Archived: وفيق عرنوس: سورية العروبة

وفيق عرنوس: كلنا شركاء

كانت سورية الكبرى مهد العروبة قبل دخول الإسلام وبعده ولا زالت في مقام المحامي الجريء للدفاع عن العروبة وكل شؤونها وقد وصفها العرب بقلب العروبة النابض.

لقد استقبلت سورية الثورة العربية الكبرى وشكلت الحاضنة الدافئة لكل برامج هذه الثورة في مطلع القرن التاسع عشر وساهمت بالرجال والعتاد وشكلت غرفة عمليات للثورة العربية وأعلنت دمشق عاصمةً لهذه الثورة رغم تكالب الاستعمار الأنكلوسكسوني آنذاك الذي نجح في تفكيك سورية الكبرى إلى عدة دول بموجب اتفاق سايكس بيكو الذي انتزع لبنان والأردن وفلسطين من جسم سورية ومع هذا فقد بقيت سورية الجديدة القلب النابض لكل هذه الدول بل وللعروبة بمجملها فتشكلت الأحزاب في سورية ورسمت حكومات  تسعى باتجاه العمل القومي وتشكلت الأحزاب القومية والاشتراكية باسم العروبة على أعتاب نهاية الحرب العالمية الثانية وتمكنت هذه الأحزاب أن تشق طريقها الجماهيري بتسارع واضح رغم محاربة الاستعمار لها ومحاولة شق الصف بخلق أحزاب دينية إسلامية كي تعيق المد الجماهيري لهذه الأحزاب التي بمضمونها العلمي تعتبر الإسلام والعروبة صنوان لا يتفرقان وأن الإسلام هو تاريخ العروبة وحضارتها المدون، ومع هذا الفهم الشامل فقد نجحت القوى الاستعمارية بإعاقة المد العربي من خلال استغلال بعض الدول العربية النفطية التي نصبت نفسها في حينه محامي المصالح الغربية ضد المد القومي الاشتراكي الممثل بشخص الرئيس عبد الناصر آنذاك ودولة مصر العربية إضافةً إلى المد الجماهيري العفوي المتعاطف مع الأحزاب القومية ودولة مصر.

لقد أضافت الانتصارات لمصر العربية عام ١٩٥٦ ضد الثالوث الأكبر إسرائيل وفرنسا وانكلترا زخماً كبيراً للعروبة وأنصارها وأيقظت هذه الانتصارات وعي الأمة لتعيد النظر في تاريخها المسلوب وارتفعت وتيرة المد الجماهيري العفوي في المشرق العربي ومغربه مدعوماً بآلة إعلامية مقبولة لحد ما تقودها دولة مصر ضمن منهجية ( العروبة في مواجهة الاستعمار).

لم تدم هذه المنهجية طويلاً حيث تكالبت كل القوى الاستعمارية متفقة مع الدول العربية وبكل أسف لأنها وجدت في هذا المسار تهديداً لوجودها ووقعت في فخ مكائر الدول الغربية التي رصدت كل الإمكانيات لإفشال هذا النهج والقضاء على دولة عبد الناصر مستفيدةً من دور إيران الشاه الذي كان يمثل دور الشرطي للمصالح الغربية دون أن يأخذ أي اعتبار للمصالح العربية حيث احتل و وضع يده على بعض الجزر في الخليج العربي وأكد على تسميته بالخليج الفارسي، ومنذ ذاك التاريخ وإيران تسعى للانتقام من العروبة وأهلها لأسباب تاريخية لسنا بصدد ذكرها الآن. كما أن طموحات إيران التوسعية باتجاه الجزيرة العربية والوصول إلى البحر الأبيض المتوسط ازدادت أهميةً بعد ثورة الخميني عام ١٩٧٩.

إن هذا الطموح أصبح مؤكداً بعد تصريحات بعض السياسيين الإيرانيين بوضع اليد أو احتلال خمس عواصم عربية أصبح أكبر دليل على الطموحات التوسعية التي تشكل الخطورة الكبرى في دمشق عاصمة العروبة وقلبها النابض ، وقد استذكرت في هذا المقال قول الرئيس بشار الأسد في لقائي معه برفقة مجموعة  المبادرة الوطنية بتاريخ ٢٣/٨/٢٠١٢ عندما وصف حجم المؤامرة وخطورة الموقف وقال: إن هدف المؤامرة القضاء على العرب والعروبة.

إنني أتساءل محتاراً لماذا إيران في دمشق وإلى أي مدى ستبقى وهل لنا بعد الخسائر الفادحة على المستوى البنيوي للإنسان في سوريا أن نتجرأ ونقول لهم اخرجوا من بلادنا وقد قدموا للنظام الخدمات الجلة والعديد من الجرحى والمصابين.

إنني أتمنى على النظام السوري أن يبقى محافظاً على عروبته مدافعاً عنها كما كان دائماً وأن تبقى دمشق بساحتيها الأمويين والعباسيين قلب العروبة النابض وأن يتفهم الإيرانيون بأن دورهم لا يتعدى رد الجميل للرئيس الراحل حافظ الأسد وأن المحافظة على سورية دولة موحدة بكل مكوناتها مسؤولية تاريخية دونها كل رجال ونساء سورية.

إنني أتمنى أن يعيد الإيرانيون النظر في مطامعهم الاستراتيجية ذات الأفق الضيق المقرون بالنفس الطائفي والتاريخ القديم كما هو الحال مع الأتراك، وأن يبتعدوا عن التدخل في شؤون الدول العربية والإيقاع بين المكونات الطائفية واستغلال الفرقة المذهبية للقتل والتدمير وتهجير الإنسان لتفريغ الوطن وخاصةً الكوادر العلمية المدركة خطورة هذا الصراع.

أن ما يجمع العرب والإيرانيين والأتراك أكبر وأعظم من الاصطفاف المذهبي الطائفي البغيض لأن إسلام الرسول محمد بن عبد الله لم يعرف الطائفية ولا الفرقة بل كان إسلاماً جامعاً لكل المكونات لأن الله عز وجل قال في كتابه العزيز : ( إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا وإن أكرمكم عند الله أتقاكم) والتقى يعني الصدق والأخلاق والمعاملة الحسنة، كما ذكر في كتابه ( الحمدلله رب العالمين ) ولم يقل رب العرب أو الفرس أو الترك، وأن الرسول الكريم أكد على وحدة الإسلام وقال ( يد الله مع الجماعة).

إن هذا الإسلام هو القاسم المشترك لشعوب المنطقة ويشكل خيمةً راسية الجذور في شرق وشمال إفريقية بل حيث وجد المسلمون وليس الإسلام المذهبي الذي يفرق ولا يجمع. إنني أحلم وأتمنى أن يعي العرب و  الإيرانيون والأتراك أهمية وحدة الكلمة والتفكير بإنشاء تحالف نابع من مصلحة هذه الشعوب ودورها الإنساني في تعميم رسالة الخير على أساس وحدة المصير والمصالح وليس على أساس الهيمنة الطائفية والمذهبية المبتدعة لأن في ذلك التحالف إن تحقق، يكون مفعوله وآثاره أهم من تصنيع القنبلة النووية التي تتسابق على صنعها الدول لتدمير البشرية بل الكرة الأرضية بما لها وعليها.

إن التفكير الجدي بإنشاء مشروع تحالف مصالح هذه الشعوب القائم على قواعد العرب – إيران – تركيا في هذا العصر الذي تتسابق فيه شعوب الأرض لبناء تكتلات تحمي وجودها على غرار أوروبة حيث كان العداء بين فرنسا وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية أكبر بكثير من خلافاتنا. وقد استطاعت هذه الشعوب تغليب مصالحها على خلافاتها ونجحت في بناء الاتحاد الأوروبي القائم حتى تاريخه.

إن الاستفادة من تجارب الشعوب أمر ميسر وجيد إذا غلبنا مصالحنا على مشاعرنا وخلفياتنا التاريخية وخاصةً وأن رسالتنا الإسلامية الحقة تسمح لنا بذلك. 

لقد لعبت سورية في نهاية القرن الماضي دور الناصح والحياد في العلاقات الإيرانية ونأمل أن يسمو الشعب السوري في تفكيره وعلاقاته ليلعب دور إيجابي في بناء هكذا تحالف وتناسى آلاف الشهداء الذين سقطوا بسبب الوجود الإيراني لأن المستقبل محملاً بكل العواصف والهزات التي تقضي على العروبة فعلاً.

إنه يترتب علينا من أجل الحفاظ على الأمة التسامح والارتقاء إلى مستوى القادة وإلا فإننا ذاهبون إلى حرب ضروس  بدون نهاية لكل شعوب المنطقة. 

إن مصالحنا في المنطقة كشعوب أهم وأغلى من مصالح السياسيين وعلينا أن نرقى إلى هذا المستوى من المسؤولية الذي يجمع ولا يفرق. 

                         بوسطن وفيق عرنوس





Tags: محرر