Archived: د. حبيب حداد: خطر الاٍرهاب وصدام الحضارات في عصرنا الراهن

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

ما يزال خطر الاٍرهاب على الرغم من كل السياسات المعتمدة والاجراءات المتخذة حتى الان متواصلا ومتصاعدا  وعلى الأخص في قواعده وحواضنه الرئيسة في بلدان الشرق الأوسط، وما يزال ينذر بالمزيد من الضحايا وكل أشكال الدمار وتهديد الأمن والاستقرار وآخرها ما شهدته العاصمة البلجيكية بروكسل اليوم. 

وامام كل حادث ارهابي جديد يتكرر طرح السؤال الذي يواجهه الجميع باستمرار : ترى هل تظل مختلف الإجراءات المتخذة في مواجهة الاٍرهاب واستئصال شأفته غير كافيةحتى الان ؟ او ان هذه المعالجة التي ماتزال تقتصر وتركز على ظواهر ونتائج الاٍرهاب المباشرة ليست هي المعالجة الصحيحة  التي ينبغي ان تتوجه لمعالجة اسبابه العميقةوالتربة التي نشا فيها ،تلك الأسباب الاقتصادية والثقافية والفكرية والسياسية والمجتمعية .فهذه العوامل والاسباب التي تتضافر جميعها في توفير تربية ومناخ الاٍرهابالملائمين انما تعكس من جهة مستوى تطور تلك المجتمعات في مختلف مجالات حياتها وتتعلق من جهة اخرى بمدى وعي الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي كله بانالاٍرهاب لم يعد ظاهرة تخص مجتمعا معينا او تقتصر على شعب او دين او طائفة او ثقافة ما. والاهم من ذلك كله فلقد تأكد لدى الجميع أهمية وضرورة تنسيق السياسات والجهود الاممية في مكافحة هذا الخطر الرهيب. كما اصبح الاٍرهاب يحتل الان الاولوية في مواجهة الاخطار والتحديات الكونيةالمشتركة كالحروب والتلوث البيئي وتغيرات المناخ  والأوبئة والجرائم ضد الانسانية  وموجات الهجرة والنزوح والتشرد وغيرها …

لقد وضع خطر الاٍرهاب منذ احداث الحادي عشر سبتمبر عام 2001 بلداننا العربية والإسلامية وجالياتنا في بلدان الغرب في مركز المسؤولية ، والمتهم الرئيسي حاليا عنصناعة ظاهرة الا هاب وتصديرها وتشكيل الحواضن رالدائمة لتفريخها .

في هذه الحال التي نحن عليها ماالذي يتوجب علينا فعله ؟؟ هل نقابل هذا الواقع بالإنكار والاستهجان وردود الفعل بان هذا الموقف يأتي نتيجة الاستهداف المسبق والنًوايا المبيتة من قبل الآخرين وحقدهم الدفين على حضارتنا وقيمنا وعاداتنا ومعتقداتنا الدينية ؟؟ .. ان هذا الامريحتم علينا الاعتراف بحقائق الواقعالموضوعي وتشخيص الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة المعادية لكل القيم الاخلاقية الانسانية الحضارية.

بوجيز القول ان ظاهرة الاٍرهاب كما هو راينا دائماً هي عرض ونتيجة لواقع التخلف والفوات التاريخي لعدة  قرون .ان ظاهرة الاٍرهاب وغيرها من مظاهر التخلف الاخرىكالاستبداد والفقر والجهل والمرض والتعصب الديني والقومي والعقائدي والفكر الإرهابي التكفيري ليست الا مظاهر واعراض يتكامل ويتبادل تأثيرها، مظاهر ونتائج لفشلالمشروع النهضوي العربي الذي كان يهدف الى نقل مجتمعاتنا الى مستوى العصر.

إذن من غير المنطقي ان نحكم على ظاهرة الاٍرهاب والتطرف على أنها من نتاج صدام الحضارات الذي يعيشه عالمنا المعاصر من جهة وتخلف  الحضارة الاسلامية وعدم قدرتها بوصعها الحالي على مجاراة غيرها والتعايش معها كما ذهب الى ذلك كل من برنارد لويس وصامويل هننكتون ومؤخراً ناتانسارنسكي .ذلك ان عالمنا اليوم وخاصة في عصر العولمة هذا يعيش في ظل حضارة واحدة التي تمثل خلاصة مسار التطور الحضاري الإنساني الذي أسهمت فيه على مدار التاريخ مختلف الامم والشعوب  وما يجسد هذه الحقيقة الموضوعية ان الانسانية اليوم تجمعها تطلعات واهداف حضارية مشتركة من اجل الرقي والتقدم والأمن والسلام وفي الوقت نفسه أضحت توحدها قيم حضارية مشتركة كالحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة واحترام حقوق الانسان الاساسية وحق الشعوب فيتقرير مصيرهاوقيم الديمقراطية والعقلانية والعلمانية وموقفها في محاربة التحديات والأخطار المشتركة التي أسلفنا والتي يأتي على رأسها خطر الاٍرهاب الحصارات الإنسانية حضارة واحدة اليوم لكن الصدام هو بين الثقافات المتعددة التي يجهد كل منها للمحافظة على خصوصيتهً وشخصيته والتمسك بتعددية تلك الثقافات كما يتوقف على مدى حرص تلك الثقافات على ان يكون لها دورها على الصعيد الإنساني من خلال تنوعها وتفاعلها مع بعضها آخذا وعطاء منخلال عملية المثاقفة والابتعاد عن هيمنة النزعة المركزية الثقافية وتهميش والحط من قيمة ثقافات الآخرين  نعم ان ثقافة مجتمعاتنا العربية عاشت مرحلة عطالة وتقوقع وتخلف عن ركب الحضارة العالمية وماعرفه خلال هذه الحقبة الزمنية من ثورات سواء على صعيد الفكر والتنوير ام على صعيد الصناعة والاقتصاد ام على صعيد السياسة فيما يتعلق بانظمًة الحكم وحقوق الانسان الذي ينبغي ان يظل دائماً غاية كل تطور وتقدم مجتمعي تابعت اليوم باهتمام بالغ ماطرحه مختلف المعلقين حول أسباب ظاهرة الاٍرهاب آلتي تضرب الان مختف البلدان الأوربية ومعظمها يقف وراءها أبناء الجاليات العربية والإسلامية وتركيزهم على ضرورة تجديد الخطاب الديني لا ن الأئمة في المساجد ينشرون الفكر الوهابي  التكفيري الذي يتمحور حول نشر الكراهية  والحقد  والعداء للشعوب والمجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها  ان تجديد الخطاب الديني لا يمكن ان يكون مطلبا قابلا للتطبيق او اجراء يفي بالغرض لانه قبل ذلك يحتاج الى القاعدة التي يستند اليها الا وهي الإصلاح الديني الحقيقي وتغيير نظرة مجتمعاتنا الى دور الدين في حياة الفرد والمجتمع فإذا لم تقتنع شعوبنا ان الحكم الرشيد يقتضي فصل الدين عن الدولة وعن السياسة اي كما قال الامام المجدد محمد عبده : لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة سنظل في منأى عن الطريق الكفيل بتحقيق الغايةالتي نتطلع اليها .

ان تنسيق الجهود الأمنية والاستخباراتية والعسكرية بين كل الدول لمواجهة خطر الاٍرهاب المستشري هي امر ضروري لا يحتمل التأجيل لكن استئصال شأفة هذه الافة المعادية لكل بني الإنسانية وتجفيف منابعها يستدعي اليوم قبل الغد من كل مجتمعاتنا العربية والإسلامية ان تقدم على إنجاز ثورة ثقافية جذريةيكون الإصلاح الديني محورها الأساس  فبغير ذلك نظل ندور في حلقة مفرغة بلا قرار ونظل كمن يكتفي بقطع ذنب الأفعى  ليس الا.





Tags: محرر