Archived: د. محمد أحمد الزعبي : الثورة السورية بين مطرقة بشار وبوتن وسندان أوباما

  د. محمد أحمد الزعبي: كلنا شركاء

 ينطوي عنوان هذه المقالة  تطبيقيا على أربعة عناصر هي : الثورة السورية ، وبشار الأسد (الداخل )  وكل من بوتن وآوباما (الخارج)، أما الآخرون(متفرجو الداخل ،وكذّابو  الخارج)  فلا يعدو دورهم  المباركة والتصفيق لمن يسجل  عددا أكبر من الأهداف في مرمى الطرف الآخر  . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ماهي علاقة بوتن وأوباما  ( الخارج)  بما حدث ويحدث في سوريا ( الداخل )  منذ 18 آذار 2011 وحتى اليوم ؟ .

في محاولتنا الإجابة على هذا التساؤل  الإشكالي ، إجابة علمية وموضوعية نقول : 

  1. يعرف الكاتب والقارئ أن العالم بملياراته السبع، قد بات  بعد الثورات الصناعية المتتالية منذ مومياء الفراعنة  ( التحنيط )  في العصور القديمة  ، وصولاً إلى  عصر الثورة الرقمية  التي نعيشها اليوم ،  مرورا بكافة اشكال ومستويات المواصلات والاتصالات التي ما برحت تتطور بشكل  متسارع ودون توقف كما وكيفا   ، ولا سيما في القرون الثلاثة الأخيرة  ،  بحيث  لم يعد الوصول  من  أوروبا  ألى  أمريكا بحاجة إلى ركوب البحر لعدة أشهر كما فعل  كريستوف كولومبوس في القرن الخامس عشر  ، ولا وصول الحجاج المسلمين  من بغداد ( على سبيل المثال )  إلى  مكة المكرمة  إلى ركوب الجمل وقضاء  بضعة عقود على الطريق . إن ما يحتاجه  الطرفان اليوم  هو فقط بضع ساعات بواسطة الطائرة   للوصول إلى مقاصدهم  ، كما يعلم الجميع ، بل إن الأم التي تعيش في  القاهرة  او دمشق باتت قادرة على أن تتحدث مع ابنها الذي يدرس في لندن أو واشنطن ، وجها لوجه بواسطة التقنية الرقمية الحديثة ، وليس فقط صوت لصوت  عبر التلفون العادي . إن مثل هذا التطور العلمي  الكبير والمتسارع ، يسمح  للناس بقبول مقولة  ”  أن العالم قد بات قرية واحدة ”   الدارجة ، مع تعديل واحد نراه من جهتنا ضروريا ، وهو أن العالم بات  ” مدينة واحدة ” وليس ” قرية واحدة ” ، ذالك أن وحدانية ”  المدينة  ” لا تلغي تنوعها الديموغرافي  والجغرافي والاجتماعي واللغوي والطبقي ، وهو     ( التنوع )  ما لا نجده  في   ” القرية ” . إن ما نرغب أن نشير إليه هنا وفي هذه الفقرة بالذات هو أن الأبواب والنوافذ باتت  عملياً مفتوحة بين الداخل والخارج  ، وأن علاقة جدلية تربط  مابين  هذين الحيين  ( الحارتين ) الجغرافيين من أحياء هذه المدينة  العالمية الواحدة . وبهذا تنتفي الغرابة في تدخل كل من بوتن وأوباما في سوريا .  
  2.  ينقسم عالم اليوم إلى دول ( مجتمعات ) غنية ، وأخرى  ( مجتمعات ) فقيرة ، ومالا يخطئه لا البصر ولا البصيرة  ، هو أن  الدول الغنية إنما هي ، دول النظام الرأسمالي العالمي ممثلة بأوروبا وأمريكا بصورة أساسية وهي الدول التي وصفها سمير آمين بدول ” المركز ” ، بينما يشمل مفهوم الدول الفقيرة معظم دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية  ، والتي عادة ما تعرف بالدول النامية ، أو المتخلفة ، أو ناقصة التطور .  وهي الدول التي وصفها سمير أمين أيضاً  ب” الأطراف ”  ، وهو توصيف / تقسيم ، يشير بدوره إلى مادعوناه العلاقة الجدلية  بين الطرفين  ( المركز والأطراف )  والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ، والمتعلق أساسا بموضوع مقالتنا هذه ،  ترى مالذي جعل ويجعل هذا الانقسام العالمي ( مركز وأطراف )، يستمر أكثر من ثلاثة قرون  ، ودون أن تلوح في الأفق مؤشرات لاعلى  إزالته  ولا حتى على إزاحته  ؟ !

هذا مع العلم أن هذه العلاقة الجدلية  ، كمفهوم وكمقولة  ، لا تعني أنها علاقة متساوية ، فالمركز في هذه العلاقة ،  هو من يستغل الأطراف ويتحكم بمصيرها ، ولا سيما أنه يحتكر كلا من العلوم الدقيقة وتطبيقاتها التقنية  ، وبالتالي فإنه  ، ومن خلال هذا التفوق العلمي والتقني بات يحتكر الصناعة بنوعيها ، صناعة الموت ( الصناعة العسكرية ) وصناعة الحياة  ( الدواء والغذاء والكساء والإيواء )  ، وبالتالي  فإن هذا المركز ( الخارج ) هو من  يقرر عمليا  مصير الأطراف ( الداخل )   ، وفي موضوعنا  فإن روسيا وأمريكا هما من يقرر مستقبل  ومصير الثورة  في سوريا .  

  1. يعود سبب  استمرار هذا الانقسام  بين الأغنياء والفقراء ، الأقوياء والمستضعفين  ، المركز والأطراف ـ حسب رأي الكاتب ـ بصورة أساسية إلى أنّ ماأطلقنا عليه العلاقة الجدلية  بين المركز والأطراف ، لم تكن واقع الحال علاقة متكافئة ، ذلك أن دول المركز ( والتي لاتمثل سوى أقل من  15% )  من سكان العالم  ، تحتكر وتملك  ماسأطلق عليه تكنولوجيا ” المصنع والمدفع “(بغض النظر عن الدورالذي  يمكن أن تلعبه الصين في المستقبل  في هذين المجالين ) هذا مع العلم أن  مفهوم الاحتكارلا يشير  هنا فقط إلى أن  الدول الرأسمالية  تحتكر لنفسها العلوم  الدقيقة والتكنولوجيا فائقة التطور فحسب ، وإنما أيضاً إلى  أنها تمنع  بالقوة الآخرين من الوصول إلى هذين العنصرين ( المصنع والمدفع )اللذين يضمنان لها التفوق  والسيادة عالميا ، الأمر الذي جعل  تلك العلاقة الجدلية عمليا  علاقة بين منتج  ومستهلك ، وهي لأنها كذلك كانت علاقة غير صحيحة وغير متكافئة  وبالتالي غير  عادلة  . إن جدلية هذه العلاقة ، إنما تنحصر في أن المركز بحاجة إلى هذه الأطراف من جهة  لأن باطن أرضهم وظهرها يغص بالمواد الخام الضرورية لصناعاته ، ومن جهة أخرى بوصفهم سوقاً ضرورية لبضائعه ومنتجاته ، كما أن هذه الأطراف بدورها بحاجة إلى منتجات هذا المركز .

لقد تجسد هذا الخلل في العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية  بهيمنة دول الفيتو الخمس بما هي دول نووية ، على مجلس الأمن بل وعلى كافة منظمات ومؤسسات الأمم المتحدة  ، ثم تجسد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي بظهورالنظام العالمي الجديد ذي القطب الواحد بوصفه حامي ( الديموقراطية وحقوق الانسان ) في العالم  والذي  ( القطب الواحد ) غالباً ما  كان  باطنه يختلف عن  ظاهره ، ولا سيما على المستوى العملي . بل وكانت المصالح الإقتصادية  الضيقة هي الهاجس الأول  والآخر لكافة حركاته وتحركاته وسياساته الداخلية والخارجية .   

  1. في سورية  قامت ثورة شعبية  في شهر آذار 2011 ، وكانت واحدة من ثورات الربيع العربي التي قامت  ضد أنظمة ديكتاتورية عسكرية فاسدة ، ولم تزد مطالبها عن مطلبي الحرية والكرامة ، وبالتالي الديموقراطية وحقوق الإنسان ، وكانت المفاجأة غير المنتظرة، هي أن الدول الرأسمالية الديموقراطية بدلا من أن تدعم هذه الثورات وقفت ضدها (!!) . الأمر الذي تجلى بداية بدعم هذه الدول للغزو الإنجلو- أمريكي للعراق عام 2003، والذي استبدل بنظام صدام حسين نظاماً طائفياً ميلشياوياً متخلفاً وفاسداً أصبح العراقيون معه يترحمون على           ” لاديموقراطية ” صدام حسين . وثانياً ، بدعمها  انقلاب عبد الفتاح السيسي العسكري على محمد مرسي المنتخب من الشعب المصري بصورة ديموقراطية لا شائبة فيها . والذي هو ( نظام السيسي ) بدوره نظام ديكتاتوري وفاسد من هامة رأسه حتى أخمص قدمه  ، وتجلى ثالثاً في الموقف الرمادي  والمتقلب من نظام بشار الاسد الوراثي والديكتاتوري و الطائفي والفاسد ، من قبل أصحاب ” الخط الأحمر ” ، الذي انقلب إلى خط ” أخضر ” بقدرة قادر !. 

 إن  احتكار الدول الكبرى( ومنها روسيا بوتن) للأسلحة النوعية المتطورة، وتزويدها بهذه الأسلحة من  تشاء ، ومنعها عمّن  تشاء في سورية  ، إضافة إلى التدخل العسكري الروسي المباشر لصالح بشار الأسد ، بحجة مكافحة الإرهاب الكاذبة ، وسكوت ” الأصدقاء ” على هذا التدخل ، هو من أخر انتصار الشعب السوري  على هذا  النظام – العصابة  ، وهو بالتالي المسؤول  عن تدمير سوريا وعن قتل  وتشريد وتغييب اكثر من نصف شعبها .

  إن من باتوا يعرفون  ب ” أصدقاء الشعب السوري “، لم يكونوا واقع الأمر أصدقاء حقيقيين  ، ولعل  المثل الشعبي ” أسمع كلامك يعجبني ، أشوف فعالك أستعجب ” إنما  ينطبق على دورهم  المؤسف في  خذلان الشعب السوري و الثورة السورية ، وفي تخليهم المعروف عن  خطوطهم الحمر المعروفة أيضاً، انطباقاً يكاد يكون كاملاً . وبقي أن نقول ، ونحن نتطلع إلى السماء : ” مالنا غيرك ياألله “.





Tags: محرر