on
Archived: د. حبيب حداد: من هو العدو الأول لشعوب الأمة العربية
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
منذ أن نالت معظم الدول العربية استقلالها الوطني وتخلصت من السيطرة الاستعمارية المباشرة أواسط القرن الماضي وجدت نفسها مباشرة في مواجهة تحديات مرحلة بناء الدولة الوطنية وارساء الأسس الكفيلة بانجاز التنمية الانسانية المستدامة بغية تجاوز حالة الفوات التاريخي والانخراط في مسار العصر . لقد ادركت تلك الكيانات المتعددة باكرا ان كلا منها لايستطيع وحده انجاز مهمات التحرر الوطني واستكمال مقومات الاستقلال الحقيقي بمفرده , كيف لا وشعوبها فيى هويتها وكينونتها اجزاء من امة واحدة : وحدتها في الماضي روابط الثقافة والحضارة والتاريخ والكفاح المشترك ,وتوحدها اليوم بأكثر مما يوحد غيرها من الكيانات والتجمعات الدولية القائمة على المصالح المشتركة في الوصول , تجسيدا لارادة شعوبها , الى كيان موحد يوفر لها امكانات التنمية والتطور والأمن الجماعي أي الانتقال من أمة الدولة الى دولة الأمة ,في عالم لم يعد فيه من دور ذي شأن للكيانات الصغيرة . هذا هو الواقع اليوم حيث عناصر القوة لكل دولة اصبحت تتمثل وقبل اي اعتبار آخر في الامكانات الاقتصادية والعلمية والثقافية وفي نظم الحكم الديمقراطية التي تقوم وتعتمد على اساس كون الانسان المواطن هو الغاية والوسيلة في حياة تلك الشعوب ومستقبلها ,وتلك هي بلا شك ومن وجهة نظرنا مقومات الحضارة الانسانية الحقيقية التي تتطلع اليها البشرية في غد قادم ..
هكذا وعلى صعيد التقارب والتكامل بين هذه الأقطار وفي اعقاب تشكيل مؤسسة الجامعة العربية ,التي يتفق الجميع انها لم تنهض حتى الأن بالحد الأدنى من مسؤولياتها , شهد النصف الثاني من القرن الماضي عدة محاولات توحيدية بين البلدان العربية لا شك ان اهمها على الاطلاق كان قيام الجمهورية العربية المتحدة التي لم تستمر اكثر من سنوات ثلاث ونصف لأسباب ذاتية وخارجية ليس هنا مجال الحديث عنها , وكان هناك مجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي ومجلس التعاون العربي الذي انهار بعد بضعة اشهر اثر غزو العراق للكويت . كان المفترض في خطوات التعاون والتنسيق بين البلدان العربية انها تستهدف في المقام الأول تعزيز مصالحها المشتركة في كافة المجالات وحماية امنها والوقوف في وجه عدوها الرئيسي ألا وهوالكيان الصهيوني ومن يدعمه أو يقف خلفه .لكن استعراض مسار الأحداث في الوطن العربي خلال هذه الحقبة التاريخية وحصيلة التطور العام لمختلف اقطاره يضعنا امام حالة من المد والجزر التي اتسمت بتحقيق جملة من الانجازات والإنتصارات من جهة وحصول بعض الانتكاسات والهزائم من جهة أخرى .ولقد كان في مقدمة تلك الهزائم التي لم تقتصر نتائجها واخطارها على بلد عربي وحده وانما انعكست على المصير القومي كله :الاحتلال الصهيوني لفلسطين وتشريد أهلها عام 1948 , وانفصال الوحدة بين سورية ومصر وهزيمة 1967 ومعاهدة كامب ديفيد واحتلال العراق واخفاق ثورات ما سمي بالربيع العربي حتى الآن في تحقيق اهدافها وتحول معظمها الى حروب اهلية ومذهبية تهدد وجود تلك الدول التي عرفتها. اجمالا فقد شهد الوضع العربي كله تراجعا خطيرا طوال العقود الاربعة الماضية ,الامر الذي لا يمكن ان يجادل فيه اثنان في ضوء الحالة التي تعيشها و الأخطارالتي تواجهها مختلف البلدان العربية في الوقت الحاضر .
كيف ولماذا وصلت الأمور الى هذا الدرك المخيف ,اي الى حالة الركود والعطالة التامة في امكانية امتلاك الشعوب العربية لارادتها الحرة وتقرير مصيرها وصنع مستقبلها ؟؟؟ وكيف تبددت كل مقومات الأمن القومي والعمل العربي المشترك واصبحت المنطقة العربية ساحة صراع وتقاسم للنفوذ بين مختلف الدول المهيمنة والطامعة ؟؟؟ واخطر من هذا كله , بل ونتيجة لهذا كله كيف فقد ت معظم الدول العربية الأساسية مناعتها المجتمعية وتهشمت وحدتها الوطنية وأصبحت عرضة لتحديات التقسيم والتشرذم والانهيار ؟؟؟
ليس هدفنا هنا بالتأكيد تغليب بواعث الإحباط والتشاؤم والتيئيس مما وصلنا اليه من احوال ولا اعطاء صورة وردية وغير واقعية لهذه الأحوال ,لكن ما نهدف اليه هو ان نحاول وضع اليد على الجرح وتبين الأسباب الأساسية لهذه الأزمة الكيانية التي تعيشها مجتمعاتنا ,فاذا لم نستطع التشخيص الصحيح لمسببات هذا الواقع سنظل ندور في الحلقة المفرغة إياها والإنتقال من اخفاق الى اخفاق . تلك هي دروس التاريخ القريب بالنسبة لنا ولغيرنا من الأمم والشعوب التي مرت بنفس المراحل وواجهت شبيه هذه التحديات . فاذا لم يمكن لنا ان نتعرف على ما يواجنا من تحديات تعيق تطورنا وتحررنا وتحضرنا فسنظل في سعينا وفي كفاحنا لبناء المستقبل المنشود وسنظل في تصدينا للعوائق والصعوبات التي تواجهنا نخلط بيت المسببات والنتائج وبين ماهو ثانوي وما هو رئيسي وسنظل بالتالي وبدون وعي وهدى كاف نغير بوصلتنا في الإتجاه المطلوب نحو من هو العدو الأول لأمتنا كما هو حاصل الأن مع الأسف الشديد …تارة عدونا الأول اسرائيل وتارة ايران وتارة الغرب وتارة الشرق والخشية ان بقينا على هذه الحال أن يأتي يوم نعتبر العلم كله عدوا لنا ….
لن ندعي لأنفسنا في هذا المجال اننا نحقق سبقا في ميدان تشخييص اوضاعنا والأسباب والعوامل التي فاقمت في حدة عللنا وأزماتنا والتي اوصلتنا الى الحال التي نحن عليها بقدر أن نحاول الاستناد والتركيزعلى جانب من نتائج تلك الدراسات التي قامت بها مراكز ابحاث ودراسات عربية وأجنبية مشهود لها بالموضوعية والنزاهة العلمية فيما يخص موضوعنا هذا ,كما لايجوز لنا هنا ان نتجاهل في هنا اهمية الرؤى والمقاربات التي استخلصها أو توصل اليها العديد من المفكرين التنويريين ورواد العقلانية العرب منذ عصر النهضة القومية منتصف القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا . فالنظرة الموضوعية الى نوعية الأزمات المجتمعية الشاملة التي ما تزال تعيق تطور مجتمعاتنا بصورة طبيعية كغيرها من المجتمعات المتقدمة واللحاق بالمسار العالمي هي في حقيقتها نتيجة لتعطل هذه العملية منذ مطلع العصور الحديثة وتوالي الاحتلال والهيمنة الأجنبية بمختلف أشكالهما . وحتى في مطلع عصر النهضة القومية لشعوب هذه الأمة بعد اتصالها بمركز الحضارة العالمية الذي تمثل بالقارة الأوربية الصاعدة واجه المشروع النهضوي اشكالية مقاومة السيطرة الاستعمارية الزاحفة وفي الوقت نفسه ضرورة الأخذ بمنجزات هذه الحضارة والقيم والطرائق التي كانت وراءها صعودها من كونها مكتسبات وانجازات انسانية عامة , غير ان موقف الرفض والتصدي لها كان هو الغالب والمهيمن على عملية التبادل والحوار والمثاقفة الضرورية . وذلك نتيجة سيادةعقلية وعقيدة التمسك بتقاليدنا والحفاظ على خصوصيتنا واصالتنا في مواجهه عملية التشويه والتغريب …
وكنا ونحن الجيل الذي عاصر مرحلة الصعود القومي التحرري في الخمسينات والستينات نلخص ادواء الأمة بثلاثة وهي : التجزئة والتبعية والتخلف ,كما كنا نجمل مرتكزات المشروع النهضوي لهذه الأمة كما هو معروف بثلاثة وهي :الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية . ولم يكن هناك اي خلاف بالنسبة لشعوب هذه الأمة ,اذا تركنا أنظمتها جانبا ,ان القضية المركزية التي تجسد ارادة هذه الشعوب وتوحد كفاحها هي القضية الفلسطينية والتي اعتبر الموقف منها المقياس لوطنية اي نظام او حزب اوحركة تحرر وطني في اي من اجزاء الوطن الكبير,. وعلى هذا وجدنا معظم ان لم نقل كل الانقلابات والتغيرات العاصفة التي حدثت في اكثر من بلد ترفع في مقدمة مبررات قيامها ولاكتساب التأييد او المشروعية مهمة تحرير فلسطين , وتعد بحشد كل الجهود و وتعبئة كل الطاقات والتوجه الجاد لمحاربة الكيان الصهيوني الذي كانت ترى فيه العدو الأول لهذه الأمة .
لكن لماذا فشل العرب حتى الآن في تحقيق اي هدف من اهداف مشروعهم النهضوي التحرري في التقدم والرقي والتكامل والحياة الحرة الكريمة ودخول العصر ؟؟؟ فالوحدة العربية اصبحت اليوم ابعد منالا مما كانت عليه في اية مرحلة منذ منتصف القرن الماضي والقضية الفلسطينية بالرغم من كل التضحيات الجسام التي بذلت من اجل انتصارها تبدو اليوم امام اخطر التحيات التي تهدد بتصفيتها بعد ان تراجعت في اهتمامات كل الدول العربية ,التي باتت تطحنها في الوقت الحاضر ازماتها المستحكمة ومتاعبها الداخلية ,الى مرتبة ثانوية .اما على صعيد اوضاعنا الداخلية فقد اخفقت بلداننا حتى الأن في اقامة انظمة ديمقراطية تعبر عن ارادة شعوبها كما فشلنا في تحقيق التنمية المستدامة التي تعزز استقلالنا وتعتمد مواردنا البشرية والاقتصادية والحضارية اذ ما تزال اقتصادات دولنا في معظمها اقتصادات ريعية لا تقوم على العمل والانتاج . ومازال دورنا يقتصر تقريبا على ىاستهلاك منتجات الدول المتقدمة في زمن ثورة المعلومات والمعرفة والتكنولوجيا الذي يشكل القطاع الأهم في عصر العولمة هذا . لذا كان حدوث ماهو متوقع وهو ان الهوة التي كانت تفصل مجتمعاتنا عن غيرها من الأمم المتقدمة قد تضاعفت شدة وازدادت اتساعا . ومن وجهة نظرنا ,ومع عدم اغفالنا لدور القوى والعوامل الخارجية في كبح جماح تطورنا واعاقة نهضتنا ,فان اسباب هذا الاخفاق يعود لنا نحن بالذات الدرجة الأولى , وتحديدا يعود الى بنية التخلف التي مازالت تعيق قدرة مجتمعاتنا على التحرر وما زالت تكبح مسار شعوبنا نحو تحقيق تطلعات شعوبنا في الحياة الأفضل . ان حالة التخلف التاريخي لمجتمعاتنا التي تغور جذورها بعيدا في اعماق التاريخ لعدة قرون خلت هي اشبه ماتكون بالقوقعة المنيعة التي ما تزال تكبل ثقافة ووعي وامكانية تفتح الطاقات والقدرات في كل من مجتمعاتنا وهي نفسها التي ماتزال تكبل عقل وتشل قدرة كل مواطن منا بصورة عامة على التسلح بالوعي المطلوب الذي يتوافق وطبيعة ومهمات كل مرحلة . لقد قدمت البلدان العربية تضحيات كبيرة في سبيل تطورها وتقدمها ومكافحة الأمية والفقر والجهل والمرض والبطالة والحد من التفجر الديمغرافي وزيادة السكان ,ولكن السياسات المتبعة حتى الآن لم تنجح في تحقيق غاياتها .واذا أخذنا عاملا واحدا منها وهو التفجر السكاني فان احدى الدراسات التي صدرت حديثا تشير ان عدد سكان البلاد العربية هو الآن حوالي مايتين وتسعين مليونا وسيصبحون عام 2025 حوالي ثلاثمائة وستين مليونا وهؤلاء يتطلبون ايجاد تسعين مليون وظيفة عمل جديدة اضافة لما هو قائم الآن . لقد كانت حصائل سياسات وممارسات الأنظمة العربية الحاكمة وكذلك الاحزاب والحركات الوطنية في معظمها ,وعلى ارض الواقع اجهاضا للخطط التي وضعتها وتدميرا للأهداف التي رفعتها وهذا هو واقع التردي والتراجع والانتكاس في مختلف الميادين هو مايشهد على صحة ذلك . لذا فان العدو الأول من وجهة نظرنا الذي ما يزال يكبل طاقات مجتمعاتنا ويحول دون طموحاتها في التقدم والتطور هو التخلف بكل جوانبه الاجتماعية والسياسية والثقافية والذي استند الى المحور الأساس وهو تخلف الوعي العام في هذه المجتمعات الذي ما زال في طابعه العام وعيا غيبيا انفعاليا قدريا يفتقرالى مقومات العقلانية والمنهج العلمي في التعامل مع حقائق الواقع ودروس التاريخ والتعامل الصحيح مع قيم ومنجزات الحضارة الانسانية الواحدة . تخلف الوعي هو السبب الأساس في رأينا في فشل انظمتنا واحزابنا وحركاتنا الاصلاحية في تحقيق مشاريعها وبرامجها وسبب فشلها واخفاقها قبل ذلك في بناء حياة ديمقراطية سليمة وفي تحقيق التنمية المستدامة لمجتمعاتها وسبب فشلها واخفاقها في تحقيق ايةخطوة توحيدية اوتكاملية جدية يين اقطار الأمة منذ ان انهارت الوحدة بين سورية ومصر منذ اكثر من نصف قرن مضى . واذا كان مستوى الوعي حصيلة لمستوى تطور البنية المجتمعية في كافة المجالات فنحن وخاصة في البلدان المتخلفة والسائرة في طريق النمو نعتقد ان للوعي المجتمعي وللثقافة بصورة عامة الدور المركزي والموجه في عملية التحول والتطور الاجتماعي. وبصدد ما نشهده اليوم في الواقع العربي الراهن فاننا نجد مع الأسف القلة من المؤسسات التربوية والتعليمية والثقافية والاعلامية التي تعمل على نشر الوعي العلمي الموضوعي الصحيح بينما الأغلبية الساحقة وخاصة من المؤسسات الاعلامية والفضائيات العربية التي يسيرها البترودولار تعمل على تغييب الوعي السليم وتدميره كما ان تلك الفضائيات في معظمها تواصل دورها الخطير في نشر الوعي الغيبي الطائفي والمذهبي وتأجيج الصراعات والحروب الاهلية الدائرة في اكثر من بلد عربي , وبعث وتسعير كل الروابط والعصبيات ماقبل الوطنية . ولعل الأدهى والأمر في هذا الواقع المهزوم هو ما نشهده من تخلي المثقفين العرب عن رسالتهم ودورهم المطلوب في هذه الظروف المصيرية التي تمر فيها بلدانهم فالبعض منهم قد ارتضى لنفسه ان يكون صوت الأنظمة الغاشمة المستبدة ,وبعضهم تطوع متحمسا ليكون صوت المنظمات التكفيرية الارهابية . أما المثقفون والمفكرون العقلانيون والعضويون الذين اخلصوا لرسالتهم واحترموا قناعاتهم ,فهم اليوم مغيبون محاربون وفي عزلتهم يعانون ويتألمون. . . اليس من عجائب هذا الزمان ومن اشد مكائد ومكرالتاريخ التي تحدث عنها هيغل ان الذين حاربوا وتآمروا على المشروع التحرري النهضوي العربي وقواعده الأساسية في مصر وسورية والعراق والجزائر هم الذين يتنطعون ويدعون قيادة هذا المشروع اليوم ؟؟؟
والخلاصة ان دور المثقفين الوطنيين العرب اليوم ومهما كانت مواقعهم السياسية يظل اساسيا في مواجهة العدو الرئيسي لشعوبنا عبر عملية تنوير شاملة وثورة ثقافية تتناول كل جونب ثقافتنا وتراثنا وفي القلب منها الاصلاح الديني والتربوي وفي صيرورة هذه الثورة اذا مادشناها اليوم قبل الغد يمكن لشعوبنا ان تقهر عدوها الأول فتتجاوز حالة التخلف ويمكن حقا ان نأمل بانتقال مجتمعاتنا الى مصاف الامم المتقدمة والى حياة العصر .
Tags: محرر