Archived: د. محمد عادل شوك: الحدودُ السوريةُ إذْ تُعَادُ سيرتُها الأُولى

د. محمد عادل شوك: كلنا شركاء

السيناريو هو نفسه في الحالتين، ففي ثمانينات القرن الماضي، أيام صدام جماعة الإخوان مع نظام الأسد، شُرِّعت الحدود على مصراعيها أمام أفواج الهائمين على وجوههم، لدرجة أنّ أحدهم ما كان يصدِّق ما تراه عيناه من وقوف الدوريات الأمنيّة على جانبيها موقف المُتفرِّج.

فالحدودُ مع دول الجوار ( لبنان، الأردن، العراق، تركيا )، كانت تجذبُ أفواج الفارين من القبضة الأمنيّة، نتيجة حالة التراخي الذي كانت تسودها من الطرفين على حدٍّ سواء.

وإذا ما استمعَت إلى قصصهم حول ذلك، ستقف على أمور تجعل كثيرًا من المراقبين، يميلُ إلى تغليب التعمّد في ذلك، على الفلتان الأمني و اهتزاز النظام السياسيّ للأسد.

ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى أُحكِم إغلاقُها، و لم يَعُدْ بوسع أيّ منهم أن يَرمُقها بطرف عينه، فضلاً على الاقتراب منها أو تخطيها، و أصبحت قصصهم في التعامل مع أسوار الوطن المنيعة، حديث ليالي غربتهم الطويلة؛ لدرجة أنّ هناك العشرات من السوريين، قد استضافتهم الأجهزة الأمنيّة في دول الجوار، و صدرت بحقهم أحكام بالتسفير، بذريعة السعي لتخطي الحدود باتجاه وطنهم الأم، و حُكم على عدد غير قليل من العائدين إليها بموجب ( تسويات أمنيّة )، بتهمة المغادرة غير الشرعية لها، أو دونما وثائق سفر ممهورة من سلطات الحدود الرسميّة.

وبعد قيام الثورة الشعبيّة في ( 2011م )، شُرِّعَتْ الحدودُ ثانيةً، و بشكل فاق التوقعات، و ما فتئ الرائحون يُصبِحُون في سورية، و يُضحُون بجوارها، ثم يُمْسُون فيها، و غدَتْ سورية مرتعًا لأصحاب المصالح، و باتَ الشباب لفرط سعادتهم بذلك، يرسمون صورًا مخملية لإزالة الحدود ( الجيوسياسيّة ) مع دول المنطقة.

وهو الأمر الذي استشعرَ هواجسَه أبناءُ الثمانينات، فأخذوا ـ مبكرًا ـ يُحذِّرون من تبعات تراخي القبضة الأمنيّة على الحدود؛ ما جعلهم موضع نقدٍ شديد من سواهم.

ولم يَدُم هذا المشهد طويلاً، فأخذتْ الأمور تتجهُ عكسًا، و بلغَتْ مستويات قياسيّة في الأسابيع القليلة الماضية، و أصبحَتْ تلك الدولُ تتعامل معه باعتباره يُمثِّل تهديدًا لأمنها الوطنيّ، ولاسيّما بعدما تمّت شيطنةُ الثورة السورية.

فأُعيدَ النظرُ منها في جملة الاتفاقيات التي كان معمولاً بها مع الدولة السورية، حيث ألغت كلٌّ من ( مصر، تركيا، اليمن ) اتفاقية الدخول إليها للسوريين من غير سِمَة، و اِكتفَت الأردن بحالات المنع لهم، ثمّ طُلِبَ من المقيمين منهم الحصولُ على رُخص للعمل و الاستثمار، و ليت ذلك توقّف عند ذلك، لا بلْ فُرِض عليهم أن يكون ذلك باسم أحد مواطنيها، و هو أمرٌ دونه هواجس كثيرة.

وفي خطوة غير متوقَّعة، قامت تركيا ( باتجاهها، و لغير بضائعها المُصدَّرة ) بإغلاق معبري: السلامة، و باب الهوى، آخر معابرها مع سورية؛ بعد سيطرة وحدات الحماية الكرديّة على مناطق شاسعة في ريف حلب الشمالي، كانت تحت سلطة فصائل الثورة، و قد ألحقَ ذلك ضررًا كبيرًا بمن لديهم إقامات و عقود عمل في دول الخليج، أو مقابلات لمِّ الشمل في دول أوروبا، و لا مفرّ عندهم من المرور عبرها؛ بسبب وجودهم في مناطق سيطرة الفصائل.

وهو أمرٌ جعل كثيرًا منهم ينظر إلى هذا الإجراء، بعينٍ مِلْؤها الامتعاضُ و الضِيْق؛ فهم يَرَوْن فيه تغليبًا لمصالحها على بقيَّة الرَّمَق لديهم، على الرغم من التبريرات التي تساق حوله، بأنه جاء لإحباط المخطط الرامي لتفريغ تلك المناطق من سكانها الأصليين باتجاه تركيا، بإنشاء كانتون كردي تمهيدًا للفَدْرَلَة.





Tags: محرر