Archived: وثيقة (الابتدار العلوي): هل اقتربت لحظة البروسترويكا؟

سعد آدم: المدن

لايشير عنوان هذا المقال  ولا يغمز مما يخفيه نص وثيقة “الابتدار العلوي” من اسلوبية “باطنية” درج عليها العلويون، ويرشح بها منطوق النص ومضمونه، ولكنه يشير الى محاولة في قراءة الحال الذي صدرت فيه هذه الوثيقة سورياً و”علوياً”، ومغزى ومعنى صدورها، وما يجاوره في الزمان والحدث إضافة الى تحديد رسالتها، التي تحاول إيصالها لمعنيين داخل الوطن السوري، وداخل الطائفة، وربما داخل نظام الرئيس السوري بشار الاسد أيضاً.

لا يبدو أن الحديث عن خلفية سياسة لصدور الوثيقة خالياً من الصواب، فلا يوجد نص ديني سياسي مهم في التاريخ إلا وكانت السياسة احد أسباب صدوره، أو كتابته ،لكن حصر صدور هذه الوثيقة بفعل ضغط سياسي يقصد منه محاصرة فريق سياسي داخلي أو خارجي، هو افتراض يفتقد الدقة، وينطلق من رؤية مبسطة بحيث يحصر نفسه ويحاول حصر الوثيقة في ثقب سياسي ضيق.

لا شك أن ما دعا كثيرين الى الذهاب هذا المذهب هو التصريح المهم والقوي الذي جاءت به الوثيقة، وهو التبرؤ من انتماء العلويين إلى المذهب الشيعي، وهو ما يحيله بعض قرائها على الفور الى ان المقصود به –  أي التبرؤ- هي ايران، وبالتالي فهؤلاء يعتقدون ان الروس هم من أوحوا بذلك على كاتبي الوثيقة وضغطوا عليهم في سياستهم السورية في هذا الاتجاه، ويقود هذا الرأي إلى استنتاج أن الوثيقة كتبت في دوائر قديمة من الحكم.

من جهة ثانية، فإن رأياً آخر ناقش الوثيقة، وانطلق من توقيت صدورها، معتبراً أنها جاءت في أواخر عهد نظام الأسد المربوط قسراً في دوائر إعلامية عربية باسم “النظام العلوي”، وهي بالتالي وثيقة تحاول تعويم الطائفة من جديد، أو تحاول إنقاذها بعدما نالها من التشويه والتحقير والتجريم الكثير، بسبب ربطها بنظام الحكم، أو ربط النظام نفسه بها قسراً.

لا شك ان هناك ما يستدعي التأويل السياسي المحض، بل القراءة السياسوية لكل فعل أو نص مهم في الراهن والماضي العربي، والسوري بالخصوص، فهذا المجال  كان حافلاً تاريخياً باستغلال الحكام لجماعاتهم وطوائفهم، فلا يتورع واحدهم عن المقامرة اوالتضحية بجماعته أو حزبه أو طائفته، أو وطنه حتى.. في سبيل بقائه على الكرسي، لاسيما إذا كان الكرسي يمسك بخناق الطائفة او الجماعة او الحزب.

في قراءة مغايرة لذلك الرأي في الوثيقة، فإنها تذهب للقول إنها إجابة لطالما طالب بها السوريون إخوتهم، أو خصومهم العلويين، عن سؤال، بل اسئلة: من انتم؟ ماهي عقيدتكم؟ لماذا تتكتمون حيالها وتنهجون التقية بما يخصها؟

“الابتدار العلوي”، وهو العنوان الأكبر للوثيقة “إعلان وثيقة إصلاح هوياتي” والختم الذي مهرت به صفحاتها، يقدم الاجابة، أو محاولة مهمة للاجابة، لكنها لن تعجب كثيرين من النخبة السورية، وربما لن تعجب كثيرين من النخبة العلوية أيضاً، ولاشك أن علويين كثراً في كافة المستويات سيرمون هذه الوثيقة وكتابها بحجارة الاتهام والتشكيك..

وعلى الرغم من خلو الوثيقة من أي توقيع، وهو أمر لافت جداً للانتباه ومثير للاحتجاج، يفقدها جزءاً مهماً من مصداقيتها، إلا أن هذا الأمر يجعلها أقرب الى النمط الباطني عند العلويين تاريخياً، أي الجنوح الى الاحتجاب والتخفّي، وهو نمط في الحياة والفعل والفكر، سببه العميق هو الخوف من الآخر.

لو صدرت الوثيقة بتواقيع لكان لها معنى ووقع مختلف أقرب ما يكون الى السياسي الراهن المباشر والعام، والوثيقة تتجنب ذلك ليكون لها معنى فكري ديني وحقوقي، دائم ومستمر، يتجاوز اللحظة الراهنة، ويقفز فوق المأزق التاريخي للطائفة والوطن، بحيث تكون نصاً وحدثاً معاً في الوقت عينه، وهو ما تطمح إليه النصوص المؤسسة في التاريخ.

بالعودة الى عنوان الوثيقة “الابتدار العلوي”، فهي كلمة منحوتة تشير الى انها اولاً مبادرة من مجموعة علوية -نخبوية- نحو سائر العلويين والسوريين، وهي تنتظر لأجل ذلك رد فعل رصين وموضوعي، يدفع النخبة المثقفة السورية إلى مد اليد لها. وثانياً، تشير الكلمة أيضاً الى البذار، ووثيقة “الابتدار العلوي” تحاول نثر بذرة تجديد في العقل الديني للعلويين، محرضة إياهم على تفكير يتجاوز الماضي والراهن على كل الصعد، وتفتح الباب لتجديد في الفكر الديني في سوريا، والمنطقة، ينطلق من داخل المذاهب والطوائف نفسها، وليس من جانبها أو خارجها. وهي فوق ذلك في المستوى السياسي وثيقة تفتح الباب ايضاً إلى “بروسترويكا” تطاول النظام السوري نفسه، ومن داخله؟!





Tags: محرر