Archived: مصعب الحمادي: خمسُ سنينَ عجاف من الثورة المسلحة

مصعب الحمادي : كلنا شركاء
أول خاطر يرد في أذهان الكثير من السوريين عندما يبدأ الحديث عن العمل المسلح في الثورة هو “المناطق المحررة” تلك العبارة الرومانسية الرائعة التي جعلتنا نشتمّ عبق الحرية في مناطق شاسعة من البلاد حتى قبل سقوط النظام. وعندما كان قسم كبير من السوريين ما يزالون يقبعون تحت نير القمع والاستبداد بدأ أنصار الثوار والجيش الحر يعيشون الحرية التي طالبوا بها واقعاً في غضون أقل من سنة من انطلاق الحراك الشعبي المعارض، حتى وإن كانت تلك الحرية مغموسة بالدماء والقصف والبراميل المتفجرة. وهكذا أصدر النشطاء تحت حماية الجيش الحر الصحف الحرة لأول مرة في سورية منذ ستين سنة، وأقاموا المنتديات السياسية من دون أية رقابة، وحلّق الناس في سماء الكرامة بعيداً عن صنم الديكتاتور لأول مرة منذ قيام الحكم الطائفي لعائلة الأسد عام 1970.

غير أن التفكير بمراحل ومآلات العمل المسلح في الثورة السورية يثير في الرأس الصداع وفي القلب الألم، بقدر ما يحرك ما في كوامن النفس من ذكريات الحرية الجميلة التي أصبحت مطعونةً تنزف بعد خمس سنين من انطلاق الثورة.

لعلّ الولادة الحقيقية لفكرة العمل المسلح كانت إبان انشقاق ضباط شرفاء عن الجيش السوري رفضوا قتل أهليهم ثم فكروا – مع استفحال بطش النظام – بعمل شيءٍ لحماية السكان المنتفضين في وجه الديكتاتور. لكن تلك الولادة كانت عسيرة وشاقّة منذ البداية بسبب اختطاف أول ضابط منشق وهو المقدم البطل حسين هرموش من قبل النظام، ثمّ بروز الخلافات الصبيانية الغير مسؤولة بين أهم ضابطين انشقا بعد الهرموش وهما العقيد رياض الأسعد والعميد مصطفى الشيخ. ثم ظهرت الخلافات التي حرمت الضباط المنشقين الأوائل من فرصة تشكيل جسم عسكري راسخ البنيان يحظى باحترام المجموعة الدولية.  

استغل النظام السوري حالة الانشقاقات أحسن استغلال للتشجيع على عسكرة الحراك وسحب المحتجين إلى الميدان الذي يفلح فيه أكثر من سواه، ووصل الدهاء بالنظام إلى أن يرسل عملاء مباشرين له إلى صفوف الثوار تظاهروا بالانشقاق بينما استمروا بالعمل لصالح النظام في الخفاء، فعملوا من خلال وجودهم في صفوف الجيش الحر على زرع الفوضى والخراب وتدمير الثورة من الداخل. في الحقيقة ليست هناك ممسكات واضحة على أحد الآن، لكن الأيام كفيلة بكشف الكثير من المفاجئات. والحقيقة المرة والخطيرة والمؤلمة التي بتنا نواجهها رويداً رويداً بحيث لم يعد هناك بد من الاعتراف بها اليوم أن غالبية الضباط المنشقين الذين هربوا منذ انشقاقهم خارج البلاد ولم يلعبوا دوراً مؤثراً في الساحة – كما كان مفترضاً بهم –  ليسوا منشقين أصلاً إيماناً منهم بالثورة، بل فارّين من الضغوطات والابتزازات التي مارسها النظام عليهم مع انطلاق الثورة كي يتركوا مواقعهم ويهربوا. فقد اتبع النظام مثلاً سياسية “التوقيف الاحترازي” للضباط السنة، مع تلفيق تهم كاذبة لهم بالتواصل مع المسلحين فيما يبدو أنه كان جهداً مدروساً من طرف النظام لتخفيف نسبة الضباط السنة في الجيش النظامي تمهيداً لاستقدام الميليشيات الشيعية الأجنبية التي ما كان لها أن تعمل بكفاءة وأريحية مع قوات النظام بوجود تلك النسبة المرتفعة من الضباط السنة، الذين مهما بلغ بهم الولاء للنظام، إلا أنهم كان من المستبعد جداً أن يقبلوا العمل مع عصابات طائفية بغيضة أتت لقتل شعبهم من أجل دم الحسين ومقام السيدة زينب!

أما الدعم الدولي فهو قصة طويلة من خيبات الأمل والإحباطات. فالأصدقاء الأتراك على ما قدموه للسوريين من دعمٍ غير محدود يشكرون كلّ الشكر عليه أخطأوا خطأً شديداً عندما وضعوا بيضهم جلّه في سلة جماعة الإخوان. كما إن الدعم التركي الصادق للثورة السورية جافى في كثيرٍ من الأحيان قوى سورية علمانية أصيلة مثلت بصدق هوية ومطالب الشعب السوري، فتركها الإخوة الأتراك تقع في فخ البحث عن داعمين دوليين استغلوا انصراف الدعم التركي عن هؤلاء، ليخلقوا أجسام ومظلات عسكرية باتت تعمل ضد مصالح تركيا نفسها، رغم أنها ولدت “على عين” الأتراك وبالقرب من حدودهم الجنوبية، كما حصل مثلاً مع البعض من بقايا المقاتلين الشجعان في “جبهة ثوار سوريا” الذين انضموا لما سُمي “قوات سورية الديمقراطية” و”جيش الثوار” وصاروا جنوداً مجندة في خدمة أجندات معادية للشعب السوري وللشعب التركي سواءً بسواء.

والأصدقاء الأمريكان الذين أبدوا حماساً منقطع النظير للجيش السوري الحر، وصورا مقاتليه في إعلامهم على أنهم Freedom Fighters  ارتكبوا بقصدٍ أو من دون قصد أخطاءً كانت بمثابة الكوارث الحقيقية التي منعت الجيش الحر من النمو وأبقته على الدوام عند حدٍ معين من القوة والظهور بحيث أنه لم يتطور أبعد مما كان عليه أواخر عام 2012، بل وعانى من الاضمحلال تقريباً آخر سنتين، وصار استمراره قصة صراعٍ من أجل البقاء على قيد الحياة. فالأمريكان لم يعترفوا بالهيئة العليا للأركان، ولا بوزارة الدفاع بالحكومة المؤقتة، وفضلوا على الدوام التعامل مع القادة العسكريين على الأرض بشكلٍ مباشر، دون المرور بالهرمية القيادية التي نجح الضباط بخلقها في وقتٍ من الأوقات. كما أن السياسة الأمريكية في دعم الحراك السوري تميزت بالخفة وسرعة التقلب. فما إن يدعم الأمريكي جماعة ثورية مسلحة، وتبرز تلك الجماعة في الميدان والإعلام، حتى يأتي تنظيم القاعدة فيبتلعها في لحظة غدر، بينما الأمريكان يتفرجون دون أن يفعلوا شيئاً لمساعدة حلفائهم. والأنكى والأمر من ذلك أنهم كانوا يسارعون في كل مرة لدعم جماعة جديدة بنفس الأسلوب، ثم ليتكرر السيناريو عينه، لتلقى تلك الجماعة المصير ذاته فيما بدا أنه لعبةٌ متصلة من قطع الرؤوس، أو تبديل الطرابيش، حتى يبقى العمل المسلح في الثورة ضعيفاً مشتتاً بلا رأس، يعيش على أعطيات الداعمين، ويعجز عن الإمساك بزمام الثورة المراد لها – على ما يبدو – أن تبقى مجيّرةً لمصالح اللاعبين الدوليين لا لتطلعات الشعب السوري الباحث عن الحرية والكرامة. كما أن الأمريكان وقعوا في حب حزب عنصري فاشي هو حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ودعموا ما تسمى “قوات حماية الشعب” في عملياتها العسكرية شمال وشمال شرق سورية، ووصل بهم الأمر أن وظفوا الطيران الأمريكي لتقديم غطاء جوي لعمليات التطهير العرقي التي قامت بها تلك القوات ضد السكان العرب والتركمان في منطقة تل أبيض شمال الرقة. وقد كتبت الصحافة الأمريكية نفسها عن هذا الموضوع والذي قد يجلب أفراداً في إدارة الرئيس أوباما للمثول أمام المحاكم الأمريكية في المستقبل.

و اليوم بعد خمس سنين يبدو العمل المسلح في حالةٍ من التخبط يُرثى لها. فالعدد الأكبر من المقاتلين والمنشقين الذين مثلوا صيحة الثورة الأولى إما قتلوا، أو صاروا متفرجين عن بعد في دول اللجوء. ويصح وصف من يقاتل على الأرض الآن بأنهم “كلّ يغني على ليلاه”. فالفصائل الإسلامية مثلاً لا تستطيع أن تكذب وتقول أنها تقاتل لأجل سوريا. إذ أن لكل فصيلٍ منها مشروعه ودولته التي يسعى إلى تحقيقها على جماجم السوريين. وبكل أسف فإن قتل الثائر السوري العلماني بالنسبة لكثير من الإسلاميين ضرورة واجبة أكثر من قتل عنصر في النظام يقصف البيوت ويقتل السكان. أما بالنسبة لفصائل الجيش الحر الموجودة والتي تتلقى دعماً مباشراً من الحكومة الأمريكية فلا يمكن أن تعتبر بحال نسيج وطني صافي وحقيقي ما دام قادتها أدوات في أيدي الأمريكان، ويفتقد الكثير منهم لمؤهلات القيادة، بل ويتصدرون المشهد ارتكازاً على حقيقة أن الأمريكي وغيره من اللاعبين يفضلون التعامل مع قيادات مترهلة تابعة مصطنعة اصطناعاً، على أن يتعاملوا مع قادةٍ حقيقيين أصحاب قرار وطني حازم. وهكذا لا يمكن النظر من هذا الباب لقادة الجيش الحر اليوم إلا بصفتهم أمراء حرب وأجراء مؤقتين، حتى وإن كانت نواياهم غير ذلك. أما عناصرهم فهم بين الرغبة بالقتال للحصول على الرواتب التي تؤمن لقمة عيشهم، وبين اضطرابٍ وحيرةٍ كيف يوجهون فوهة البندقية. فهل يقتلون مجندي النظام الذين تلتقطهم المخابرات من شوارع دمشق وحلب لأداء الخدمة الإلزامية مكرهين؟ أم يقتلون المقاتلين الأجانب في مجموعات القاعدة التي تتربص بالثوار وتهدد مستقبل سورية والسوريين جميعاً، المؤيدين منهم والمعارضين؟  





Tags: محرر