Archived: حوار مع الشّاعر جميل داري

نادية خلوف: كلنا شركاء

يجلس صامتاً يحفظ مفردات الآخر، يصيغها فيما بعد طوقاً من ورد أو من حزن، لازال طفلاً يحبو على سجادة صلاة أمّه ، يحاول الخروج من الألم الذي رافقه في رحلة الحياة. الشّاعر جميل داري ابن مدينة عامودة يحدّثنا اليوم نثرا تارة، وشعرا تارة أخرى .

1- نحنّ إلى الماضي، نعطيه أوصافاً لم تكن موجودة، ونصدّق ذلك. هل كانت عامودة مكاناً يصلح للعيش أكثر من مناطق سوريّة الأخرى؟

لا يختار الإنسان زمان ولادته ولا مكانها وعندما يُفرضان عليه دون غيرهما يحاول أن يتكيف معهما وبمرور الزمن يألف المكان بل يدمنه مهما كان هذا المكان جنة أو صحراء وتعلق الإنسان بمسقط رأسه وذكرياته قديم قدم التاريخ ومن هنا كان الشعراء الجاهليون يبدؤون قصائدم بالوقوف على الأطلال ..أطلال الطفولة والحب والذكريات وأنا جئت إلى هذه الحياة قبل ستين عاما في عامودا وعشت فيها طفولتي وشبابي وقسطا من كهولتي قبل أن أغادرها إلى دولة الإمارات للتدريس 4 سنوات ثم امتد إلى 8 سنوات ثم إلى 20 سنة  وما زالت لي وطنا ثانيا إذا صح أن لي وطنا أول وأستبعد ذلك كثيرا ومع هذا تبقى عامودا مدينتي الأثيرة على كل مدن العالم وقد قال أبو تمام :

كم منزلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفتى ***  وحنينُهُ أبداً لأولِ منزلِ

هي بلد العلماء والثوار والشعراء والمجانين ولو ولد فيها غابرييل ماركيز لكتب أجمل رواياته السريالية والسحرية.

أما مقارنة عامودا بغيرها فالأمور نسبية وليس هناك فرق بين الأماكن السورية في الذهنية وطريقة التفكير والعيش لكني أرى أن عامودا كانت تتميز بتفوقها الثقافي على غيرها من المدن السورية الصغيرة لكنها بقيت مدينة مهملة حتى غادرها الصناعيون والمثقفون والأدباء وتوزعوا في المدن السورية الأكبر أو مدن العالم ولكنها تبقى مدينتي التي علمتني السحر والشعر والحب وأتخيل أن حاضرها الآن تعيس كئيب فقد هجرها الشباب وبقيت واقفة في الريح أو على كف عفريت فليس لها مذاق الأمس ولا نكهة البيوت الترابية وصحيح أنها غائبة عن عيوني لكنك لو فتحت قلبي لوجدتها كما عرفتها أنت وأنا قبل ثلاثين عاما وأتذكر قول الشاعر:

وتلفَّتَتْ عيني فمذْ خفيَتْ…عنِّي الطلولُ تلفَّتَ القلبُ

نعم نحن نضفي على الماضي صفات قداسية لا سيما عندما يكون أجمل من الحاضر بعكس ما تنبأ به ناظم حكمت صاحب أجمل عبارات التفاؤل بالغد حيث يقول:

أجمل الأيام تلك التي لم تأت بعد

وأجمل الأطفال من لم يولد بعد

وأجمل القصائد ما لم نكتب بعد

بينما الأصح ما كتبه الشاعر محمد عمران:

أجمل الأيام تلك التي مضت

2– ليس للسّوري مكان في العالم. سوف يعود إلى أمكنته . فمن هاجر للغرب قلّة، والباقي ينتظر القدر على الحدود. هل تتمنى العودة إلى سوريّة وكيف تتمنى أن تعيش؟

أجل كتب على السوري أن يشرد هنا وهناك وهو ينتظر يوم الفرج الموعود فقد دفع ثمنا باهظا سواء من تشرد في الخارج أو نزح في الداخل أو بقي تحت رحمة القصف أو الفقر أو الموت جوعا فكارثته هي الأولى من نوعها تاريخيا في حجم الدمار والموت وحتى لو بدأ السلام فإنه سيحتاج إلى زمن طويل لينكئ جراحه وينسى خسائره وشهداءه إذ سيظل أثر هذه الحرب طويلا طويلا …

طبعا أحلم بالعودة إلى بلدي سوريا وعامودا فلا أرى بديلا أجمل منها على الرغم من علمي أني سأعيش فيها غريبا وحيدا بعد رحيل العمر ورحيل الأحبة سوى بعض جمرات الذكريات التي تلمع تحت هذا الرماد الكثيف… أريد أن أرى كتبي المغبرة وقصائدي التي لم تكتمل ومن بقي من الأصدقاء على قيد الأمل والحلم والانتظار…

3- كيف يفكّر جميل داري عندما يكتب قصائده؟

بيني وبين القصيدة تاريخ طويل من الألم والأمل كتبت أولى قصائدي في مرحلة الإعدادية وكتبت آخرها على مقاعد الغربة والحنين وانتظار الذي يأتي ولا يأتي وما زلت أنظر إليها نظرة طفل قاصر عاجز إلى أمه التي يرجو منها الحنان والحب والحياة..

القصيدة عندي مبرر وجودي ولا أستطيع تخيل نفسسي دونها ولولاها لكانت الحياة أكثر إيلاما ووحشة وفراغا فهي هواء الروح وماؤها وغذاؤها ومصيبتي أنني ما زلت أكتب بحماس الماضي البعيد وكأنني ما زلت في شرخ الصبا حيث القلب مترع بالقوافي والروح حبلى بالنجوم التي تشع على ظلام العالم فتغدو الحياة جديرة بأن تعاش من أجل عيون القصيدة ولا أرى معنى لحياة من لا يهتم بالشعر والفنون عامة تلك التي قال عنها محمود درويش: ”  قتلتكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها “

ويصحُّ علي ” من شبَّ على شيء شاب عليه “

4- لماذا تكتب عن الحزن أليس هناك أمل؟

كثيرا ما طرح علي هذا السؤال في مناسبات عديدة وكنت أجيب أن المشاعر لا إرادية وأن الحزن قدر الكثير من الشعراء من الماغوط صاحب الفرح ليس مهنتي مرورا بمحمد عمران نبي الحزن إلى آخر شاعر سياتي قبل القيامة..

والحزن لا يناقض الأمل فأنا مع سعدالله ونوس القائل في عزّ سرطانه :

” نحن محكومون بالأمل ”

ومن جميل ما أذكر الآن قول المعري في مرثيته العظيمة للإنسانية :

إنَّ حزناً في ساعةِ الموتِ ..أضعافُ سرورٍ في ساعةِ الميلادِ

ولك أن تتخيلي حجم الموت الذي نكابده ولا سيما الموت في الحياة حيث عبر عنه المتنبي في قوله:

ربَّ عيشٍ أخفُّ منه الحِمامُ والحمام هنا هو الموت..

أو :

ليسَ مَن ماتَ فاستراحَ بميْتٍ .. إنما الميتُ ميِّتُ الأحياءِ

أذا نحن لا نسأل العصفور لِمَ يغرد والمطر لِمَ يهطل والقلب لِمَ يبكي ..؟

كأنَّا من الملحِ نبني الأملْ

تراهُ يذوبُ بماءٍ أقلْ

لذا نتشرُّدُ عبرَالمنافي

إلى أنْ نصابَ بداءِ المللْ

5- ماهي آخر صورة  شعرية تذكّرت فيها زوجتك؟

رحمها الله لقد كانت إنسانا جميلا وقلبا كبيرا وكنزا من الدفء والحنان والطفولة وقد كتبت فيها الكثير من الشعر كما أنها في جميع قصائدي التي أتحدث فيها عن الحب والوطن والذكريات … والحديث عنها ذو شجون وجنون …

6- من هم الأشخاص الذين تثق بهم من المعارضة أو من الموالاة؟

معارضَةٌ موالاةُ ..     على الفضَلاتِ تقتاتُ

فنصفُ الشعبِ منفيٌّ.. ونصفُ الشعبِ قد ماتُوا

7- هل يوجد  أمل في سوريّة جديدة على المدى القريب ؟

لا أظن جديدا على المدى القريب فثمة دمار شامل في الحجر والشجر والبشر ومن الصعوبة جدا أن تعود المياه إلى مجاريها ولا أرى مستقبل سوريا أفضل من العراق واليمن وليبيا بل إن الوضع فيها أصعب والمأساة أشد …

اختلط الحابل بالنابل ولم نعد نعرف الخير من الشر فالكل يتشدق ويدعي الوطنية فهم في واد والشعب السوري المغلوب على أمره في واد آخر..

اليابان المدمرة احتاجت إلى عشرين سنة لتنهض وتبدأ من جديد ولا أظننا كاليابان فنحن سنحتاج إلى زمن طويل جدا فالجراح عميقة وثقافة الثأر رفافة والدول الكبرى تتحكم بمصائرنا السوداء ونحن في مهب الضياع والموت..

أتمنى ألا أكون مبالغا في سوداويتي وأن تكون سوريا قاب قوسين أو أدنى من الفردوس الذي نحلم به منذ دهر وثانيتين …

8- ليتك تعبر عن مشاعرك حول ما في دواخلك عن الوطن والحياة

إنه زمن الفقد والضياع تمد خطوتك الأولى إلى الوطن والخطوة الثانية إلى المنفى وأنت معلق على مشجب الريح تتضاءل أمام جبروت الزمن المكتنز بآلهة رثة تتحكم بك وترشقك بنار الجنون..

في الصباح تبحث عن زهرة في صحراء روحك

في الظهيرة تبحث عن ماء لهذه الزهرة الظمأى

في المساء تحفر قبرك وقبر الزهرة

تحفر الكون علك تجد قطرة ماء عذبة

إنه زمن الفقد والضياع فلا تجد فرقا بين نجمة تغرق في صمت الظلام وأخرى تغوص في طين الأبجدية ..لا ترى إلا ظلك يقودك بعصاه المكسورة إلى واحة من سراب أو روضة من رماد..

بيني وبين الوقتِ حلمٌ عاقرُ

يحنو عليهِ الشاعرُ

والوقتُ ممسحةٌ لأيَّامي

وبحرٌ فاجرُ

وطفولتي هرمَتْ قُبَيْلَ أوانِها

والموتُ في أطلالِها يتفاخرُ

وطنٌ تشرَّدَ أهلُهُ

منفى تورَّمَ ظلُّهُ

فكأنَّ هذا الكونَ مبغىً آخرُ

يا أيُّها الزمنُ المسجَّى في دمي

دعْني قليلاً

أيُّها المتآمرُ

دعْني ألملمْ ما تبعثَرَ من بلادي

دعْني أفتِّشْ في رمادي

فلعلَّ ناراً ما تنادي

ماذا أسمِّي ما يدورُ

وطنٌ أمامي أم قبورُ

الحزنُ يقتلُني

متى يوماً سيقتلُني السُّرورُ

ما زلتُ أركضُ من تيهٍ إلى تيهِ

كشاعرٍ هربَتْ منهُ قوافيهِ

فراحَ يسألُ عنها كلَّ داجيةٍ

ولا يرى أحداً يبكي ويبكيهِ

أكادُ أخرجُ من روحي ومن جسدي

يا ليتَ لي وطناً ..يا ليتني فيهِ

الشكر للشاعر جميل داري على هذا اللقاء الشيّق





Tags: محرر