on
Archived: د. محمد أحمد الزعبي : ملاحظات عامة على ورقة دي مستورا (جنيف 3)
د. محمد أحمد الزعبي : كلنا شركاء
ملاحظات عامة على ورقة دي مستورا (جنيف 3)
( جنيف التوافق الروسي الأمريكي )
بداية ، من الطبيعي أن تكون هذه الورقة ( ورقة ديمستورا ) مقبولة من الطرفين ، وذلك لأنها صيغت على الطريقة الإنكليزية ( أراض محتلة بدل الأراضي المحتلّة ) صياغة رمادية وعامة بحيث لايمكن لأي من الطرفين أن يرفضها . بل إنها تسمح لأي من هذين الطرفين ( وفدي المعارضة والنظام ) أن يتوهم أن مضمون هذه الورقة يصب في طاحونته هو ، وليس في طاحونة الطرف الآخر . وسيتحدد تعليقي هنا على أسباب /أبعاد قبول وفد النظام لهذه الورقة ، التي ادعى الجعفري أنه سينقلها إلى المقامات العليا في النظام لأخذ الرأي . والتي لاأجد من جهتي سببا موجبا لرفضها من عائلة الأسد ، طالما أن الوسيط الدولي لم ” يغمس بالصحن ” في أي من دزينة مواده ، وأن عدم اعتراض كل من ” البائع والشاري ” على ورقته ، هو دليل نجاحه وتفوقه على جميع من سبقه من الوسطاء الدوليين ، وبالذات على : الدابي وكوفي عنان والأخضر البراهمي . معتقدا أن أحدا لن ينتبه لتلك الألف واللام التي حذفها من قام بصياغة هذه الورقة – الوثيقة لتصبح مقبولة من الطرفين .
تنطوي ورقة ديمستورا على مبادئ سياسية عامة ، مقبولة من كلا الطرفين ( المعارضة والنظام ) ، بل إن نظام عائلة الأسد ، مافتئ يؤكد ويشدد على بعض منها كذباً منذ أن استولى أبوه على السلطة في سوريا عام 1970 إن لم نقل قبل ذلك . وبما أنه سيظل باق على كرسيه الرئاسي ” إلى الأبد ” ( حسب زعمه )، فإنه سيكون بالتالي هو وليس غيره المسؤول عن تحقيق ( أو عدم تحقيق ) هذه المبادئ العامة ، التي كان وما يزال يسوّقها تدليساً عربياً وإقليمياً وعالمياً ، وستنحصر ملاحظاتنا هنا على أبرز هذه المبادئ العامة ، ولا سيما تلك التي تدخل في خانة ” قل شمالاً واعمل يميناً ” ألا وهي :
- إن ماورد في الفقرة الأولى من ورقة دي مستورا من ” احترام سيادة سوريا واستقلالها ووحدة وسلامة أراضيها” وهو ما يمثل حسب ديمستورا توافق طرفي المفاوضات عليه ، أي بما فيه وفد النظام ( أي النظام )، يتنافى واقعياً مع استدعاء بشار لكل من إيران وروسيا وهما دولتان أجنبيتان ، لحمايته من السقوط !! ، ويتنافى بالتالي مع ادعاءاته المستمرة المجروحة ، بالحفاظ على سيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها (!!) .
- وما ورد في نفس الفقرة أيضاً حول هضبة الجولان : ” وما زال الشعب السوري ملتزما بأن يستعيد مرتفعات الجولان المحتلة بالوسائل السلمية “(!!) . إن إضافة بالوسائل السلمية إلى هذه الجملة من قبل ديمستورا إرضاءً لوفد بشارالأسد هو حشو دبلوماسي مقصود من ديمستورا لإخفاء البعد”الاستراتيجي” لهذه الوسائل السلمية ، والذي سيعني تطبيقياً فيما لو ظل بشار في الحكم، إما استجداء الدول الكبرى لمساعدتها له في استعادة الجولان سلميا، أو السكوت ـ وهو الأرجح ـ على هذا الاحتلال إلى ما شاء الله ، على غرار نصف القرن الفائت .
- بالنسبة للفقرة الثانية فقد صيغت بما يرضي وفد المعارضة ، ولكن طابعها الرمادي يسمح للنظام ، بأن يدعي ( كذبا أيضاً ) ، بأن ماورد فيها ، هو بالضبط ماكان ينادي هو به منذ خمس سنوات ولكن المعارضة كانت ترفضه (!!) . تقول الفقرة ( … وسيقرر الشعب السوري وحده مستقبل بلده بالوسائل الديموقراطية ، عن طريق صندوق الإقتراع …) . إن جناب الوريث يعلم علم اليقين ، أن صندوق الإقتراع ، فيما لو طبق تطبيقاً صحيحاً ، سوف يطيح به ، ويلقيه في مزبلة التاريخ ، ولاسيما بعد كل الجرائم التي ارتكبها هو وشبيحته بحق الشعب السوري ، الأمر الذي سمح لشباب ثورة آذار 2011 ان يلبسوه ثوب الخيانة من خلال شعارهم المعروف والمنطقي ( اللي بيقتل شعبو خاين ) .
- كادت الفقرة الثالثة أن تكون في صالح المعارضة ، لولا أنها صيغت في صورة اختلاط الحابل بالنابل وفي صيغة جمل قصيرة ومبتورة وعامة ، وذلك ل” تضييع الطاسة ” وخشية أن يرفضها وفد النظام. تقول الفقرة ( سورية دولة ديموقراطية غير طائفية تقوم على كل من المواطنة والتعددية السياسية ، وتمثيل جميع مكونات المجتمع السوري ، وسيادة القانون ،واستقلال القضاء ، والمساواة في الحقوق ، وعدم التمييز ، وحقوق الإنسان ، والحريات الأساسية والشفافية والمساءلة ، ومبادئ المصالحة الوطنية والسلام الإجتماعي ) . إنه سرد أقرب إلى اللغو و التجميع منه إلى الحقيقة الموضوعية .
- يمكن أن تكون الفقرة الخامسة فقرة خلافية ليس بين النظام والمعارضة فقط ،ولكن ضمن كل منهما أيضاً ، وأظن من جهتي ، ورغم أن بعض الظن إثم ، أن جهة ما قد طلبت من دي مستورا وضعها على هذه الصورة لتحويل الخلاف السياسي بين المعارضة والنظام إلى خلاف أيديولوجي بين الإسلاميين والعلمانيين ، وهو ما يصب عملياً في طاحونة النظام . تقول الفقرة ( ستتمتع النساء بالمساواة في الحقوق وفي التمثيل العادل في جميع المؤسسات وهياكل صنع القرار بنسبة تمثيل تبلغ على الأقل 30% أثناء المرحلة الإنتقالية وما بعدها ) . إن النساء هن شقيقات الرجال ، كما علمتنا السماء والأرض ، لهنّ مالهم ، وعليهنّ ماعليهم ، سواء بهذه النسب المئوية أو بدونها . بل إن هذه النسب المئوية تمثل ـ برأينا ـ تقليلاً من شأن المرأة وليس مساواة لها بالرجل ، إن المرأة تقف إلى جانب شقيقها الرجل كتفاً بكتف ( كأم وكأخت وكزوجة ) ويكفي التوكيد على هذه المساواة ، بعيدا عن الإشكاليات والاختلافات التي يمكن أن تطرحها هذه النسب المئوية .
- في الفقرة السادسة ، تم السكوت عن دور بشار الأسد في عملية الانتقال السياسي في سوريا والتي أشار إليها قرار مجلس الأمن 2254 ، بل تم إبقاء هذا الدور متروكا ـ على مايبدو ـ للتوافق الروسي الأمريكي ، حول بقاء بشار في منصبه في المرحلة الانتقالية من عدمه . تقول الفقرة ( طبقاً للقرار 2254 /2015 يشمل الانتقال السياسي في سوريا آليات حكم ذا مصداقية وشامل للجميع ، وغير قائم على الطائفية … وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة عملاً بالدستور الجديد ، … ويشارك فيها جميع السوريين ، بمن فيهم السوريون المغتربون المؤهلون للتصويت ) . يخيل إلي هنا أن ديمستورا قد نسي أن يضيف بعد كلمة ” الجميع ” ( ولا سيما من تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوري ) . ذلك أنه لاخلاف على مشاركة المؤهلين للتصويت من المهجرين والنازحين بعد عودتهم إلى ديارهم ، بأي صورة من الصور ، وإنما الخلاف حول ” من تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوري ” .
- إن ماورد في الفقرة السابعة حول ” تكافؤ الفرص للفاعلين السياسيين ، بما يمكنهم من ترسيخ أقدامهم في الإنتخابات … ” ، إنما يشير بصورة لالبس فيها إلى أن المسكوت عنه هنا هو حق بشار الأسد في الترشح ، وأن الصياغة اللغوية لهذه الفقرة قد استبدلت ” ترسيخ أقدامهم ” ب ” ترشيح أنفسهم ” ، استبعادا لاعتراض المعارضة على إمكانية تفسيرنص الفقرة على أنه موافقة من ديمستورا على” ترشيح ” بشار الأسد في المرحلة الإنتقالية ، ولا سيما أن هذا الترشيح بات يحظى ـ على ماسمعت ـ بقبول كل من لافروف وجون كيري . إن مثل هذا ” الإلتباس ” اللغوي ، والذي هو من نوع (ال التعريف ) في قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967، ينبغي ألا تنطلي على وفد المعارضة . تقول الفقرة ( سيكفل هذا الحكم إيجاد بيئة استقرار وهدوء أثناء الفترة الإنتقالية تتيح الأمان وتكافؤ الفرص للفاعلين السياسيين بما يمكنهم من ترسيخ أقدامهم في الإنتخابات وتنظيم حملاتهم الإنتخابية … والمشاركة في الحياة العامة .) إن الكاتب يرى هنا أن مفهوم الفاعلين السياسيين يبطن هنا أكثر مما يظهر .
- نصت الفقرة التاسعة في مبادئ دي مستورا العامة على ” ترفض سورية الإرهاب رفضا قطعيا ، وتتصدى بقوة للمنظمات الإرهابية …” . إن وضع كلمة إرهاب في هذا الشكل المرسل ودونما تحديد ، إنما يذكر بالنص الذي توافقت عليه كل من روسيا وأمريكا في ميونخ بألمانيا ، والذي يشير إلى ” داعش والنصرة وغيرها …” ، ذلك أن كلمة ” وغيرها ” سمحت للروس بأن يضعوا على قائمة الإرهاب كافة معارضي نظام بشار الأسد وبمن فيهم من يقاتلون داعش في شمال وجنوب سوريا ، والذين باتوا يعرفون ب ” المعارضة المعتدلة ” وبالتالي فإن هؤلاء المعتدلين تحولوا قبل وخلال اتفاق ” وقف الأعمال العدائية ” إلى أهداف مباشرة للطيران الروسي ، وبنسبة وصلت إلى حوالي ال 95% حسب التصريحات الأمريكية المعلنة .
- تم في الفقرة الحادية عشرة من مبادئ دي مستورا ، دمج ” تمكين جميع اللاجئين والنازحين من العودة إلى ديارهم بأمان ” مع “سيجري إطلاق سراح الأشخاص المحتجزين تعسفيا ، وحسم مصير الأشخاص المختفين أو المختطفين أو المفقودين “
إن وضع مسألتي الإفراج والكشف عن المعتقلين والمختفين والمختطفين والمفقوين و حق اللاجئين والنازحين في العودة إلى ديارهم بأمان ، في سلة واحدة كما ورد في نص الفقرة إنما هو خلط بين المهم والأهم وبين الحق في الحرية والكرامة ، والحق في العودة الآمنة ، إن مسألة بقاء أخواتنا وبناتنا وأمهاتنا وزوجاتنا وأطفالنا في سجن المجرم بشار وشبيحته الأقذرين ، وتركهم يموتون يومياً تحت سياط التعذيب النفسي والجسدي في سجن هؤلاء القتلة ، هي أمور لايمكن ولا ينبغي السكوت عنها ، أو المساومة عليها ، مهما كانت الأسباب والمبررات . إن خلط الحابل بالنابل في صياغة هذه الفقرة ، إنما يصب بدوره في طاحونة النظام ، بغض النظر عن مسألة حسن النية وعن قصر ذات اليد عند السيد ديمستورا . إن مايمكن قوله هنا حول هذا الموضوع : إذا كان السيد ديمستورا عاجزاً عن إحقاق الحق ، أو عن قول كلمة الحق ، فإن مكانه محفوظ إلى جانب الدابي وكوفي عنان والأخضر الابراهيمي ، وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، مع معرفتنا بإمكانية الاختلاف مع السيد ديمستورا حول مفهوم الحق والباطل في المسألة السورية ..
Tags: محرر