Archived: مصعب الحمادي: النصف الفارغ من كأس الثورة السورية

مصعب الحمادي: كلنا شركاء

من أصل 24 مليون هم عدد سكان سورية يوجد الآن حوالي 6 ملايين لاجئ خارج البلاد وحوالي 6 ملايين آخرين لم يعودوا يعيشون في بيوتهم في الداخل, فهم بين نازحٍ في المخيمات أو مرتحلٍ للعيش مجبراً في مدينةٍ غير مدينته الأصلية. الحصيلة أن نصف سكان سورية الآن لا يعيشون في بيوتهم. قد يكون البعض من هؤلاء ما يزالون يحتفظون بمستوى معين من السعادة لكن أغلب الظن أن الغالبية الساحقة منهم غايةٌ في الحزن والألم والمرارة. فليس أصعب على المرء من أن يهجر مجبراً بيته الذي عاش فيه العمر كله.

الحرب غيرت وجه المجتمع السوري إلى الأبد. هناك حوالي 250 ألف شخص قتلوا في مناطق المعارضة وهناك مثل هذا الرقم تقريباً في مناطق النظام وهناك حوالي نصف مليون مصاب ومعاق. الحرب دمّرت أكثر من 50 بالمئة من البنية التحتية للبلاد وحرمت جيلاً كاملاً من مقاعد الدراسة وصفعت وجدان الإنسان السوري من خلال التدمير المتعمد للذاكرة المعنوية للوطن وقصف المواقع الأثرية ونهب كنوزها من قبل أطراف كثيرة.

النشطاء الذين أرادوها ثورة حرية وديمقراطية اختفوا عن المشهد تقريباً وصاروا غير مؤثرين. منهم من قتل ومنهم من هرب خارج البلاد ومنهم من بقي صامتاً معتكفاً في بيته في مناطق تحكمها معارضة ليس لها علاقة بالمعنى الأول للثورة التي نهض بها تلكم النشطاء. الجيش الحر الذي تألف من ضباط منشقين رفضوا قتل أهلهم وقرروا خوض حرب تحرير ضد النظام وجدوا أنفسهم لعبة في أيدي دول إقليمية وعالمية وصاروا مع الوقت القوة الأصغر بين مجموعةٍ من القوى المسلحة المعارضة للنظام يتبنى معظمها إيديولوجيات جهادية عالمية غير وطنية ولا ترتبط إلا بالحد الأدنى بأصل المشكلة في سورية.

البلد ككيان واحد باتت في مهبّ الريح وصارت التدخلات الدولية تنذر بتقسيم بلدنا الصغير إلى دولٍ عديدة. السوريون أنفسهم باتوا يتوجّسون من بعضهم البعض. وانتشر الحديث عن انقسامٍ واضح بين الأكثرية السنية من جهة وتحالف أقليات يضم العلويين والمسيحيين والدروز وبدرجةٍ أقل الإسماعيلين من جهةٍ ثانية.

يرغب الكثير من السوريين – حتى أولئك الذين وصلوا أرض الأحلام الأوربية – بالعودة إلى بيوتهم ولكن كل مواطن سوري تقريباً هو بحكم المطلوب لسلطةٍ واحدة على الأقل داخل بلده. هناك من هو مطلوب للنظام لتخلّفه عن أداء الخدمة الإلزامية, وهناك من هو مطلوب للجيش الحر لأنه مؤيد للنظام, وهناك من هو مطلوب للمجاهدين لأنه مؤيد للجيش الحر, وهناك من هو مطلوب للمافيات المحليّة لأنه صاحب مال.

هناك حلبيون اليوم يُقصفون في أحياء حلب لأنهم أكراد وهناك إدلبيون من إدلب الخضراء يضرب عليهم الحصار لأنهم شيعة وهناك شاميون في جبال القلمون يُطردون من مدنهم لأنهم سنّة. السوري السني من المستحيل أن يدخل قرية علوية والمسيحي لا يمكن أن يمر في قريةٍ سنية تحكمها المعارضة. الناس عادوا لهوياتهم ما قبل الوطنية والمجتمع صار قفراً من أهل الكفاءات والخبرات وأصحاب النظر. الكلمة اليوم للحاقد القاتل لا للمصلح الساعي بالخير بين الناس. آلت الأمور إلى غير أهلها و”صار الخصيّ إمام الآبقين بها.”

صارت سوريا أشلاء وطنٍ وفقد أهلها القدرة على محبة بعضهم البعض وهذا أخطر ما طرأ على السوريين في السنين الخمس الماضية فهو للطامع في خيرات البلاد نعم المطية كي يمضي في تقسيم سورية ونهبها ثم ليتركنا في غياهب الموت نقتل بعضنا البعض بلا شفقةٍ ولا رحمة.

يقول البلاذري في كتاب (فتوح البلدان) أن هرقل عندما غادر سورية إبان الفتح العربي في طريقه إلى القسطنطينية التفت وراءه في نظرة وداعٍ وقال: “عليك يا سورية السلام ونعم البلد هذا للعدوّ!”
كم أشعر أن هذه الكلمة تخرج من فم كل سوريٍ اليوم حتى لو لم يقلها بلسانه!





Tags: محرر