on
Archived: محمد ابراهيم: صور مشرفة من يوميات الثورة .. وإرادة الحياة !!
محمد ابراهيم: كلنا شركاء
كما كانت حوران في جنوب الوطن، رمز الخير والعطاء، ومنبت الرجال الذين لا يسكتون على ظلم، هي حوران التي شب شبابها قبل الأوان رجالاً، فأشعلوا الثورة الأكثر عناداً في التاريخ، هم صبية كتبوا أول عبارات المجد في سفر المجد للتاريخ على جدران مدرستهم، فكانت عباراتهم “جاك الدور يا دكتور” الشرارة التي أشعلت الثورة وأذهلت العالم، التي سرعان ما تلقفها الوطن وتنادى شرفاءه وأحراره، وامتدت جموع الاحرار لتنادي بإسقاط الطاغية، أشرس قاتل في التاريخ، والذي استجمع من حوله أحقاد المتربصين الأكثر سواداً بسورية، مهد الحضارية والأبجدية والتاريخ، واستجلب الباطل إلى جانبه، كل المارقين والأفاقين وأمعنوا في تدمير سورية وقتل شبابها وارتكاب أبشع الجرائم، ولتكشف مدى الحقد في نفوس وحوش على هيئة بشر، وهم ليسوا كذلك.
خمس سنوات من القتل والتدمير الممنهج، وشيطنة أنقى ثورة عرفها التاريخ، لتكون الثورة الجامعة لكل التناقضات كما أرادوا لها وخططوا، وسيكتب عنها الكثير الكثير، وفيها من الروايات والمآسي ما لا تحيطه صحائف ومطولات، وقصصاً وفصولاً لم ترو بعد، وسط تخاذل علني لكل أدعياء حقوق الانسان ورعاية الحيوان، لتتكشف عورات النظام العالمي الكاذب، ما دام الضحية سورياً، والقاتل عبداً لأحفاد الفرس و صبيانهم، الذين انفلتوا من أجساد بشر وتحولوا الى وحوش كاسرة، لارتكاب كل أنواع الموبقات والقتل والسحل، ليتحول أهل سورية ومن لون واحد فقط الى مقتول أو مغيب أو معوق أو مفقود أو مهجر أو نازح أو حتى طعماً لأسماك بحار العالم، دون اكتراث لآدمية الانسان.
وسط هذا الكم من السوداوية في المواقف الدولية، والتضييق على السوري في بلاد المهجر والتهجير، وعلى الحدود كان العالم يراهن بالضغط على السوريين والتضييق عليهم الى أبعد مدى في محاولة يائسة بائسة لإرجاعهم الى حظيرة القاتل الأداة، وفشلت كل الرهانات، وازداد وهج الثورة وعنفوانه يوماً بعد يوم، رغم استخدام كل أدوات القتل وجيوش أقوى دول العالم ونخب المرتزقة والمدربين على القتل والقتل الطائفي الحقود، كانت الثورة تزداد صلابة وتنظيماً، رغم تعدد الفصائل والتشكيلات على الأرض، وتحول العالم شرقه وغربه الى شيطنة الكل، والعمل على وضع الخطط الجهنمية للإيقاع فيما بين الكل من أجل انهاك الكل، و رغم وقوع الكل في الفخ، إلا أنه في كل مرة كانت حكمة العقلاء تتجاوز تلك المطبات وتمضي في إعادة رص الصفوف وتوجيه النار الى صدر القاتل، حتى إفشال كل ما تم من تحشيد وحشود طائفية حقودة ظالمة مستأجرة من أجل تفاهات وأحقاد تم توظيفها من قبل المتربصين بالأمة عموماً، وبسورية تحديداً، حتى تجلى ذلك بتدخل الروس في سورية، والامعان في ارتكاب واستكمال الجرائم السابقة، والتي لم تستطع اكمال مهمة النظام الساقط الى ما لانهاية والانسحاب بشكل فاجئ العالم، وأثار الكثير من التحليلات والتفسيرات.
وفي نفس الوقت ورغم السوداوية التي غلبت على المشهد بشكل عام، كان لصمود أهلنا في أرض الوطن، والتشبث بالأرض ليؤكدوا عشقهم للحياة دون الخوف من الموت، فقدموا أروع صور الصمود تحت البراميل وهمجية ودموية الروس وطائراتهم، حيث نسقوا ونظموا على الأرض بعضاً من الجهود التي تؤكد مقدرتهم الجبارة على الاستمرار ومواجهة أكثر المصاعب التي يتعرص لها بشر، من حصار وتجويع واذلال، فكانوا الجبارين في التغلب على قطع الطاقة الكهربائية في إيجاد البدائل من العدم، وتصنيع وتطويع مفردات البيئة المحلية لتكون في خدمتهم، فكان استخراج غاز “البوتان” لأغراض الطبخ المنزلي بعملية تخمير بدائية لمخلفات الحيوانات في الأرياف وتجميع الغاز المنتج في تمديدات تصل الى مواقد ذات طاقة إنتاجية مجانية، كما قدم السوريون صوراً إبداعية في الابتكار الخلاق والمبدع في عملية انتاج الطاقة الكهربائية بتحويل الحركة الميكانيكية لعنفات مركبة على سواقي وممرات لأنهار ضيقة في الأرياف الى طاقة يتم تخزينها في خلايا من مخلفات بطاريات مستهلكة، وتوزيعها الى مناطق الجوار حسب القدرة على الإنتاج، في حين قدم الشباب السوري أروع صور التلاحم في اجتياز أصعب المناطق وأخطرها لاسعاف المصابين ونقل الشهداء وبذل الجهود المضنية لإصلاح ما يتعرض للأعطال من جراء القصف الجوي لمحطات وشبكات المياه وشبكات توزيع الطاقة الكهربائية.
وعلى المستوى الطبي أثبت السوريون أروع الصور في تجهيز ما أطلق عليه المشافي الميدانية دون إمكانيات، وتأمين العنصر الطبي الغير مؤهل وتدريبه على إجراءات ومهارات الإسعاف في مسارح العمليات فكانوا الى جانب الأطباء والجراحين في مسارح العمليات وأثبتوا خلال أعوام الثورة القدرة على التكيف والتأقلم مع المعجزات والظروف الصعبة.
وظهرت الكثير من صور التلاحم الاجتماعي والتكافل في العديد من المناطق والمدن على امتداد سورية رغم التدهور الحاد في إمكانيات أهلنا على امتداد الأرض السورية، وتقدم العديد من النخب وعلى مستوى سورية الى طرح المبادرات والمشاريع التي تؤكد إصرار أهلنا على الحياة واستمراريتها رغم الظروف الصعبة، وكان لتجمع “الاستشاريون الأوائل” في المنطقة الجنوبية والذي تطوع فيه مجموعة من المهندسين من مختلف الاختصاصات والكفاءات المشهود لها على مستوى المحافظة الى تنظيم العديد من الدورات آخرها دورة تأهيل الشباب في إعادة تأهيل وتشغيل محطات مياه الشرب والآبار الارتوازية في حوران، وآليات الاشراف على توزيع المياه، والتأكد من مطابقتها لمواصفات مياه الشفة وتدريبهم على مراحل عمليات تعقيم مياه الشرب عبر شبكات التوزيع، و عقد ورش العمل للتأكيد على حيوية وأهمية مثل تلك الدورات، والتي يحاضر فيها ثلة من المهندسين الأكفاء من أبناء المنطقة، ويضعون الكثير من البرامج الهادفة الى تحسين وتطوير مستوى الخدمات وتقديم الاستشارات المجانية لأعمال إعادة تأهيل المنشآت والمباني التي تعرضت للضرر وتقديم خدمات إشرافية متكاملة ميدانية.
وعلى اتساع الأرض السورية الكثير من الصور المشرقة التي تعكس ابداع أهلنا وقدرتهم على التشبث بالأرض والدفاع عنها، وترويض أقسى الظروف من أجل الحياة بكرامة كما انطلقت الثورة ونادت به، وما زالت الصور تتوالى من كل أرجاء سورية لتعيد العالم الى الأيام الأولى للثورة ونقاءها وطهرها بعد انكفاء غربان السماء عن توزيع الموت الأسود ولو بشكل جزئي، فعادت الحناجر تصدح بشعارات الأيام الأولى قبل مرحلة الشيطنة، ولتبرهن أن الثورة لن تنكسر فيها إرادة الاستمرارية حتى نهايتها المحتومة في اقتلاع جذور منظومة الطاغية.
رغم بعض السوداوية والتشويش والسلبيات التي يشهدها الداخل السوري، والتي تتمثل في الفلتان الأمني وحوادث السرقة والمواجهات المسلحة بين الأخوة الأعداء، وما وصلت إليه الحاضنة الشعبية الى حافة عتبة الألم والقهر والحسرة، فإن ذلك لا يعيب ثورة انطلقت من أجل كرامة الانسان، واسقاط الطاغية لتمضي في طريقها ومآلها، ليزهر الياسمين من جديد في الشام عاصمة الوطن الجريح.
- كاتب وصحفي
Tags: محرر