأن المسدس الذي سدد إليه إنما سدد إلينا جميعاً كعرب نقول ونؤمن بأن حرية الفكر والوجدان هما من أكبر الدعائم التي ارتكزت عليها الشريعة الإسلامية.
أيها العرب: إن اغتيال الدكتور شهبندر كان اغتيالاً للفكر العربي التقدمي، هذا الفكر الذي لا يمكن لنا بدونه إبداع مكاننا تحت الشمس”.
المقدمة
أغفل ويغفل معظم الباحثين التربة الاقتصادية – الاجتماعية، التي انبتت العنف ، واقتصر اهتمامهم على العوامل السياسية والفكرية المرئية ، التي طفت على سطح الأحداث . وأرى من الضروري لفهم علاقة السياسة بالعنف التشديد على العلاقات الاقتصادية – الاجتماعية والسعي لكشف الستار عن تأثيراتها ومفاعيلها المتنوعة . كما أن إيلاء الاهتمام إلى البنية الاجتماعية بعامة ، وجانبها الطبقي بخاصة يرشدنا لتلَمّس موضوع السياسة والعنف في عالمنا العربي ، الذي تتقاذفه اليوم إضافة إلى مفاعيله الداخلية الرياح القادمة من جواره في إيران وتركيا والعواصف الصاخبة في العالم من أمريكا إلى روسيا مرورا بالقارة العجوز. ولا يخفى أن هذا النهج سيدفع بعضهم لإتهام كاتب الورقة ب ” الطبقوية ” أو ” الإيديولوجية ” ، وهم يضيقون ذرعا بتسليط الأضواء على الحراك الاجتماعي ودورالشرائح الإجتماعية ومواقفها في عهود الإقطاعية الهابطة والبورجوازية الصاعدة .
الأجواء الاجتماعية المتمثلة بالبنيتين الإقطاعية والرأسمالية (الفقيرة صناعيا) والمتأثرة بالإجتياح الاستعماري للعالم العربي هزّتها في النصف الثاني من القرن العشرين رياح الاقتصاد الريعي النفطي ، الذي رسّخ دعائم “
الدولة الأمنية ” من جهة ، وساعد على سرعة انتشار الإسلام السياسي وأحزابه .وستسلط الدراسة الأضواء على الحالة السورية والدور السلبي للقطاع العام المدار من البيروقراطية المستأثِرة بجانب كبير من خيراته . حيث اصبح القطاع العام مع عوائد النفط إحدى الركائز الأساسية للدولة الأمنية ، التي حجّم المجتمع المدني المزدهر في منتصف القرن العشرين ، ومارست اساليب العنف التي ستتناولها الدراسة بقدر ما يسمح به ” المقام ” .
ولن تُغفل الدراسة دور العامل التراثي المتمثل برسوخ أقدام الممارسات المملوكية والإنكشارية العثمانية في ترسيخ دعائم الاستبداد واستخدام العنف في التضييق على المنظمات الحرفية ومشاركة التجار أرباحهم وعصر الفلاحين وإبقاء المجتمع في حالة من الركود والجمود ، وبالتالي سد الطريق أمام التطورالرأسمالي والثورة الصناعية .
ومع تلاطم أمواج الحداثة على شواطئ العالم العربي وما خلّفته من آثار نلاحظ انبعاث تقاليد الدولة السلطانية في إهاب الدولة الحديثة ، وقيام الأجهزة الأمنية بممارسات عنفية سياسة هي من صميم الدولة السلطانية ، التي لم تستطع الدولة الحديثة الخلاص منها . ولهذا أطلق المؤلف على هذه الأجهزة الأمنية اسم ” المباحث السلطانية ” ، وهي أجهزة تعيش بعقلية الإستبداد المملوكي العثماني ولا علاقة لها بالحداثة ، ولكنها تستخدم التحديث وما انتجته الحضارة ” الغربية ” لتشديد قبضتها على المجتمع ووضع مؤسسات المجتمع المدني ، مغلولة اليدين ، في خيمتها السلطانية المجهزة تقنيا بأحدث ما انتجته حضارة الغرب .
وفي الضفة المقابلة تسير قوى الإسلام السياسي المتحجرة المتزمة والمنفلتة اليوم من عقالها ( ورحم الله السلفية النهضوية التنويرية وبخاصة جناحها الشامي ) على خطى الدولة الأمنية العربية في استخدام التحديث لصالح الإستبداد والسير بالعنف إلى حدود البربرية ، مستندة إلى الجوانب المظلمة من تراثنا العربي الإسلامي ، وهي تسترجع غزوات المغول والتتار وفتاوى إبن تيمية .
***
( 1 )
من مظاهر العنف في التاريخ السوري وفق العهود
ستتناول الدراسة العنف والسياسة ومحركهما الأصفر الرنان في سورية القرن العشرين ومستهل القرن الحادي والعشرين وفق المخطط التالي :
1 – أواخر العهد العثماني :
أ- العنف في التراث السلطاني المملوكي والعثماني استنادا إلى كتابات
المؤرخين في مصر وبلاد الشام .
ب – التنظيمات العثمانية ومحاولات التخفيف من العنف مع صدوردستور مدحت باشا
ج – الثورة المضادة للترقي تحت لواء قوى ” الرجعة ” بقيادة السلطان عبد
الحميد ، الذي اتصف عصره بإرتفاع وتيرة العنف بمختلف أشكاله .
د- مرحلة ثورة الإتحاد والترقي 1908 بإيجابياتها وسلبياتها واستمرار العنف
رغم الدستور ومجالس المبعوثان .
ه – أمثلة من العنف ، الذي مارسه النظام العثماني أثناء ” لَمِّ العسكر “
وهو ما يُعرف بالتجنيد الإجباري . فالعنف الذي مارسه ملتزموا الضرائب بمعونة عسكر النظام في تحصيل ضريبة الخراج ، التي تحولت إلى العشر ، أدى إلى إفقار الفلاحين وإذلالهم . وجباة الضرائب وأمراء العسكر تحوّلوا ، بعد سرقة الأراضي ، إلى إقطاعيين مارسوا على الفلاحين عنفا يندى له الجبين ، استمر حتى صدور قوانين الإصلاح الزراعي 1958 .
2 – من ركام الحرب العالمية الأولى إلى الدولة العربية الحديثة في دمشق ( 1919 – 1920) وما انجزته قبل أن تسارع قوى الإحتلال الفرنسي للقضاء عليها .
3 – مرحلة الانتداب الإفرنسي 1920- 1943 .. لقد كان الهدف الرئيسي للانتداب الفرنسي – كما هو حال الانتداب البريطاني على العراق وشرقي الاردن – تشديد قبضة الرأسمالية الفرنسية ومؤسساتها على سورية ولبنان لاستثمار خيرات هذه البلاد وفق الاسلوب الامبريالي المعروف . وهنا يكمن الوجه المظلم للانتداب بصفته أحد الوسائل الأخف وطأة للاستعمار.
ولكن للانتداب وجهاً آخر لم يكن المؤرخون السوريون والعرب- ومنهم كاتب هذه الأسطر- يعيرونه أي اهتمام. فقد كان التشديد أثناء التأريخ، ولا يزال، يتمُّ عبر قطبين متنافرين: الاستغلال والاضطهاد الاستعماريين ونقيضهما المقاومة الوطنية والنضال من أجل الاستقلال.
هذا الوجه الآخر للانتداب تمثل بازدياد تأثير أفكار الثورة الفرنسية وهبوب رياح الحداثة والتحديث ، التي أسهمت ، على الرغم من مرارة الاحتلال الاستعماري، في تحريك عملية التطور بمختلف أبعادها ودفعها إلى الأمام. وقد أتى في مقدمة عملية التطور هذه السير قدماً في بناء الدولة الحديثة , التي أخذت في التكوّن في العقود الأخيرة من العهد العثماني . وهذه الدولة الحديثة حملت في أحشائها عناصر ليبرالية وأخرى استبدادية .
4 – مرحلة فجر الاستقلال 1943 – 1958 ( الحكم البورجوزي الإقطاعي) ، الذي قيّدته الحركة الشعبية بقيادة ” البورجوازية الصغيرة ” الصاعدة في المدينة والريف . وهذا مما أدى ، مع انتعاش أفكار النهضة والتنوير ، إلى تراجع العنف إلى حدوده الدنيا . وشهدت نهاية هذه المرحلة أزهى عهود سورية الحديثة في الحكم البرلماني والحريات الديموقراطية وصعود الفئات الوسطى واحتلال الطبقة العاملة الناشئة دورا في الحياة السياسية . وتراجعت في هذه المرحلة التكتلات المذهبية والطائفية أو العشائرية والعائلية لصالح الولاءات الوطنية والقومية . وانحسر العنف انحسارا ملحوظا . وجاء قانون العشائر ، الذي أقرّه المجلس النيابي في نيسان 1958ليسدد ضربة قاتلة لمنبع العنف في البوادي وقوانين الغاب السائدة فيه .
ويلاحظ أن إطلاق الحرية للجماهير المقتنعة بعدالة قضيتها يجعل العنف ” في خبر كان ” . ونضرب مثلا على ذلك ما جرى أثناء الحشود التركية واستفحال أمر الأحلاف الإستعمارية عندما وزّعت عام 1957السلطة الوطنية عشرات آلاف البنادق على المتطوين في المقاومة الشعبية . وقد التقى كاتب هذه الأحرف بثلاثة من الضباط ( وهم معلمو ابتدائي يؤدون خدمة العلم ) كانوا مسؤولين في ريف دمشق عن المتطوعين في المقاومة الشعبية وتدريبهم . الثلاثة أكدوا لكاتب هذه الأحرف أنه لم يقم المتطوعون بإطلاق رصاصة واحدة عشوائيا ، والإنضباط الذاتي كان سيد الموقف . وهكذا اختفى العنف إلى حد بعيد من قاموس الحياة الوطنية عام 1957، بفضل الديموقراطية النابعة من القلوب .
5 – مرحلة الوحدة بين سورية ومصر وقيام الجمهورية العربية المتحدة 1958 –1961 ، التي مُنعِت فيها الأحزاب , وأخذت المباحث السلطانية تشدد النكير على دعاة الحرية ممهدة الطريق للحكم الشمولي وفصل السياسة عن المجتمع .
إن المحتوى التقدمي للإجراءات الاجتماعية-الاقتصادية أيام الوحدة بين سورية ومصر تدنى كثيراً، لأن الحكومة حاولت أن تفرض تلك الإجراءات على البورجوازية الكبيرة ، ( التي لم تكن ثمة ضرورة اقتصادية لتأميم رأسمالها ، بل كان الهدف سياسيا ) دون أن تعتمد على مساندة القوى الوطنية التقدمية في
البلاد، في وقت خُنقت فيه الحركة النقابية، وحُرمت الطبقة العاملة وغيرها من الشرائح الاجتماعية من العمل السياسي.
ولا شك أن الأجهزة البيروقراطية والمباحثية في الجمهورية العربية المتحدة ، واستخدامها للعنف ، كانت المعول الهدّام في خلق بذور الاستياء بين الناس وفي القضاء أو تحجيم مؤسسات المجتمع المدني، التي انتعشت في عهد مابعد الاستقلال وبخاصة مرحلة المجلس النيابي (1954-1958).
وقد سهّل إبعاد القوى الوطنية والتقدمية عن المواقع الهامة في دوائر الدولة والضغط عليها أو إلقاء أقسام منها في غياهب السجون، والقيام بحملات تعذيب للمساجين الصامدين مما أدى إلى موت عدد منهم تحت التعذيب. وحادثة تعذيب وقتل فرج الله الحلو أحد قادة الحزب الشيوعي، وتذويب جثته بالأسيد لإخفاء معالم الجريمة، لم تكن في صالح استمرار الجمهورية . فالعنف الذي مارسته الأجهزة الأمنية في الجمهورية العربية المتحدة كان أحد المعاول ، التي هدّمت الوحدة .
6 – مرحلة عودة الجمهورية السورية إلى الحياة من جديد في أيلول 1961 ، وبالتالي عودة الأحزاب السياسية محتلة واجهة الأحداث في إطار الحياة البرلمانية مع تشويش الشعبة السياسية وريثة المخابرات السلطانية .
7 – مرحلة حكم البعث نتيجة الإنقلاب العسكري في 8 آذار 1963 وما تلاها من فترات لا تزال قائمة حتى الآن ربيع 2015. وأهم ما يميّز هذه المرحلة بعهودها المتتالية هو الحكم العسكري المتسربل بثياب حزب البعث المدنية . ومع أن حزب البعث العربي الاشتراكي بجناحيه هو حزب وليد المرحلة الوطنية الديموقراطية ومن أركانها ، إلا أنّ هيمنة العساكر وعودة المخابرات السلطانية التي وُضعت أسس عملها في عهد الجمهورية العربية المتحدة ، وعوامل كثيرة ، جعلت حزب البعث مطيّة في يد العسكر وأداة من أدوات سيطرة العسكرتاريا وحكمها المتميّز بتحالف البورجوازية البيروقراطية ( العسكرية والمدنية ) مع البورجوازية التجارية المتزامن مع انتعاش الفئات الطفيلية آكلة الأخضر واليابس . ( وكان هذا أحد
منابع العنف ، التي اكتوت البلاد بنارها ) هذه العسكرتاريا رفعت سيف تحرير فلسطين لا لتحريرها بل لقطع رأس من يحتجّ على الاستثمار والاضطهاد الممارس باسم التحرير والاشتراكية المزعومة .
وقد شهدت سورية في عهد البعث ( 1963 – 2001 ) جملة من التحركات والاحتجاجات المترافقة في معظمها بالعنف والعنف المضاد نذكر منها :
حوادث حماة في نيسان 1964 .
قاد مروان حديد زعيم الجناح المتطرف في الإخوان المسلمين المعركة ضد التأميمات . وقد بدأت الشرارة في 7 – 4 – 1964 بمظاهرات الطلاب في حماة وسرعان ما أيّدها التجار . ومع توتر الأمر وارتفاع حدّة الصدامات اعتصم مروان حديد مع عدد من الإخوان في جامع السلطان ومع بعضهم أسلحة قيل حسب الرواية الإخوانية إنها بسيطة . شباب البعث وهم في مقتبل عهدهم بالحكم والمتّقدون في تلك الأيام إخلاصا وحماسا لتحقيق التقدم عن طريق حرق المراحل وتطبيق الإصلاح الزراعي والسير في طريق التأميم ، حسموا الأمرعسكريا بقيادة محافظ حماة عبد الحليم خدام . فاقتحموا المسجد واعتقلوا المعتصمين ومن بينهم مروان حديد .
حوادث حماة شباط 1982 ، وسنتناول تفاصيلها لاحقا .
تحرك التجمع الوطني الديموقراطي للاحزاب اليسارية أواخر السبعينيات , الذياكتفى بإصدار البيانات دون النزول إلى الشارع . وسرعان ما حاصرته القبضة الأمنية وألقت بنشطائه في غياهب السجون .
– ربيع دمشق 2005 ، بمنتدياته ومحاضراته ومظاهراته السلمية ……
– التحركات الشعبية ربيع 2011 قبل انزلاقها إلى العسكرة ، التي سنتناولها في الختام ، وما نتج عنها من مآسي اتصفت باشتداد وتيرة العنف والعنف المضاد .
( 2 )
البورجوازيات البيروقراطية والأعيان العثمانيون الإقطاعيون وجهان لعملة واحدة سارت البورجوازيات البيروقراطية والطفيلية من جميع المذاهب في الثلث الأخير من القرن العشرين , ولا تزال , على خطا الأعيان العثمانيين السابقين من ملاك الأرض في احتكار ثروات العباد وترسيخ دعائم الاستغلال والاضطهاد.
ويتصف التاريخ السوري في النصف الثاني من القرن العشرين بانتقاله من الاستغلال الإقطاعي ، الذي جرى سابقا باسم الدين ، إلى الاستغلال الرأسمالي الطفيلي متسترا باسم ” الاشتراكية ” ، في البدء ، ثمّ تحوّل إلى الاستغلال باسم ” اقتصاد السوق الاجتماعي ” ظاهريا ، أما عمليا فهو اقتصاد الرأسماليات الطفيلية المنفلتة من عقالها والمحروسة من المباحث السلطانية .
وكلا الفريقين الإقطاعية القديمة قبل 1958 و ” الإقطاعية الجديدة ” مارست العنف بمختلف اشكاله وألوانه لإستثمار فئات الشعب واحتكار الثروات والتنعم بها والآخرون يتضورون جوعا وحرمانا .
( 3 )
من العنف الكاشف عن وجهه في السخرة الإقطاعية إلى العنف المقنّع في سخرة البورجوزيات البيروقراطية عندما كنت عام 1983 أقوم، بتكليف من الاتحاد العام للفلاحين، بجولة ميدانية في سائر أنحاء سورية لكتابة تاريخ الفلاحين، تقدم أحد الفلاحين في رابطة قطنا الفلاحية وسألني محتجاً: أنت تكتب عن الإقطاع في العهود السابقة، فلماذا لا تكتب عن إقطاعيي هذه الأيام؟.. وسمّى لي أسماء أصحاب المزارع ومعظمهم من المتنفذين من مدنيين وعسكريين، الذين أخذوا الأراضي، حسب قوله، بالمال والسلبطة والاحتيال والتهديد والوعيد وغيرها من الوسائل، التي يعرفها أهل المنطقة، كما ذكر.
مزارع البورجوازيات البيروقراطية هذه التي اشار إليه الفلاح لا تسهم في عملية الإنتاج ومعظمها أُنشئ للترفيه والسباحة و(شم الهوا) لتلك الفئات التي لم تتعب في جني المال عندما ” اشترت ” تلك الأراضي وحوّلتها إلى مزارع وعبثت بالمخزون المائي . ولا ننسى أن أحد أهداف شراء هذه المزارع هو غسل الأموال المنهوبة .
البورجوازيات البيروقراطية هذه تسير على خطى الإقطاعيين القدامى أيام عزّهم في تسخير الفلاحين . ويلاحظ أننا انتقلنا من السخرة الإقطاعية ( التي ألغاها المجلس النيابي السوري عام 1957 ) إلى سخرة البورجوازيات البيروقراطية ، التي بدأت في سبعينيات القرن العشرين ولا تزال إلى الآن .
ولدى كاتب هذه الأسطر أمثلة كثيرة عن السخرة البيروقراطية هذه . ونقدم المثالين أو الظاهرتين التاليين :
الظاهرة الأولى تمثلت في أحد البورجوازيين البيروقراطيين وكان رئيسا لمجلس الوزراء اشترى ” سيادته ” أرضاً بأسعار رخيصة في منطقة قطنا، إلى الجنوب الغربي من دمشق، حيث تكثر مزارع المتنفذين من البيروقراطيين، الذين حصلوا عليها بوسائل شبيهة بما كان يجري أيام العثمانيين . جلب هذا البيروقراطي، مجاناً، واعتماداً على نفوذه في دوائر الدولة معدات تابعة للدولة مع أطقمها البشرية لاستصلاح الأرض. وأتت حفّارة مُلك للجيش وحفرت، مجاناً، بئراً للمزرعة دون أن يدفع ذلك (المعلم) فلساً واحداً. وكان عدد من المجندين أرسلهم آمرهم لخدمة المزرعة وفقاً لمخطط وُضِع مجاناً أيضاً. وظاهرة إرسال المجندين لخدمة مزارع البورجوازيات البيروقراطية أو لبناء بيوتها أو ترميمها ظاهرة
عامة ومعروفة .
الظاهرة الثانية مأخوذة من منطقة ثانية .. أثناء الجولة الميدانية لكتابة تاريخ الفلاحين في خريف 1984 استمعت إلى حديث فلاحتين في جبال العلويين حول الشقاء الذي لَقِيتَاه من جرّاء نقل الحجارة سخرة ً لبناء عدة بيوت لعائلة الآغا اسماعيل الإقطاعي المعروف في المنطقة , منطقة ظهر الجبل التابعة للشيخ بدر . وبعد انتهاء الحديث توجهَت بنا السيارة وهي تصعد الجبل لمشاهدة بيوت الآغا اسماعيل التي بنيت في العهد الإقطاعي عن طريق السخرة . وأثناء الطريق لفت نظري بناء ضخم يشرف على الهضاب المتناثرة الممتدة حتى تلامس البحر أو تكاد . وكانت سيارة شاحنة ضخمة تابعة للجيش مليئة بأشجار الرخام وعدد من المجندين شباب خدمة العلم يقومون بتفريغ الحمولة من أحجار الرخام لكساء هذ القصر التابع لأحد ” المعلمين ” من الضباط , وما أكثرهم . والسخرة هنا تمثلت في وسيلة النقل التابعة للدولة والبنزين المعبّأ من مستودعات الدولة والقوى العاملة , التي تأكل من طعام الدولة وتعمل عند ” المعلم ” . و ” المعلم ” لم
يدفع قرشا واحدا في هذه العملية , كما في غيرها من العمليات الجارية لإتمام البناء . أما كيف حصل على الإسمنت والحديد والخشب وغيرها من مستلزمات البناء فهذا أمره معروف وكانت تتداوله الألسن همسا أو وراء الجدران المغلقة .
هذا النوع من السخرة البيروقراطية في إقطاعيات البورجوازية البيروقراطية يختلف عن السخرة الإقطاعية السابقة والتي انتهت في منتصف خمسينيات القرن العشرين . كانت السخرة الإقطاعية مكشوفة دون أقنعة , وتقف فيها وجها لوجه قوى الإقطاع مقابل قوى الفلاحين المحاصصين المغلوبين على أمرهم والعاملين في أرض الإقطاعي . وهؤلاء الفلاحين كانوا يشعرون بهذه السخرة ويتذمرون منها في السر
أو العلن ويتمردون عليها أحيانا . أما السخرة البيروقراطية فهي مقنّعة بقناع “وطني ” قناع ” خدمة العلم ” الوطني ” وتحرير الأرض المحتلة … والمُسخّر ” من المجندين لخدمة العلم لا يشعر بوطأة هذه السخرة ويسعى بالمقابل للاستفادة منها لصالحه الشخصي . هنا في حالة السخرة البيروقراطية يكون المجند سعيدا , إن صح التعبير , بهذه السخرة لدى ” المعلِّم ” لأنها تفسح المجال أمامه ” للهرب ” برضاء آمره المعلِّم وتمضية الوقت كما يشاء … والمسخَّر عمليا ليس هؤلاء المجندين الشباب فحسب بل الشعب الذي يدفع الضرائب لصالح ميزانية الدولة . ومن هذه الميزانية يجري الصرف على تلك السخرة سواء لتجديد نشاط القوى البشرية العاملة في السخرة البيروقراطية , أو لشراء الآلات التابعة للدولة وتستخدم للصالح البيروقراطي الخاص إلى جانب الصالح العام , ولا ننسى ثمن المحروقات التي تهدر لصالح خدمة مصالح هذه الفئات البيروقراطية وخدمها ومن يلوذ بها … وليست هذه السخرة هي الوسيلة الوحيدة لاستغلال فئات الشعب بل هناك وسائل عديدة لا يتسع المجال للحديث عنها ونكتفي بواحدة منها .
عندما رويت هذه الواقعة لأحد اصدقائي أضاف انه تحدث مع مجند كان يخدم في لبنان ويعود اثناء الإجازة ببعض البضائع المهربة لبيعها والعيش من وراء تهريبها . فسأله صديقي مستغربا اليس عيبا عليك أن تقوم بالتهريب وأنت تخدم العلم ؟ .. فاجاب المجند هذا العمل أي التهريب أفضل من ” مجنّد الصينية ” .. فسأله ماذا تعني بذلك اجاب : مجنّد الصينية هو الذي يخدم عائلة ” المعلم ” وتحَمّل مختلف الإهانات والمذلّة من ” الست ” واولادها … ونحن نتساءل أليست السخرة البيروقراطية هي سبب من عشرات الأسباب التي دفعت الشباب للنزول إلى الشوارع وكسر جدار الخوف أولا والقمع ثانيا . وإذا كانت الكوامن الخفيّة لاحتجاجات التحرك الشعبي غير بادية الآن للعيان . وسيأتي اليوم ، الذي تُزال الحُجبْ فيها عن عشرات الأسباب الإقتصادية الاجتماعية والمعنوية التي دفعت الشباب للنزول إلى ساحة الوغى لتحقيق طموحاتهم وما يعتمل في صدورهم من آمال .
النهوض الوطني الجماهيري العارم في خمسينيات القرن العشرين شجّع الفلاحين على التمرد ورفض السخرة الإقطاعية بقانون من المجلس النيابي أدى إلى تقليم أظافر الإقطاعيين والتمهيد التمهيد لزوالهم .. فمتى سيحل إصلاح جديد يقلم أظافر البورجوزيات الطفيلية والبيروقراطية ؟ .. وكان من المأمول أن يسهم التحرك الشعبي الجاري في سورية في ربيع وصيف 2011 على إنجاز هذا الإصلاح ، ولكن انزلاق التحركات نحو العسكرة وتحولها ، لأسباب كثيرة ، إلى صراع مذهبي ذهب بآمال الحالمين من أمثالي أدراج الرياح .
( 4)
بين سلفيتين
نهضوية مسالمة وجهادية عنفية
قامت ” السلفية النهضوية ” في ظروف داخلية ( اجتماعية ) تميّزت ببداية ظهور طبقة ( أو فكر طبقة ) بورجوازية منتجة , مرتبطة بأرضها ووطنها , وتستحوذ على تفكيرها هموم تجاوز التخلف واللحاق بركب الحضارة الغربية البورجوازية , والاستلهام من أفكار عصر النهضة الأوروبية في مرحلة الرأسمالية المبكرة التقدمية قبل دخولها عصر الامبريالية والاستبداد والطغيان .
أما السلفية العنفية أو الجهادية فهي وريثة السلفية التقليدية المتمسكة بحرفية النص لابن تيمية وابن قيّم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب. وقد ظهرت هذه السلفية في مناخ هيمنة الإقطاع العسكري السلجوقي المملوكي ، ومن ثمّ في مناخ بادية نجد والتطلع للإستقلال عن الهيمنة العثمانية الإقطاعية .
تزامن انتعاش السلفية الجهادية واسهم في صعودها الظواهر التالية :
– انهيار الاتحاد السوفيتي وانحسار شعبية الأفكار الاشتراكية.. تعثّر حركة النهضة العربية وفشل الأنظمة ،التي سعت لتحقيق بعض المنطلقات الاشتراكية نتيجة سيطرة البورجوازيات البيروقراطية والطفيلية على تلك الأنظمة .. وبعد هزيمة هذه الأنظمة أمام العدوانية الصهيونية انفتح الطريق رحبا أمام تيارات الإسلام السياسي ، وفي مقدمتها السلفية الجهادية .
– ظهور النظام الدولي الجديد وبروز العنجهية الاستعمارية الأميركية .
– دور العدوانية الصهيونية واستفزازات الأصولية اليهودية في دفع الأصوليات الاسلامية إلى ردود الفعل الدفاعية والابتعاد عن التلاقح الحضاري , الذي عرفه تاريخ الاسلام في عهوده الزاهرة .
– اتساع الهوة الحضارية بين الشرق والغرب , الذي أسهم في ترسيخ جملة من المفاهيم المنكفئة إلى عصور الماضي , عصور خفوت وهج الحضارة العربية الاسلامية وسيادة اللاعقلانية والفكر الغيبي .وهذا ما تنهل منه السلفية في عصر التراجع النهضوي ظانة أنها تستخدم سلاحا بتّارا في مقارعة الهيمنة
الاستعمارية , التي تسميها الهيمنةالغربية أو الغزو الصليبي أواليهودي . وترى السلفية الجهادية في آرائها قطب الرحى العالمي ، وتعتبر نفسها وتاريخها محور العالم ومركزه . وهذا الموقف هو ردّ فعل مقلوب للإديولوجية الاستعمارية , التي ترى في اوروبا وتاريخها مركز العالم ونقطة انطلاقه قديما
وحديثا . وقد افرزت هذه السلفية تيارات عدوانية متطرفة ترفض الرأي الآخر متعالية عليه . وهي في الوقت نفسه منغلقة على نفسها ولا ترى في الحضارات الأخرى إلا ” دار حرب ” أو ” دار كفر ” ، بعكس مواقف سلفية عصر النهضة ونظرتها الانسانية إلى الحضارات الأخرى . فصاحب ” المنار ” الشيخ محمد رشيد رضا ، وهو في شبابه ، أحد اركان التيار السلفي النهضوي اكّد عام 1900 على ” الرجوع إلى السلف ويستتبع هذا مجاراة الغربيين في جميع علوم الدنيا وفنونها ” . ومن صفات ” السلفية النهضوية ” الظواهر التالية : التسامح ( في معظم الأحيان ) .. سعة الصدر .. الانفتاح على تيارات الحضارة العالمية .. احترام الرأي الأخر ( نسبيا ) والدخول في حوار معه .. وتجلى ذلك في الحوار مع التيار الليبرالي العلماني في سجال فكري اختلفت درجة حرارته من فترة إلى أخرى .
وعلى العكس من السلفية النهضوية يسود في أوساط السلفية الجهادية : التحجروالانغلاق الفكري وهدم العقل . وهؤلاء يحاربون أية دعوة إلى الانفتاح على التجارب الانسانية الخصبة والاستفادة منها ، بالاضافة إلى تكفيرهم لمعارضيهم كائنا من كانوا .
وتأتي حركة الإخوان المسلمين في سورية في منزلة بين منزلتي : السلفية المُغرِقة في محافظتها وإنغلاقها وتزمتها ، والسلفية التنويرية معبّرة في ذلك عن واقع الأجواء الشامية المتصفة بالتنوع الطائفي والمذهبي والإثني . كما أخذ إخوان سورية بعين الاعتبار نهوض حركة القومية العربية واكتسابها أفئدة شباب منتصف القرن العشرين . يضاف إلى ذلك طبيعة الحركة السلفية في بلاد الشام ،التي اكتست ثوبا نهضويا منذ أواخر القرن التاسع عشر .
ولهذا تميزت الحركة الاسلامية في سورية ممثلة بالاخوان المسلمين بالإعتدال ومراعاة الظروف الاجتماعية والسياسية السائدة وانجبت فكرا ، سنرى معالمه بعد قليل . أما تيار العنف الذي ظهر داخل الحركة الإسلامية للإخوان المسلمين في سورية وسيطر في ثمانينيات القرن العشرين فله ظروفه التي نما فيها وهذا ما سنتناوله في فقرة تالية
( 5 )
الإخوان المسلمون و” الجهاد ” ضد البعث
في خضمّ أمواج التغيرات الإقتصادية الإجتماعية
دفعت ، أجواء الحرية السياسية والمناخ الوطني العروبي في سورية ، الإخوان المسلمين إلى معترك الحياة البرلمانية والمشاركة في النشاطات السياسية بعيدا عن العنف واستخدام السلاخ والإغتيال ، كما هو الحال في بعض اجنحة الإخوان المسلمين في مصر . فقد خاض عام 1949 الإخوان المسلمون في سورية الإنتخابات البرلمانية تحت لافتة ” الجبهة الإشتراكية الإسلامية ” . ولعب المراقب العام للإخوان المسلمين مصطفى السباعي دورا وسطيا عندما احتدمت معارك كلامية في الشارع والصحف وتحت قبة البرلمان حول النص المحدِد لدين الدولة بالإسلام أو عدم النص ، مما أثار عليه نقمة المشايخ المتزمتين . والجدير بالذكر أنمصطفى السباعي هو صاحب كتاب ” إشتراكية الإسلام الصادر في دمشق عام
1959 .
ومع تراجع اليسار في الثلث الأخير من القرن العشرين وتصاعد بأس الإسلام السياسي احتلّ الإخوان المسلمون الساحة وسار التيار المتطرف ( الطليعة المقاتلة ) في طريق مقاومة حكم البعث بالعنف المسلح.
وهنا لا بد من ذكر شخصيتين من الإخوان كان لهما دور في دفع الإخوان نحو التطرف ، ويتحملان مسؤولية عن الأحداث العنفية في حماة عام 1982 وهما :
– سعيد حوّى المولود عام 1935 في حماة والمنتسب إلى تنظيم الإخوان المسلمين عام 1952وهو تلميذ في الصف العاشر . شارك حوىّ بمناسبة وضع دستور عام 1973 بتوقيع بيان يهاجم علمانية الدستور ويطالب ” باسلامية سورية ودستورها ” , فاعتقل مع الموقعين على البيان . وبعد خروجه من السجن تولى قيادة الإخوان المسلمين بين عامي 1979 و 1982 , ثمّ انصرف للعمل في قيادة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين بين عامي 1982 و 1984 , وبعدها عاد للمشاركة في قيادة الإخوان المسلمين في سورية بين عامي 1985 و 1987 .
ولسعيد حوّى كتاب بعنوان : ” جند الله تخطيطا ” لعب دورا هاما في التنظير لنهج العنف في الحركة الإسلامية السورية , وهو من الداعين إلى الجهاد العالمي وعولمته . فقد بدأ حوّى التنظير للفكر الجهادي في مطلع السبعينيات من القرن العشرين وكان لنشاطه الفكري والعملياتي دور في الصراع الدموي بين
النظام السياسي ” العلماني ” في سورية و ” الجماعات الجهادية ” .
– مروان حديد المولود في حماة عام 1934 ، الذي نشأ في بيئة يسارية وعائلة تنتمي إلى الحزب العربي الاشتراكي ، ولكنه خالفها في الرأي . درس حديد الهندسة الزراعية في مصر وتحوّ ل إلى الإخوان المسلمين وأصبح أحد ممثلي التيار المتشدد لا يعترف بالآخرين ويدعو إلى الجهاد ضد الحكم ” النصيري ” أي العلوي. وبذلك وقف مروان حديد ومن قبله سعيد حوّى مخالفين نهج الإخوان المسلمين في خمسينيات القرن العشرين ممثلا بمصطفى السباعي ومحمد مبارك في الدعوة إلى الإعتدال ونبذ التفرقة الطائفية والمناداة بالوحدة الوطنية .
مروان حديد المتقد حماسا وإيمانا باسلام تربى عليه في مصر ، كان على رأس المحتجين عام 1973 ضد الدستور العلماني , الذي أصدره رئيس الجمهورية حافظ الأسد . فلوحق وقاد الجهاد السري للفرق المتطرفة من الإخوان المسلمين , التي شكلت نواة ما عُرِف بالطليعة المقاتلة . واستمر مروان حديد منظِما للحلقات السرية وداعيا للجهاد حتى تاريخ محاصرته في بيته السرّي في العدوي بدمشق .
وبعد معركة بالرصاص بين مروان والمهاجمين من قوى الأمن استمرت عدة ساعات قبل ظهر 30 حزيران 1975 اصيب فيها بجروح بالغة مما أدى إلى غيابه عن الوعي . وبعد سنة من اعتقاله توفي في السجن في حزيران 1976 .
يلاحظ أن التيار الإخواني المتشدد والداعي إلى مجابهة الحكم البعثي بالسلاح لم يضعف بعد اعتقال مروان حديد وموته بل ازداد تصلبا وعنفا واستمرّ في تنظيم مجموعات من الشباب الإخواني المتحمس والذي يحمل حقدا على النظام ومستعدا للجهاد حتى الموت في سبيل تحقيق غاياته . وهكذا تبلورت هياكل”
الطليعة المقاتلة ” للإخوان المسلمين, التي رعاها مروان حديد وحمل رايتها من بعده عدنان عقلة . وهو القائد الفعلي للطليعة المقاتلة ومهندس مذبحة مدرسة المدفعية بحلب 1979, ومنظم سلسلة الإغتيالات التي طالت اساتذة جامعة وأطباء ومهندسين ومسؤلي أمن ومعظمهم أختارتهم الطليعة المقاتلة من العلويين . .
وفي خضم مسلسل الإغتيالات والتجاذب ( تمهيدا للصلح ) بين السلطة والجناح المعتدل من الإخوان جرت محاولة اغتيال رئيس الجمهورية حافظ الأسد . وعلى أثر فشل المحاولة نفذت سرايا الدفاع مجزرة تدمر في ليلة 26 – 27 حزيران 1980 بقتل 1181 سجينا من الإخوان كانوا معتقلين في سجن تدمر الصحراوي .
( 6 )
أحداث حماة 1982 بين العنف والعنف المضاد
والفلاحون يحسمون الموقف نصراً لقضيتهم
صاحب كتاب جند الله سعيد حوّى كان أحد القادة الثلاث مع عدنان سعد الدين وعلي بيازلي الموقعين عام 1980 على ” بيان الثورة الإسلامية في سوريا ومناهجها ” . ولكن وطأة الأحداث بعثرت هذا التحالف الإخواني الذي كان مغلول اليدين بقيود الأجهزة المخابراتية الأردنية والعراقية المموِلة له والراغبة في الإطاحة بالنظام السوري . علاوة على ذلك لم يكن هذا التحالف يحظى بتأييد قسم كبير من الجماهير السنية سواء في الريف أو المدن الأخرى ، عدا حماة وإلى حدٍ ما حلب المنقسمة على نفسها .
فالفلاحون الحائزون على أراضي الإصلاح الزراعي قاوموا التحرك الإخواني المدعوم من عائلات كبار الملاك في حلب وحماة حفاظا على ما نالوه من مكتسبات .
وفي الوقت نفسه كانت بورجوازية دمشق التجارية تخلد إلى الهدوء متنعمة بقسم من الثروة الموزعة بينها وبين الفئات الحاكمة من البيروقراطيتين المدنية والعسكرية . وهذا ما سهّل على الأجهزة الأمنية السورية من تسديد ضربة قاصمة لتنظيم الإخوان في حلب .
وبعد انهيار مركز الإخوان في حلب دُفِعت قيادة الداخل وبموافقة عدنان عقلة إلى إعلان الجهاد في حماة يوم 2 شباط 1982 . وكان توزيع السلاح المهرّب من العراق والمُخبّأ في أماكن سرية على المقاتلين إيذانا باندلاع معركة ضارية استمرت عشرة أيام بين مقاتلي الإخوان وجموع المؤيدين لهم في حماة وبين قوات الأمن والجيش , التي حاصرت المدينة ودكّتها بالمدفعية . ورغم المقاومة البطولية لمقاتلي الإخوان وما استندوا إليه من النخوة الحموية المعروفة ، تمكّنت قوى النظام في 20 شباط 1982 من احتلال حماة واستباحتها .
أحداث حماة في أوائل ثمانينات القرن العشرين ( شباط 1982 ) ، والتي أدت إلى ما عُرف في أدبيات الإخوان المسلمين بمذبحة حماة ، لها أسبابها العديدة, التي سنكتفي بإلقاء الضوء على احد أسبابها الرئيسية المتمثلة بالخلفيات التاريخية الطبقية, التي تعود بجذورها إلى تسلط الإقطاعيين الحمويين واستثمارهم الرهيب للفلاحين استثماراً لمسه كاتب هذه الأسطر في جولاته الميدانية عامي 1984 و1985, وكتب بعض فصوله.
فمن خلال دراساتنا الميدانية تبين لنا أن حركة الإخوان المسلمين, في أواسط سورية وشمالها قامت بواجهة مذهبية (السنة ضد العلويين أو النصيرية, كما كانت أدبيات الطليعة المقاتلة للإخوان تسميهم)، وخلفية اقتصادية اجتماعية قلّ من أشار إليها . وهذه الخلفية تجلت في أمرين :
العامل الأول تمركز في استغلال الإخوان للاحتجاج الضمني أوالمكتوم لفئات واسعة من جماهير الشعب الناقمة على تقاسم ” ثروة البلاد ” بين البرجوازية البيروقراطية (وأكثريتها علوية) والبرجوازية التجارية الطفيلية التي يغلب عليها العنصر السني الدمشقي . هذا التحالف (البيروقراطي – الطفيلي التجاري هو في المقاييس الطائفية تحالف علوي – سني) كان له دور كبير في القضاء على تحركات الإخوان المسلمين في حماة وحلب وقسم من الريف السني ذي الملكيات الصغيرة والمحيط بإدلب شرقا والمتميّز بغلبة الفكر “العثملي” المحافظ على مشاعرعدد من قراه العامل الثاني الهام ، الذي سهّل عملية القضاء على تحرك الإخوان المسلمين ، هو موقف الفلاحين المنتفعين من الإصلاح الزراعي ، الذين أرعبهم
تأييد أبناء الإقطاعيين وأحفادهم في حلب وحماة ومعرة النعمان للتحرك الديني الإخواني . ولهذا هبّ هؤلاء الفلاحون من سُنة وعلويين ومعهم جموع غفيرة أخرى من الفلاحين السُنة في منطقة وادي الفرات والمعروفين بالشوايا . وهؤلاء الفلاحين المستفيدين من الإصلاح الزراعي والذين تحسّنت أوضاعهم المعيشية وقفوا سدّا منيعا أمام التحرك الديني الإخواني ذي الأبعاد الاجتماعية الرامية إلى استعادة كبار الإقطاعيين للأرض المستولى عليها والموزعة على الفلاحين . وبفضل هؤلاء الفلاحين ومشاركتهم في القتال تمكن النظام من دحر التحرك الإخواني وتصفيته .
إن إلقاء الضوء على الخلفيات الطبقية لأحداث حماة عام 1982 لا يعني تبرئة ما قام به المهاجمون وما ارتكبوه من فظائع . وقد ادت المقاومة الضارية للحمويين وبسالتهم إلى سفك دماء غزيرة كانت مبعثاً لمدينة حملت في أحشائها تناقضاتها : بين قوى إقطاعية مستغِلة وطاغية وقوى اجتماعية تقودها الطبقة الوسطى المتحررة والساعية إلى الخلاص من الهيمنة الإقطاعية . ومع تراجع المد الجماهيري للإشتراكية ( بالصيغة التي رعاها الزعيم الحموي أكرم الحوراني ) وصعود المد الديني الإسلامي الذي تزعمه جناح الطليعة المقاتلة من الإخوان المسلمين سارت مدينة حماة موحدة بأكثريتها مع الإخوان وسائرة تحت علم الجهاد .
***
روايتان تتحدثان عن الخلفيات التاريخية لأحداث حماة 1982
سنقدم فيما يلي روايتين سمعناهما أثناء جولاتنا الميدانية لدراسة الحركة الفلاحية عام 1984تشيران إلى الخلفيات التاريخية للأحداث وتصفان القهر الإقطاعيي للفلاحين . كما تبين الروايتان ردود الفعل الثأرية للجنود والضباط انتقاماً من العائلات الإقطاعية في حماة دون أن يميزوا بين المستبد الإقطاعي
وبين عامة الشعب ومتناسين في زحمة المعركة أن القوى الإجتماعية الحيّة في مدينة حماة بقيادة الحزب العربي الإشتراكي دافعت عن الفلاحين وأسهمت في إعطائهم الأرض .
الرواية الأولى تحدث فيها معنا بتاريخ 2 – 8 – 1984 الفلاح ذي الأصول البدوية من ” عرب البوحياد ” نواف المحمد من قرية حيالين في الغاب الغربي ومواليد 1923 وهو مسلم سنة وفلاح في أراضي أملاك الدولة ، التي كانت إحدى ميادين الصراع بين الفلاحين وإقطاعيي حماة .
روى نواف المحمد كيف أخذ أحد الإقطاعيين الحموية وهو من عائلة البرازي قسماً كبيراً من أرض حيالين ” ومن يومها الكون مشتعل بيننا “, حسب تعبيره . كما روى لنا نواف الصراع مع إقطاعي حموي آخر هو صالح آغا البرازي المجاورة أرضه لحيالين . قال الفلاح : ” صالح آغا أراد أن يشمط النسوان من عندنا ، فمنعه رجال العشيرة, الذين كان لديهم ثلاث بنادق فرنسية وجفتي كسر ” . وعلى الأثر جرت معركة بين فلاحي ” عرب البوحياد ” من حيالين, وصالح آغا البرازي, الذي كان في عداد زلمه عدد من عرب (بدو) التركي . وقد أسفرت المعركة التي جرت في إحدى ليالي شتاء 1949 ووسط ضباب كثيف, عن سقوط قتيلين الأول من ” عرب البوحياد ” وهو أخو محدثنا نواف المحمد, والقتيل الثاني من المهاجمين .
واستمر الصراع من أجل حيازة الأرض بين فلاحي عرب البوحياد من حيالين بمساندة الحزب العربي الاشتراكي ( حزب أكرم الحوراني ) وأغوات حماة وزلمهم طوال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.
فلاحو حيالين, الذين اعتمدوا على عصبيتهم العشائرية في أربعينات القرن العشرين لمقاومة الطغيان الإقطاعي لأغوات حماة, وجدوا في الحركة الحموية المناهضة للإقطاعية ملاذاً لهم . وسرعان ما انضموا إلى الحزب العربي الاشتراكي بهدف تلقي العون منه للوقوف ضد الاستعباد الإقطاعي . ويعلل الفلاح نواف المحمد سبب دخولهم في العربي الاشتراكي بقوله: ” نحن من ضيم الإقطاع دخلنا في الحزب العربي الاشتراكي “.
انتسب ابن نواف المحمد بعد نيله شهادة الدراسة الثانوية إلى الكلية العسكرية . وبعد تخرّجه فُرِزَ إلى ” الوحدات الخاصة ” العسكرية, ورئيسها علي حيدر, التي كان لها دور أساسي, مع ” وحدات سرايا الدفاع ” العسكرية, في القضاء على تحركات الإخوان ومن والاهم من جموع … وعندما اشتبكت الوحدات الخاصة مع المقاومين في حماة, كان الضابط ابن نواف المحمد على رأس المهاجمين . وعندما ” دخل حي البرازية وأراد أن ينتقم لعمه ” ، الذي قتله احد أبناء ذلك الحي عام 1949. ولكن الضابط ابن نواف – حسب ما رواه لنا والده – لم يجد في حي البرازية إلا النساء والأطفال فلم يمسهم بأذى . لأن الأخذ بالثأر هو من الرجال فقط حسب العرف البدوي ..
الرواية الثانية تتحدث عن اغتصاب الإقطاعي الحموي أنور الكيلاني لإمرأة أحد الفلاحين العلويين في إحدى قرى مصياف . واضطر الفلاح للسكوت على الاعتداء عليه وغادر القرية ، وهو يحمل حقداً دفينا في أعماقه . في تلك الأثناء اشترى الفلاح المهدَرَة كرامته بندقية عتيقة رخيصة بمساعدة رفاقه وخطط لقتل الإقطاعي وعاد إلى القرية معلنا ولاءه للإقطاعي أنور . وفي يوم من أيام ربيع 1949 أقام الإقطاعي أنوروليمة في القرية على مائدة تفترش الأرض ، وكان الفلاح في عداد المهيئين للوليمة . وعندما بدأت البطون تمتلئ وكؤوس العرق ترتفع انخابها ، غادر الفلاح المكان وعاد مصطحبا بندقيته العتيقة مسددا رصاصها عن بعد إلى ظهر الإقطاعي . ولكنّ الطلقة أصابت الجانب العلوي الأيمن من كتف الإقطاعي . فقد لعب القدر و ” حليب السباع ” دورا في انقاذ الإقطاعي . فقبل ثانية من لحظة إطلاق الرصاصة انحنى الإقطاعي لتناول قدح العرق فأصابت الرصاصة كتف الإقطاعي ونجا من الموت .ولم تسعف الفلاح بندقيته العتيقة في اطلاق رصاصة ثانية فقد استعصت الطلقة . وعندها هرب الفلاح مطلقا ساقيه للريح . وعلى الأثر قامت مفارز الدرك المجموعة من قرى جبل الحلو بإرهاب القرية واستباحتها واعتقال أكثر من أربعين فلاحا مشترطين تسليم ” الجاني ” لإطلاق سراحهم . مما دفع مطلق النار لتسليم نفسه . حكم القضاء على الفلاح ” الجاني ” بالسجن أربعة سنوات ومنْعِه من الإقامة في قضاء مصياف فاختار حمص واشتغل عاملا في معمل السكر .
هذا الفلاح انجب أربعة شبانا دخل ثلاثة منهم في السلك العسكري وشارك أثنان في الهجوم على حماة حسب ما رُوِيَ لنا في مسقط رأسه . ولا نعلم ما قام به الشابان , الذين اغتصب الإقطاعي الحموي أمهما من ردود فعل ثأرية كانت مختزنة في صدريهما عندما دخلا حماة في معمعان المعركة .
( 7 )
التحركات الشعبية ربيع 2011 قبل إنزلاقها إلى العسكرة
التحركات الشعبية السلمية ، التي اندلعت من درعا في آذار 2011 ، رفعت راية الحرية والعدالة وصون الكرامة المهدورة ، وعبّرت في أعماق وعي ناشطيها عن الحقد الدفين على نهب البورجوازيات الطفيلية والبيروقراطية للمال العام والخاص. وبعد ستة أشهر من اندلاعها داهمتها العسكرة نتيجة استخدام ” النظام ” للرصاص الحي في قمع التظاهرات .
هذه التحركات الشعبية المندلعة بسبب عوامل داخلية تشابك فيها الديموقراطي بالطبقي بالطائفي . وسرعان ما اعتلت أمواج احتجاجاتها عوامل خارجية دولية واقليمية ، فحوّلتها إلى صراع ذو أبعاد مذهبية هدد اللحمة الوطنية ، وهو نقيض الشعار في منتصف القرن العشرين : ” الدين لله والوطن للجميع” .
ونرى من الضروري لفهم آليات التحرك الشعبي وأماكن انتشاره الواسعة إلقاء الأضواء على التغيرات الجارية داخل المجتمع وسنتناول محورين منها هما : موقف الفلاحين من جهة ، والتغيرات الجارية في نسيج الفئات الوسطى وفكرها .
أولا مواقف الفلاحين ( ونعني اكثرية السنة منهم ) إزاء الإسلام السياسي في أحداث حماة عام 1982 وتأييد شرائح واسعة منهم للنظام أو وقوفها موقف المتفرج . أمّا في التحركات الشعبية ربيع 2011 فانضمت الأكثرية منهم إلى ” الجهاد المسلح ” .
عام 1982 وقفت أكثرية الفلاحين السنة ( إذا استثنينا ريف ادلب الغربي ذي الملكيات الصغيرة)، كما رأينا ، ضد تحرك الإخوان . لماذا ؟ .. لقد استفاد الفلاحون من الإصلاح الزراعي وحصلوا على الأرض المستولى عليها من كبار الملاك . وبما ان تحرك الإخوان ضد النظام لاقى تأييد أولاد كبار الملاك من
الإقطاعيين السابقين ، فإن هؤلاء الفلاحين المعروفين باسم فلاحي الإنتفاع من الإصلاح الزراعي خافوا أن تُسترجع الأرض التي حصلوا عليها وتعود إلى الإقطاعيين ، ولهذاوقفوا موقفا مناهضا للتحرك الإخواني عام 1982 . أما في ربيع 2011 وبعد مرور أكثر من اربعة عقود على توزيع الأرض على الفلاحين توفي هؤلاء وورثهم أبناؤهم الذين لم يذوقوا مرارة الإضطهاد الإقطاعي ولم يعد ثمة
خطر في عودة الأرض إلى أبناء الإقطاعيين . وقد أصبح لهؤلاء هموم أخرى ومن بينها تغيّر طبيعة النظام وتحوّل المسؤولين ( قادة النظام ) وأبنائهم إلى ” إقطاعيين ” جدد . ولهذا علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ما جرى من تغيرات في المواقف الطبقية داخل المجتمع في النصف الثاني من القرن العشرين لفهم وقوف أكثرية الفلاحين السنة إلى جانب التحركات الشعبية ، وبالتالي حملهم للسلاح .
ثانيا التغيرات الجارية داخل شرائح البورجوازية الصغيرة .. كانت هذه الفئات الوسيطة في منتصف القرن العشرين تعجّ بالمشاعر الوطنية والقومية العربية وتتطلع إلى النهوض بالعرب واللحاق بركب الحضارة العالمية . هذا الصعود بدأ في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين وبلغ أوجه في خمسينيات وبداية ستينيات ذلك القرن . وفي هذه الفترة برز البعث حزبا ثوريا طامحا إلى الإنتقال بالأمة العربية على دروب الحضارة الحديثة ، مؤيدا من العديد من شرائح البورجوازية الصغيرة وبخاصة جناحها الريفي .
هذه البورجوازية الصغيرة بجناحيها المديني والريف تحوّلت بفضل تربُعِها على كراسي الحكم ونهب ما تستطيع إلى برجوازية بيروقراطية وطفيلية تأكل الأخضر واليابس ، وفقدت ثوريتها السابقة . وكانت سهام التحركات الشعبية موجهة بغضب إلى هذه البورجوازية الصغيرة المتحولة إلى بورجوازية ( كبيرة ) بيروقراطية وطفيلية . ولكن دخول العامل المذهبي ( لأسباب كثيرة )على خط التحركات الشعبية
حوّلها إلى تحركات ذات صبغة مذهبية .
وهنا نلاحظ تداخل العامل الديني ( المذهبي ) مع العامل الطبقي ( الإقتصادي – الإجتماعي ) . فالتحرك الشعبي , الممتد في المناطق الفقيرة أو غير المستفيدة من ” نِعَم النظام ” سار بإيقاعات متنوعة متحدياً النظام , تُحَرِكه المشاعر السنية المختلفة الإتجاهات والدوافع . ودخل على خط التحرك نشاط من يسمون” دعاة اسلاميين ” ( مستفيدين من الفضائيات ) قاموا بشحن المشاعر السنية بكره الآخر والتحريض عليه وتحويل التحرك ذي الطبيعة السياسية إلى تحرك طائفي باتجاه العداء المذهبي للعلويين , الذين يهيمن من اغتنى منهم على مفاصل النظام القائم .
لم يخدم هذا التيار السني المتطرف التحرك الشعبي السلمي ، الذي سعى اليسار والقوى السنية الليبرالية والمعتدلة إلى جعله تحركا وطنيا يشمل سائر أبناء المذاهب والطوائف المكتوية بممارسات بعض أطراف النظام وعنجهيات كثير من قواه الأمنية وغيرها . وقد نجحت هذه القوى الأصولية الظلامية إلى حرف التحرك عن مساره الوطني والطبقي وتوجيهه للعداء لمذهب معين والكره لطائفة بكاملها .
هذا الفكر الظلامي طمس الدوافع الإقتصادية الإجتماعية للتحرك ، وأغمض العين عن الاستبداد ولم ينظر إلى الأمور إلا من زاوية دين ضد دين أو مذهب مخالف لمذهب . وهو يعتبر نفسه ” الفرقة الناجية ” وما سواه فهو ضلال وجاهلية . أجهض هذا التيار المتزمت والمتحجر ، والمستند إلى الجوانب المظلمة من تاريخنا ، التحركات الشعبية السلمية ومنطلقاتها الوطنية . كما خدم النظام بسلوكه وشعاراته مخيفا الطوائف الإخرى وجعلها تقف حذرة خائفة ، وكثير من جمهورها رأى في النظام طوق النجاة .
مقابل هذا التيار المتزمت ( والظلامي في كثير من جوانبه ) كان ثمّة تيار اسلامي سياسي معتدل له في سورية جذور عميقة ممتدة في أعماق المجتمع السوري المتداخلة في ثناياه العروبة والإسلام ووحدة وطنية سارت تحت لواء ” الدين لله والوطن للجميع ” .
نتوقف هنا عند مواقف الإخوان المسلمين وبيانهم المشهور الصادر في لندن والداعي إلى الحوار والوحدة الوطنية . ونشير إلى تصريحات المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين عصام العطار ذات النكهة الليبرالية الواضحة المعالم . وهذه التصريحات هي في كثير من النواحي استمرار لخط الدكتور مصطفى السباعي والشيخ اليعربي المتنور محمد مبارك . وننقل هنا بعضاً من مواقف وتصريحات
العطار :
– ” أنا طول عمري ضد العنف سواء كان عنف أفراد أم عنف دولة ” .
– ومن أقواله عام 1977 شعرا : سيان عندي إن أثنوا وإن كفروا الله قصدي لا الدنيا ولا البشر
– وأثناء التحرك الشعبي وجه العطار من مكان إقامته في ألمانيا رسالة في 22 – 3 – 2011 بدأها بالعبارة التالية : ” إلى الشعب السوري الثائر من أجل حريته ومن أجل كرامته , وإلى كل أحرار العالم ” … تطرق فيها إلى الهوية والمواطنة والإصلاح ووسائل التغيير .
– وفي رسالة تالية يستشهد بشعر ” الشاعر السوري القومي العربي بدوي الجبل “. والمعروف أن بدوي الجبل علوي المولد ، ورغم ذلك فإن علوية بدوي الجبل لم تنزل من قيمته في نظر العطار ، بعكس ما يقوم به هذه الأيام بعض الدعاة السلفيين وغيرهم من دعاة التيارات المتطرفة في نظرتهم الدونية والعدائية
للعلويين ولغيرهم .
– ويسترعي الانتباه ان العطار لا يتهم , كغيره في بيانه الصادر في آذار 2011 , الحكم في سورية بالكفر والإلحاد . وهو يدعو في بيانه إلى ” ثورة لرفع الظلم والطغيان عن الجميع , وتحقيق العدل والمساواة والحرية للجميع ” . كما يدعو إلى ” لمّ شتات البلاد كلها , بمختلف أديانها وأعراقها وأطيافها على أساس جديد من المواطنة والمساواة والعدل والإحسان ” .
ولكن تصريحات العطار وغيره من الإسلاميين المعتدلين ذوي النكهة الليبرالية والديموقراطية لم تكلل بالنجاح وحجبتها رياح دعاة الإسلام السياسي المتزمت والمتحجر والرافض للآخر رفضا يحمل في طياته الدعوة إلى تصفيته ؟ ..
وكان لفتاوى عدنان العرعور وغيره وخطبهم ودروسهم في الفضائيات الدينية دور كبير في المنتفضين ودفعهم باتجاه التعصب والعنف .. وهكذا انحرفت التحركات الشعبية في سوريةعن مسارها السياسي المناهض للاستبداد أولا وعن حقدها الدفين على ” الحرامية ” من بورجوزيات بيروقراطية وطفيلية ثانيا . وعاش المجتمع السوري في مهبّ عاصفتين صحراويتين :
– عاصفة المتزمتين الإسلاميين التي تنهل من التراث المملوكي العثماني وتكفيريات ابن تيمية ضاربة عرض الحائط بالتراث العربي الإسلامي المجيد في أيام عزه , والذي ضمّ بين جناحيه سائر مكونات المجتمعات العربية الإسلامية وأنتج حضارة إسلامية مزدهرة بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلاديين.
وهذه العاصفة حملت عواصف عديدة أيقظت كل ما اختزنه التاريخ من أعمال دموية همجية .
– عاصفة الحشد الطائفي ( العلوي ) الذي تسّعره بعض قوى السلطة لحماية نفسها وثرواتها . وهذه القوى الرأسمالية البيروقراطية والطفيلية تخيف الطائفة العلوية زاعمة أن ” وجودها ” مهدد بالخطر إذا لم تمتشق السلاح وتسير وراء الحكام . كما تعزف قوى الحكم على أوتار إخافة الأقليات الدينية والمذهبية ( مسيحيون ودروز واسماعيليون ) ودفعها لمساندة النظام خوفا من قدوم ” عثمانية” جديدة تعيدها إلى عهد السلطان المستبد عبد الحميد . وطبول ” العثمانية الجديدة ” تقرع ابواب الحدود الشمالية لسورية منذرة بغزوات مغولية ترفع راياتها داعش وأخواتها كان من أخطاء بعض” قيادات ” التحركات الشعبية وضع العلويين جميعا في قفص الاتهام . وتناسى هؤلاء عن عمد أن العلويين لم يكونوا جميعا مستفيدين من ” نِعَم ” النظام . فلماذا تزر وازرة وزر أخرى ؟ .. ولماذا الهجوم على العلويين وتسميتهم بالنصيرية والدعوة للعداء لهم كطائفة مارقة ؟ .. ولماذا تقوم قوى ظلامية لها أرضية في بعض الأوساط المتدينة وتشن مستعينة بالفضائيات الدينية حربا على الطائفة ككل ؟..
ومعروف أن أبناء الطائفة العلوية , الذين لم يغتنوا أو لم يستفيدوا من فتات الحكم ، هم في أعماقهم غير راضين عن ابناء طائفتهم ممن ارتشى وسرق واغتنى بوسائل غير شرعية وتاجر وتحكّم في البلاد والعباد . وعدد المناهضين للحكم وعدد من دخل من احرار العلويين السجون ( في عهد من يسميهم دعاة الإسلام السياسي المتزمت باسم الحكم النصيري ) معروف بكثرته لدى متتبعي الأحداث . وهؤلاء قاسوا الأمرين من اضطهاد النظام وسجونه . إضافة إلى ذلك يزخر التاريخ السوري بالعشرات من العلويين المبدعين في مختلف الميادين ، الذين رفعوا راية الوطن السوري عاليا ، وكانوا في طليعة المنادين بالعروبة ومجد الحضارة العربية الإسلامية أيام ازدهارها .
وهكذا فالتحرك الشعبي الموجه في العمق ضد الرأسماليات الطفيلية وصلفها تشابكت فيه الدوافع الطبقية والطائفية وتداخلت ، إلى أن طغى الدافع الديني المذهبي ( الممول بالأخضر الفلتان وريث الأصفر الرنان ) على الدافع الطبقي ومن ضمنه الحياة المعيشية للمواطن الفقير والمقهور . ونتيجة لسيطرة من يسمون ” الدعاة الإسلاميين”ودعوتهم المتزمتة المنغلقة والمتحجرة والبعيدة عن التاريخ الثوري المجيد للحضارة العربية الإسلامية ، غُيّبت الممارسات الاستغلالية والاستثمارية للفئات الحاكمة ، واقتصر ويقتصر حديث الدعاة على تسعير المشاعر الطائفية والمذهبية وكره الآخر وتكفيره والاستعلاء عليه .في بداية التحركات استلم الشباب زمام المبادرة مع تحريض محدود من الشخصيات والأحزاب المعارضة الضعيفة اصلا والمقموعة وقد بلغت سن الشيخوخة بسبب تجفيف النظام لينابيع رفدها بالشباب . وبعد أن كُسِرَت عصا الخوف من المباحث السلطانية تصاعدت شجاعة الجموع الشبابية النازلة إلى الشارع متحدية رصاص الأمن . وتدريجيا أخذت تظهرصيغة جديدة لتنظيم الشباب متلائمة مع ظروف القمع هي : التنسيقيات في كل بلدة أو حي أو جزء منه . وسرعان ما توحدت هذه التنسيقيات في ” اتحاد تنسيقيات الثورة السورية ” . وأخذت هذه التنسيقيات تصدر البيانات وتتواصل مع بعضها عن طريق الفايسبوك على شبكة الانترنيت أو بالهواتف الجوالة . ولم تعد ” عيون ” النظام تتمكن من رصد كل حركة مع استخدام الشباب لوسائل الاتصال المتطورة .
ومع الزمن ازدادت وتيرة حمل السلاح واستخدامه من جانب بعض المنتفضين ، مع العلم أن الطابع السلمي للمظاهرات كان واضحا للعيان في بداية التحركات .
ويرى كثيرون ان ظهور السلاح في أوساط المنتفضين واستخدامه أضرّ بالتحرك الشعبي وأضعفه وقدّم حجة للنظام لرفع درجة قمعه للمتظاهرين . كما جرى تبرير انتقال بعض اجنحة التحرك الشعبي إلى العمل العسكري واستخدام السلاح بعدم جدوى التظاهر السلمي بعد ان أصرّ النظام على الحل العسكري وانزل دباباته إلى الشوارع لقمع المتظاهرين .
وليس بين ايدينا معطيات تبيّن ماهي الجهات التي دفعت إلى استخدام السلاح .ولكن أصابع الإتهام تشير إلى جنوح بعض اجنحة الإسلام السياسي نحو العسكرة .
كما أن الكثيرين يتهمون النظام بأنه هو البادئ بالعنف المسلح . ونتساءل هل كانت عسكرة التحرك طريقا للخلاص ؟ .. وهل هذه هي الثورة ، التي اشعل فتيلها قوى يسارية وليبرالية يغلب عليها الطابع الثقافي ؟ .. وكثير من التنسيقيات خشيت من مغبّة حمل السلاح ودعت للحفاظ على سلمية الثورة ” جاء في نداء إحداها : ” يا أهلنا .. ويا شبابنا .. الانظمة الطاغية لا تعرف ان تتعامل إلا لغة الترهيب والسلاح .. فإذا سحبنا منها هذا العنصر في المعادلة فإنها تفقد توازنها … ” .
المأساة السورية
بين العنف والعننف المضاد
( 8 )
مع انزلاق التحركات الشعبية نحو العسكرة استشرى العنف والعنف المضاد بين النظام بدباباته وطائراته وبراميله المتفجرة والقوى المعارضة حاملة السلاح ، التي لا تختلف بعض أجنحتها عن النظام في استخدام التفجيرات والسيارات المفخخة قرب مواقع النظام ، التي طالت المدنيين بالدرجة الأولى وازهقت أرواحا لا تحصى . دخلت سورية في نفق مظلم زاد في ظلامه عوامل كثيرة .
ما يعنينا هنا العنف ، الذي مارسته التنظيمات المسلحة إزاء المدنيين المسالمين من جهة ، والعنف الأشد قسوة وضراوة داخل هذه التنظيمات ، وهي ترفع رايات الإسلام السياسي المتطرف مستلهمة تصرفاتها من الحلقات المظلمة والدموية في التراث العربي الإسلامي ، والذي لا يختلف عن الممارسات الدموية في تاريخ الشعوب الأخرى . ويضرب قادة هذه التنظيمات المسلحة عرض الحائط بالجوانب الإنسانية المشرقة في الحضارة العربية الإسلامية ، متجاهلين ذلك التاريخ المجيد للحضارة العربية الإسلامية ، التي بلغت الأوج عندما سارت على نهج العقلانية والروح السمحاء في الدين وتلاقحت مع الحضارات الإنسانية للشعوب .
واليوم وبعد العنف البربري للتتار الجدد وخلافاتهم والتصفيات الجارية بينهم ، نَسِيَ الكثيرون عنف النظام ودباباته وطائراته . ودخلت البلاد بعد تمزُّقها والخوف من زوال آخر معالم الدولة الوطنية في حالة نختمها بالعبارة التالية :
” العقلاء حيارى .. وترى الناس سكارى .. وما هم بسكارى “
ملاحظة كُتبت هذه الدراسة أوائل 2015
Tags: محرر