on
Archived: معقل زهور عدي: استراتيجيتان للصراع في سورية
معقل زهور عدي: كلنا شركاء
تكاد تنتهي كل المناورات السياسية التي نشهدها من هذا الفريق أو ذاك ممن يملؤون الملعب السوري عند استراتيجيتين , الأولى تتبناها ايران والنظام السوري بصورة صريحة , وهي استراتيجية الحسم العسكري , والذهاب بالقتال حتى النهاية بعد أن استطاع التدخل الروسي قلب موازين القوى لصالح النظام السوري وحليفه الايراني .
والاستراتيجية الثانية هي استراتيجية الحل السياسي التي ترفض الحسم العسكري وتعتبره غير واقعي ومدمر , وهي كما يبدو استراتيجية الولايات المتحدة وأوربة والدول العربية المساندة للمعارضة السورية وتركيا . وهي اليوم استراتيجية المعارضة السورية باتفاق يكاد يكون بالاجماع.
بيضة القبان بين هاتين الاستراتيجيتين هي روسيا , فروسيا هي من قلب موازين القوى لصالح النظام السوري وحلفائه , لكن روسيا باعلانها الانسحاب أعطت الانطباع بأنها غير معنية بالحسم العسكري الذي يسعى اليه النظام السوري , بل هي مستعدة لممارسة الضغوط على النظام لثنيه عن هدفه المعلن ولاعادة توجيهه نحو الحل السياسي .
لكن المشكلة في السياسة هي سيولتها الدائمة , فبعد أن تصل الى تحديد موقف طرف من الأطراف , تجد نفسك مرغما من جديد على اعادة تحديده ضمن شبكة دائمة التبدل والتغير بل والمفاجآت .
في الفترة الزمنية القليلة الماضية , وبالتحديد منذ اعلان الانسحاب الروسي ووقف اطلاق النار , استطاع النظام السوري وحلفاؤه كسب مزيد من النقاط على الصعيد الميداني .
وبصورة خاصة طرحت اعادة السيطرة على تدمر معطيات جديدة تتصل باستعادة النظام زمام المبادرة العسكرية بصورة عامة , وبامكانية أن يلعب دورا مهما في الهدف الاستراتيجي الحالي للغرب بقيادة الولايات المتحدة والمتمثل بحسم المعركة مع تنظيم الدولة الاسلامية “داعش ” , ومثل ذلك الدور يمكن أن يدفع الغرب لتأجيل أي قرار يتعلق بالنظام السوري هذا اذا كان ثمة مثل ذلك القرار بالأصل .
وهنا نعود للموقف الروسي لنتفحص مدى تماسكه حول مسالة الوقوف بوجه استراتيجية الحسم العسكري .
بدون أدنى شك فالنظام السوري وحلفاؤه يقدمون للغرب جزرة محاربة داعش مقابل استدراج الغرب نحو فكرة تأجيل اجراء تغييرات حقيقية في بنية النظام , واذا استطاع النظام التمدد عسكريا انطلاقا من تدمر باتجاه الرقة أو دير الزور , خاصة اذا تمكن بدعم روسي وايراني مؤكدين من استعادة السيطرة على الرقة , فسيكون ذلك مدخلا لايستهان به لاكتسابه صفة المحارب الأكثر أهمية لتنظيم الدولة الذي أصبح بالفعل بعبع الغرب الذي يقض مضجعه .
ومن ذلك المدخل يمكن له الزحف نحو اقناع الغرب باعادة تأهيله بدلا من تغييره , في منطقة تعتبر الديكتاتورية و سفك الدماء فيها أمرا اعتياديا تمارسه الشعوب منذ القديم وترفض أن تكف عنه وفق نظرة كثير من النخب الغربية .
وحتى بعد هزيمة تنظيم الدولة – ان حصل – فان الحاجة ستكون حاضرة لقوة عسكرية محلية لمنع استعادة التنظيم السيطرة على المناطق التي أخرج منها وليس أرخص أو أسهل من أن يتم ذلك من قبل النظام السوري .
يقودنا ذلك كله الى وجود منزلق يجري العمل على تنفيذه لتفريغ استراتيجية الحل السياسي من مضمونها نحو الاستسلام لاستراتيجية الحل العسكري على مرحلتين .
الأولى تمر بالتوجه نحو عاصمة تنظيم الدولة حاليا وأعني بها الرقة لاستخراجها من يد التنظيم وهو توجه عسكري سيكون مدعوما ليس فقط من ايران وروسيا ولكن من دول الغرب كلها دون استثناء , خاصة بعد الترويع الذي جرى بأحداث بروكسل وموجة القلق الغربي الذي وصل حد الهيستريا من هجمات مفترضة ممكنة لداعش يمكن أن تقوض الاحساس بالأمن والسلامة الفائقي الأهمية للمواطن الغربي والثانية التي ستتبع المرحلة الأولى حال نجاحها تتمثل في انخراط روسيا في استراتيجية الحسم العسكري بعد أن يسكرها الانتصار على تنظيم الدولة في الرقة جاذبة الغرب نحو تلك الاستراتيجية أو نحو الوقوف موقفا محايدا منها .
هكذا يمكن للنظام الغاء فكرة الحل السياسي واستبدالها ببرنامج تغيير ديكورات سياسي لاقيمة له على طريقة ” الجبهة الوطنية التقدمية ” سيئة الصيت . دون أن يخاطر بالتعرض لغضب روسيا او الغرب .
على أن تطبيق ذلك التصور ليس بالأمر السهل في الواقع , وروسيا حتى الآن لاتبدو مقتنعة به , وكذلك الولايات المتحدة بالطبع , لكن النصر التلفزيوني في تدمر , والذي جاء في صدفة عجيبة مع هجمات بروكسل الارهابية أرخى بعض الظلال على تماسك الموقف الروسي المعارض لاستراتيجية النظام في الحسم العسكري , وربما جعل الضغط عليه للانتهاء من وهم النصر العسكري أكثر صعوبة .
وباختصار فان تطور الوضع الميداني في سورية سيسهم الى حد بعيد اما في تجميد فكرة الحل السياسي والتمهيد لتفريغ تلك الفكرة من محتواها لصالح الحل العسكري , أو أنه سيعيد وضع النظام الى ماكان عليه ويظهر محدودية قدرته العسكرية وبالتالي يعيد الحياة والزخم لاستراتيجية الحل السياسي التي تبدو اليوم معلقة بين الأرض والسماء .
Tags: محرر