on
Archived: د. حبيب حداد: مصير سورية اليوم بين خيارين لا ثالث لهما
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
ان استقراء الأوضاع الحالية التي وصلت اليها بلادنا ,بل والمنطقة برمتها ,بعد ان اضحت الآن ساحة واحدة مترابطة بمشاكلها المعقدة وازماتها الوجودية ,انما يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما ,فاما انتصار ارادة الحرية والحياة واستعادة الأمن والاستقرارالسلام واما استمرار حالة الفوضى والحرب والدمار .نتحدث هنا بعد انقضاء يومين على اتفاقية وقف الأعمال القتالية فوق جميع الأرض السورية والتي يتطلع المواطن السوري اليها ,برغم كل ما يعترضها من خروقات وتهديدات ومحاولات الافشال ,بامل كبير في ان يتواصل تطبيقها من قبل كافة الأطراف المعنية وان تكون قاعدة الانطلاق نحو وقف نهائي وشامل لكل اشكال الصراع المسلح والحرب العبثية المدمرة التي بات استمرارها يشكل خطر انهاء وطننا دولة ومجتمعا وكيانا . واذا كانت هذه الخطوة تأتي تنفيذا لبنود توافقات المجموعة الدولية بشان سورية التي اوكلت الى روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الامريكية مهمة الاشراف على حسن تطبيقها وتحديد الاطراف التي لا تلتزم بذلك ,مع ضرورة مواصلة التصدي للمنظمات الارهابية مثل داعش وجبهة النصرة وبقية تفرعات منظمة القاعدة ,فان هذا ألأمر لايعفينا نحن السوريين من مهمة دعم هذه الخطوة بكل ما نستطيع فعله والحرص الجاد بكل ما أوتينا على ادامتها واستقرارها حتى تكون السبيل والمخرج الذي لا بد منه لطي أخر فصول هذه الحرب الاهلية الدموية العبثية التي دفعت اليها بلادنا منذ اكثر من اربع سنوات . ورب سائل يسأل عن الدور الذي يمكن ان يضطلع به الشعب السوري الذي ابعد عن قضيته خلال الاعوام الماضية وغيبت ارادته ,بعد ان تمت عسكرة واسلمة وتدويل ثورته ,تجاه نجاح واستقرارعملية وقف اطلاق النار وتجاه ان تكون المدخل الحقيقي لاستئناف عملية الانتقال السياسي والتحول الديمقراطي التي رسمت خريطة طريقها بنود وثيقة جنيف1 وقرارات مجلس الامن ذات الصلة وفي مقدمتها القراران 2254 و 2268 . وفي هذا المجال نرى من الأهمية بمكان ان نورد الملاحظات التالية :
أولا – ينبغي علينا ان نتعامل نحن السوريين مع هذه الخطوة ,التي تأخرت كثيرا , على انها تمثل الخطوة الأولى الجادة , وقاعدة الانطلاق التي كان لا بد من توفرها اولا, للسير على طريق الحل السياسي الوطني الذي كنا ومازلنا نرى فيه الحل الوحيد الذي ينقذ وطننا ويحقق تطلعات شعبنا ويضع النهاية الحتمية لنظام الاستبداد والفساد ولكل قوى التطرف والتكفير والارهاب . ان وقف اطلاق النار في مرحلته الاولية هذه انما يستجيب لارادة شعبنا في وقف عملية التدمير الذاتي . وفي الوقت الذي يظهر مدى تقيد النظام وحلفائه بشروطه واحكامه فانه من جهة اخرى يكشف طبيعة وهوية ومواقف منظمات الارهاب الأصولية على حقيقتها ويعزلها عن غيرها من المجموعات المسلحة المعتدلة . ان حملات التشكيك والتحذير التي تواجه اتفاقية وقف اطلاق النار لا تخدم من قريب اوبعيد المصلحة الوطنية لأنها تهدف للتغطية على الانتهاكات التي يمكن ان تتعرض لها هذه الاتفاقية ,كما انها ترمي لاعطاء المبررات للدول الاقليمية التي اعلنت عن عدم موافقتها عليها كي تواصل تصدير المزيد من الرجال والعتاد للمجموعات المرتبطة بها .ان الاستغراق في تقييم هذه الخطوة بان الرابح الأول فيها كان النظام او غيره من اطراف الصراع هو موقف قاصر ومغلوط في رأينا لانه يصورها على غير حقيقتها في انها نهاية المطاف في الجهود الدولية المبذولة ,ذلك ان المستفيد الوحيد من عملية وقف هذه الحرب المدمرة هو شعبنا اولا وآخرا كي يتمكن من وقف نزيفه المهلك واستعادة وتصليب وحدته الوطنية ومواصلة كفاحه في اطار المشروع الوطني الديمقراطي الجامع الذي تتاح له بوقف هذه الحرب فرصة ثمينة لن تتكرر في امد آخر منظور , ونعني بذلك تلك الفرصة السانحة التي جسدتها التوافقات الدولية وقرارات مجلس الامن بهذا الخصوص .
ثانيا – في خضم هذه الحرب المدمرة وفي اتون هذه المأساة المتفاقمة التي عاشها شعبنا منذ سنوات لا بد ان نسترجع اليوم وغداالدروس المفيدة ونتحسس الحصائل المرة التي كانت ثمرة هذه التجربة النوعية والمفصلية في حياة شعبنا .ولاشك ان اول هذه الدروس ان حركات الاصلاح والتحرر الاجتماعي في ظروف بلادنا ووفق منطق عصرنا ونحن في مطلع القرن الواحد والعشرين لا يمكن ان تحقق اهدافها المشروعة عن طريق انتهاج اسلوب الصراع المسلح والحرب الاهلية المشظية للنسيج الاجتماعي والممزقة للوحدة الوطنية . لقد كان وما يزال المنتظر من الثورة السورية التي قدم شعبنا في سبيل انتصارها اغلى التضحيات ان تستمر في مسارها الصحيح وان لا تفقد بوصلتها الموجهة نحو غاياتها المنشودة في انهاء النظام القائم وبناء سورية الديمقراطية الموحدة لكل ابنائها دون اي تمييز . لكن ما ذا يمكن ان نتصور من مستقبل لبلادنا فيما لو استمر النهج الذي سارت فيه معظم المعارضات السورية حتى الان في سعيها الدؤوب لمواصلة تأجيج حمى الصراع المسلح والتسابق علىالاستقواء والانخراط بأجندات الاطراف والمحاور الاقليمية والأجنبية .فاذا ما ادركنا جيدا ابعاد مشروع الحلف الاقليمي الذي ينخرط فيه نظام الاستبداد الحاكم واذا ما تصورنا مرامي الحلف المقابل الذي انخرطت فيه المجموعات المسلحة المتقاتلة فوق جسد المجتمع السوري , واذا ما ادركنا جيدا ان الحروب الاهلية المتفجرة والكامنة في منطقتنا العربية من بغداد الى دمشق الى بيروت الى صنعاء …. لن تقود اذا ما تواصلت, واذا لم تستعد شعوبها وعيها المطلوب وتتسلح برابطتها الوطنية وهويتها العروبية ,الا الى اغراق المنطقة كلها بفوضى الحروب الخلاقة التي دعت اليها كونداليسا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة . فهل يمكن ان نستغرب بعد هذا وفيما اذا وصلت اوضاع منطقتنا الى هذه الحال من التمزق والتجزئة والتفتيت ان يستدعي الامر من القوى الدولية العظمى الى اعادة رسم خريطة جديدة لحدود وكيانات المنطقة بما يعيدنا الى ضرورة التوصل الى عقد اتفاقية وستفاليا جديدة تكرس الكيانات المستحدثة و المصطنعة التي ستقوم على اسس طائفية اومذهبية او اثنية او جهوية او قبائلية ,هذا الوضع الذي لن يخدم في النهاية الا مصالح اسرائيل .
ثالثا – ان وقف هذه الحرب التي دمرت معظم المقومات الحياتية لمجتمعنا ,ومن ثم التوجه الوطني الجماعي لانجاز مهمات عملية الانتقال الديمقراطي انما يتيح لنا الظرف الملائم الذي يزيد فيه تمسكنا واصرارنا على مواصلة تحقيق المطالب المشروعة التي ثار شعبنا من اجلها وعدم التفريط بالتضحيات التي قدمها . كما انه يتيح لنا امكانية امتلاك النظرة العقلانية لوعي واستدراك سلبيات واخطاء المسيرة الماضية وفي المقدمة منها ماجره ذلك الخطا ب الرغبوي الشعبوي الانفعالي الذي تسلحت به معظم اطراف المعارضة الوطنية السورية , .ان وقف الحرب الاهلية السورية القائمة الآن انما يضعنا مباشرة في مواجهة المهمات الحقيقية التي يترتب على شعبنا انجازها في طريق استكمال تحرره وبناء نظامه الديمقراطي الذي يتطلع اليه .فليست عملية التغيير المنشودة هذه ,تقوم على استبدال سلطة بسلطة اخرى اوعلى قيام نظام ما مكان نظام قائم ,بل ان عملية التغيير هذه تتطلب بناء مجتمع جديد مكان مجتمع آخر .مجتمع جديد بنظامه السياسي والاقتصادي والعلمي والثقافي والإجتماعي وقيمه وتقاليده ,انها بلاشك عملية خلق مجتمع جديد تخلص بلادنا من تخلفها وفواتها التاريخي وتنقلها الى مستوى العصر .
Tags: محرر