Archived: سمير العيطة: تدمر.. والسلوك الحضاري

سمير العيطة: السفير

السوريّون فرحون عموماً بجلاء «داعش» عن مدينة تدمر، فهي رمز الحضارة السوريّة العريقة، إلاّ أنّ المعنى الذي يأخذه هذا «الحدث المهم» في ظلّ الآليّات الدوليّة القائمة لإخراج سوريا من حربها الأهليّة، يكمُن تحديداً في مدى تعامل الأطراف المتصارعة حضاريّاً معه.
انتشت السلطة السوريّة بانتصار الجيش على «داعش» في تدمر. لكنّها في واقع الأمر أدركت أنّ مواجهة «داعش» أضحت بالنسبة لها ولحلفائها دوراً شبه وحيدٍ وإلزاميّاً، تزامناً مع «وقف الأعمال العدائيّة». كان همّها في السابق أن تنتهي مجريات الأمور إلى وضعٍ لا يُبقى سواها وسوى «داعش» في ساحة الصراع، وبالتالي سيكون الخيار الحتميّ هو استمرارها.
أمّا اليوم فسيكون معيار النظر إلى الأمور هو مقدار الجهود والتضحيات المبذولة ضدّ «داعش»، وكذلك مقدار التعامل الحضاريّ الذي سيُبديه الجيش السوريّ تجاه أهالي المنطقة ومنع النهب والسلب في الأملاك وفيما تبقّى من الإرث التاريخيّ للمدينة.

الأمر نفسه بالنسبة لبقيّة أطراف الصراع. بالطبع لا يُمكن أن ينسى من يُقصَف بالبراميل بالأمس القريب آلامه بسرعة، خاصّة إذا بقي يخضع للحصار والتجويع. إلاّ أنّ المأمول هو أن تسمو الصفة الحضاريّة للسوريين ورغبتهم بالحفاظ على عيشهم المشترك وعلى دولتهم الموحّدة فوق التحريض المُمنهَج ضدّها، وعدم الانصياع لما يُشيعه «معارضون» ووسائل إعلام ومواقع تواصل اجتماعي تردّد نغمتهم، كما تلك الموالية للسلطة. والمأمول أن يواجه أكراد سوريا حضاريّاً إعلاناً منفرداً عن اتحادٍ فدراليّ ليس منه سوى زيادة التشنّجات القائمة. فالتضحيات التي بذلت في مواجهة «داعش» ليست، في عين العرب/كوباني كما في تدمر، لمصلحة فريقٍ واحد بل لمصلحة سوريا والسوريين جميعاً.
الوصول إلى حلّ سياسيّ للصراع في سوريا وإلى «جسم حكمٍ انتقاليّ» لن يتمّ من دون عودة الحدّ الأدنى من التعامل الحضاريّ بين جميع الأطراف. وهذا شرطٌ منطقيّ لاجتماع أضداد في هيئة حكم انتقالية واحدة. وهناك تفاصيل كثيرة يُمكن أن تعبّر من خلالها أطراف الصراع عن تصرّفها الحضاريّ، أو عودتها إليه، ضمن الآليّات القائمة.
على صعيد مؤسسات الدولة السوريّة، يُمكن مثلاً إنهاء الحصار والتجويع وكشف أسماء جميع المعتقلين وأماكن احتجازهم والتهم الموجّهة إليهم، وإطلاق سراح كلّ من لم تثبت إدانته، والتعاون مع الجهات كافة من أجل كشف مصير المفقودين. ولا أن يكون ملفّ المعتقلين وسيلة ابتزاز في التفاوض السياسيّ أو في الهدن المحليّة أو تجاه العائلات والأهالي. فالحريّة وحقوق الإنسان هما أساسيّان لأيّ حلّ سياسيّ.
وعلى مستوى «المعارضة» ينبغي عدم وضع ضرورة رفع العقوبات الاقتصاديّة على مؤسسات الدولة والمصارف والمواطنين السوريين العاديين كوسيلة ضغط في التفاوض. فالعقوبات الشاملة لم تُفِد إلاّ الاستبداد وأجهزته وتجّار الحرب. لقد رفعت الأسعار وأفقرت الشعب. والحاجة ماسّة اليوم لكلّ ما يُمكن أن يُعين المواطنين في معيشتهم في ظلّ تدهور سعر صرف الليرة السوريّة. فهل يُترَك ملفّ إزالة العقوبات لإدارة أميركيّة جديدة ربّما يرأسها دونالد ترامب، أو تتمّ الاستفادة من تصريحات وزير المالية الأخيرة لرفع العقوبات عن السوريين، أميركيّاً في البداية ومن ثمّ أوروبيّاً؟ اسألوا أيّ سوريّ أو ذي أصلٍ سوريّ يحاول أن يفتح حساباً في مصرف أو يحوّل مساعدة لعائلته ما رأيه بالأمر. واسألوا الأمم المتحدة عن سبل تحويل المعونات إلى السوريين. واسألوا الذين فرضوا العقوبات على أفراد السلطة أن يوثّقوا الأموال التي تمّ احتجازها.





Tags: محرر