on
Archived: عبد الله نعناع :من أجل العدالة و دولة القانون و مكافحة حصانة الأجهزة الأمنية
مداخلة المستشار عبدلله نعناع عضو منظمة (من أجل العدالة و دولة القانون و مكافحة حصانة الأجهزة الأمنية) في لقاء رسائل من أجل السلام في سوريا الذي عقدته منظمة (سوريون مسيحيون من أجل السلام) في باريس بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة السورية ضمن حوار حول إمكانية المصالحة بين مختلف مكونات الشعب السوري.
المستشار عبدالله نعناع
غني عن البيان، أن عنف النظام ووحشيته في محاولته قمع الثورة السورية، كان قد أدى إلى عسكرة الثورة، وقد أفضت دوامة العنف هذه بعد سنوات الثورة الخمس إلى شرخ مجتمعي عميق بين مكونات الشعب السوري، وذلك بعد الاصطفافات ما قبل الوطنية التي إتخذتها هذه المكونات على خلفية أحداث الأزمة السورية.
ومع اتساع رقعة العنف المسلح وانتشار الفوضى والإنفلات الأمني، وغياب سيادة القانون وفرض شريعة الغاب، وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية (ما يعرف في القانون الدولي بالجرائم الدولية)، وعلى نطاق واسع وممنهج من قبل النظام، ومن قبل أطراف أخرى من فصائل المعارضة المسلحة، وإن بدرجة أقل (حسب التقارير الصادرة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة ومجلس حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة)، ثم دخول الأزمة السورية في نفق مسدود, وتفاقم أزمة اللاجئين، وتأثير الأزمة السورية على السلم والأمن الدوليين، كل ذلك جعل المجتمع الدولي يسعى لإيجاد حل سياسي لهذه الأزمة.
وإذا ما قيض لنا أن نشهد هذا الحل، وأتمناه قريباً، فإن الحاجة تُبرز أهمية إيجاد آليات تضمّد جراح الماضي، وتحقق السلم الأهلي بين مختلف مكونات الشعب السوري.
ولهذه الغاية، فقد كثر الحديث في السنوات الماضية عن ضرورة تطبيق قواعد العدالة الانتقالية في سورية، والاستفادة من تجارب بلدان أخرى كانت قد عانت من أنظمة استبدادية أو شمولية، أو من حرب أو صراعات أهلية (تشيلي 1990، غواتيمالا 1994، جنوب افريقيا 1994، بولندا 1997، سيراليون 1999، تيمور الشرقية 2001..إلخ)
وتقوم فكرة العدالة الانتقالية على تطبيق العدالة في مرحلة التحول الديمقراطي لمجتمع ما، وذلك عبر إجراءات قضائية وأخرى غير قضائية، وبغية تحقيق المصالحة المجتمعية وتعزيز السلم الأهلي.
وتتلخص الإجراءات غير القضائية بتشكيل لجان تقصي الحقائق عن الانتهاكات، وبرامج تعويض ضحايا الانتهاكات وجبر الضرر، وإعادة هيكلة الأجهزة المسؤولة عن هذه الانتهاكات كالجيش والأمن والشرطة، وجهود تخليد الذكرى لرفع مستوى الوعي الأخلاقي العام، وضمان عدم تكرار تلك الانتهاكات.
أما الإجراءات القضائية فتعتبر العنصر الأهم في معادلة تحقيق العدالة الانتقالية، وهي بمثابة شيفرة ذات دلالة أو بعد رمزي لفتح الباب أمام المصالحة الوطنية الشاملة، وترسيخ سيادة القانون.
هذا، وتقتضي العدالة الانتقالية تحقيق التوازن بين المصالحة المجتمعية والسلم الأهلي من طرف، وملاحقة ومحاكمة مرتكبي الانتهاكات والجرائم الدولية، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب من طرف ثان. وإذا كنا ننشد محاكمة هؤلاء محاكمة عادلة في سورية، ووفق قواعد العدالة الانتقالية، والتي من شأنها حال تحقيقها، الإسهام في تعزيز السلم الأهلي، أرى لزاماً ضرورة إتخاذ عدة إجراءات دستورية وقانونية وقضائية، وذلك على الصعيد الوطني، وإتخاذ عدة إجراءات متعلقة بالمعاهدات الدولية على الصعيد الدولي.
أولاًـ الإجراءات القانونية والقضائية على الصعيد الوطني:
نستطيع القول: إن القضاء السوري في بنيته الحالية غير قادر على معالجة هذا الإرث الهائل من الانتهاكات والجرائم الدولية، ولا بد من إعادة هيكلته، وإعادة صياغة العلاقة بينه وبين باقي السلطات، وتهيئة البيئة الدستورية والتشريعية المناسبة له، بغية تمكينه من ممارسة دوره في ملاحقة ومحاكمة مرتكبي هذه الانتهاكات والجرائم الدولية.
ولهذه الغاية أرى ضرورة إتخاذ الخطوات التالية:
1ـ وقف طغيان السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، ويشمل ذلك تعديل الدستور الذي كان قد جعل رئيس الجمهورية على رأس السلطة القضائية، كما يشمل تعديل قانون السلطة القضائية الذي كان قد سمّى وزير العدل رئيساً لمجلس القضاء الأعلى (بالنيابة عن رئيس الجمهورية) وذلك تحقيقاً لمبدأ فصل السلطات، وتعزيزاً لاستقلال القضاء.
2ـ إتخاذ إجراءات تشريعية بغية تمكين القضاء من ملاحقة ومحاكمة عناصر الأجهزة الأمنية، كإلغاء المرسوم 14 لعام 1969، الذي ينص على عدم جواز ملاحقة عناصر إدارة المخابرات العامة، لجرم ناشئ عن تنفيذ مهامهم، أو في معرض قيامهم بها، مالم يصدر أمر ملاحقة من مدير إدارة المخابرات العامة. وإلغاء المرسوم 69 لعام 2008، الذي كان قد وسع هذه الحصانة من الملاحقة لتشمل عناصر الأمن السياسي والأمن الداخلي والجمارك. وكذلك تعديل قانون العقوبات العسكري رقم 61 لعام 1950، فيما يتعلق بكيفية إصدار قرارات لزوم محاكمة عناصر الجيش والمخابرات العسكرية والجوية.
3ـ ضرورة إنفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني في التشريع السوري، حيث أن التشريع الجزائي السوري خلو من هذه القواعد، مما يتعذر معه محاكمة مرتكبي الانتهاكات والجرائم الدولية أمام القضاء السوري وفق هذه القواعد.
4ـ إحداث محاكم خاصة بمحاكمة مرتكبي الانتهاكات والجرائم الدولية، وذلك في كل محافظة، وعلى أن يعين فيها قضاة مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والحياد.
5ـ ضرورة إحداث مركز توثيق الانتهاكات والجرائم الدولية في وزارة العدل، بغية تجميع جهود المنظمات ومراكز الأبحاث والأفراد الذين قاموا بتوثيق هذه الانتهاكات والجرائم خلال السنوات الماضية، وذلك تمهيداً لملاحقة ومحاكمة المسؤولين عن هذه الانتهاكات والجرائم.
6ـ سنّ قانون العدالة الانتقالية، على غرار القوانين التي صدرت في المراحل الانتقالية في جنوب افريقيا وتونس والمغرب، وذلك للمساهمة في جهود المصالحة الوطنية.
ثانياًـ الإجراءات القانونية على الصعيد الدولي:
بغية عدم تنازع الإختصاص بين القضاء الوطني والقضاء الدولي، فقد قامت محكمة الجنايات الدولية على فكرة التكامل بين هذين القضاءين، مع إعطاء الأولوية للقضاء الوطني، بحيث ينعقد الإختصاص لمحكمة الجنايات الدولية، حال كون الدولة التي ارتُكبت فيها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، غير راغبة أو غير قادرة على ملاحقة ومحاكمة مرتكبي تلك الجرائم، وذلك تعزيزاً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب.
وكنت قد أشرت آنفاً أن القضاء السوري غير قادر في وضعه الحالي على معالجة هذا الإرث الهائل من الانتهاكات والجرائم الدولية (على افتراض وجود الرغبة لديه)، وذلك مالم تتم إعادة هيكلته وإتخاذ عدة إجراءات دستورية و تشريعية وقضائية على الصعيد الوطني. أما على الصعيد الدولي، فيجب محاكمة كبار القادة المسؤولين عن الإنتهاكات والجرائم الدولية أمام محكمة الجنايات الدولية. وتحقيقاً لهذه الغاية، أرى ضرورة إتخاذ الحكومة المقبلة (حال تمتعها بالصلاحيات الكاملة) الخطوتين التاليتين:
1ـ إنضمام سورية والمصادقة على البروتوكول الثاني الإضافي لإتفاقيات جنيف الأربع لعام 1977، الناظم لقواعد القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة غير الدولية، كون النظام تمترس خلف السيادة الوطنية، وتمسك على الصعيد الدولي بمبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية.
2ـ مصادقة سورية على نظام روما الأساسي لعام 1998، المنشئ لمحكمة الجنايات الدولية، مما يتيح معه إحالة الملف السوري إلى هذه المحكمة بطلب من الحكومة السورية القادمة مستقبلاً. أو تعلن هذه الحكومة قبل ذلك قبول إختصاص المحكمة وفق المادة 12/3 من النظام الأساسي. أما وأن تتوافق الإرادات السياسية للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن على إحالة الحالة السورية إلى محكمة الجنايات الدولية، فستكون تلك قيمة مضافة.
خلاصة القول: إن ملاحقة ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سورية في السنوات الخمس الماضية، ووفق آليات العدالة الانتقالية، وخلال مرحلة التحول الديمقراطي المنشودة، من شأنه إعادة بناء النسيج الاجتماعي وتحقيق المصالحة الوطنية، وسيكون له عميق الأثر في تعزيز السلم الأهلي، ولكنه أمر يستلزم بداية حلاً سياسياً للأزمة، وهو سيتبع بالطبع شكل هذا الحل. وعلى العكس من ذلك، إذا ما تمكن مرتكبو هذه الانتهاكات والجرائم من الإفلات من العقاب فإن درجة عدم الثقة بين مكونات الشعب وفي مؤسسات الدولة عموماً والقضاء خصوصاً، سوف تزداد وتتعمق ، و ستبقى سورية على الأرجح، في دوامة العدالة الإنتقامية.
Tags: محرر