on
Archived: مصعب الحمادي: عن أحرار الشام وقناة الجزيرة
مصعب الحمادي: كلنا شركاء
نحترم قناة الجزيرة القطرية ونقدّر الدعم الإعلامي الذي قدمته للثورة السورية على مدى السنين الخمس الماضية لكننا لن نسمح للإمكانيات الإنتاجية العالية لهذه القناة الإشكالية أن تجعلها تكتب لنا تاريخنا عوضاً عنّا.
لاشك أن الفيلم الوثائقي الذي بثته القناة عن حركة أحرار الشام الإسلامية هو جهد كبير يُشكر من شارك به رغم الهفوات الكبيرة التي وقع فيها والتي وصلت إلى حدّ التدليس والمواربة وطمس الحقائق.
لا بد أن أقول بدايةً وبشكلٍ واضح أني لا أكتب هنا لأهاجم حركة أحرار الشام الإسلامية فأنا أتفق مع قناة الجزيرة في أن مؤسسي الحركة هم ثلّة من الفدائيين الأبطال الذين أرادوا خدمة دينهم وبلدهم ولكنهم وقعوا في أخطاءٍ قاتلة وارتكبوا جريمة القتل غير العمد بحق الثورة وضيعوا سورية وضيعونا.
يصوّر الفيلم صعود أحرار الشام بأنه صعود الثورة وكأن تاريخ الثورة هو تاريخ حركة أحرار الشام بينما الحقيقة أن الخط البياني لصعود الثورة كان دوماً في حالةٍ متعاكسة مع الخط البياني لصعود الأحرار. فالثورة كانت ثورة حتى أتى الأحرار فجعلوها جهاداً وشتتوا شمل الثوار بين إسلاميين وعلمانيين فأشعلوا الساحة بالتناقضات التي خدمت النظام أيما خدمة. الأحرار أطاحوا بعلَم الثورة وأعلنوها مشروع أمة في إهانةٍ كبرى للوطن السوري وللسوررين فهم بذلك يتشابهون بالحماقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي تنكّر للوطن السوري وراح يسعى لتحقيق مشروع “الأمة الديمقراطية” محارباً كل سوري كردي لا يتفق مع منهجه.
الفيلم الذي أعدّته الجزيرة أغفل حقائق لا تخفى على أحد. فالأحرار لهم علاقة غامضة بتنظيم القاعدة لم تتضح حتى اليوم وأكبر دليل على ذلك مقتل أبي خالد السوري وهو من أهم قادة التنظيم في العالم بين صفوف الحركة. والفيلم لم يشر إلى دور الإخوان المسلمين في صعود نجم الحركة ودعمها سياسياً ودولياً مع أن الفيلم أشار لارتباط منبت القادة بأحداث حماه وبثّ اقتباساً لأبي طلحة رحمه الله يقول فيه أن عمه وخاله مجندان في التنظيم وأن أكثر ما أثّر في نموه العقائدي كتاب “معالم في الطريق” للمنظر الإخواني الأشهر سيد قطب.
كما أن الفيلم لم يتطرق للانقلاب الأشهر في تاريخ الحركة على الثورة عندما احتلت معبر باب الهوى ونهبت مخازن السلاح التابع للجيش الحر ثم أتبعت ذلك بتهديدٍ أطلقه القائد العسكري متوجهاً لعناصر الجيش الحر أنه يُمنع حمل السلاح في الشمال السوري إلا لمن كان مقاتلاً في حركة أحرار الشام الإسلامية. حصل ذلك أواخر عام 2013 ولولا أن جمال معروف القائد الثوري الذي يصفه أنصار الحركة بالفساد تدارك الموقف وسجن في نفس الليلة التي حصل فيها احتلال المعبر ونهب السلاح أكثر من 500 عنصر من الحركة وقطع عليهم الطرقات بالحواجز لكانت انتهت الثورة من يومها.
كما أن التقرير لم يتطرق لقضية المقاتلين الأجانب وفتح أبواب سورية للأبيض والأسود على يد الحركة تحديداً حتى لم يبق جهاز استخبارات في العالم إلا أرسل مندوبين له إلى الداخل السوري تحت اسم مجاهدين. إن الحركة هي أول من استقدم هؤلاء وسهّل دخولهم عبر مكاتبها في المعابر الحدودية. ودخول التكفيريين السنّة إلى صفوف الثوار أعطى النظام من بابٍ آخر الذريعة لاستقدام التكفيريين الشيعة حتى صارت سورية ميداناً لأقذر حرب داخلية في الإسلام عرفها التاريخ. كما أن اعتماد الحركة على الإيديولوجية الدينية جعلها رافداً مهماً من روافد تنظيمات جند الأقصى وجبهة النصرة وداعش لأن الحقد في حالة الحرب والاقتتال الديني يعتبر عامل بقاء يعزّز هيمنة الأكثر حقداً وتطرفاً وهي الحقيقة التي برزت ناصعة في صعود نجم تنظيم داعش الذي لا يختلف برأيي في قراءته للدين وشكل الدولة عن قراءة الأحرار أو أي تنظيم إسلامي آخر وما عِداء أحرار الشام وغيرها من الجماعات لتنظيم داعش إلا من باب الحسد لأن داعش تمكنت من تحقيق ما قصُرت تلك التنظيمات عن تحقيقه.
كما كذب الفيلم في حقيقة الحرب على داعش زاعماً أن الأحرار هم بدؤوها فيما الحقيقة هي أن فصائلأ من الجيش الحر وعلى رأسها جبهة ثوار سورية هي التي بدأت تلك الحرب ثم التحقت بها الحركة على استحياء وخصوصاً أنها هي التي صمتت عن كل جرائم داعش قبل ذلك خوفاً من انهيارها كون الكثير من سواد الحركة يؤيدون دولة داعش بقوة بل وما يزالون على هذا الحال حتى يومنا هذا.
وعندما تحدث الفيلم عن أخطاء الحركة حصرها بالمشاكل التي برزت في المحاكم الشرعية التي أسستها الحركة ورفض الناس لها مع أن الحركة ارتكبت موبقات قبيحة منها جلد الناس في الشوارع كالبهائم لتخلّفهم عن صلاة الجمعة. بل إن بعض المجموعات التابعة لها قطعت الرؤوس ونكّلت بالمخالفين تماماً كما فعلت داعش. والحركة إلى ذلك شاركت جبهة النصرة في الهجوم على حركة حزم في الفوج 46 في منطقة الأتارب ذلك الهجوم الذي سالت فيه دماء بريئة دون أن يجد دجالو التشريع في الحركة في ذلك ضيراً. كما شاركت الحركة جبهة النصرة في القضاء على جبهة ثوار سورية التي كانت أقوى فصيل تابع للجيش الحر في شمال سورية حيث قتل في تلك الوقعة أيضاً الكثير من الأبرياء.
وتبقى الجريمة الأكبر للحركة هي السطو على الثورة التي هدفت إلى القضاء على الظلم وبناء دولة العدل والمواطنة وجعلها قضية نضال ديني ومظلومية سنية مع أن المظاهرات شارك فيها في البداية أفراد من كل الملل السورية وأن القضية الدينية لم تكن يوماً مطروحة فسورية – رغم طائفية نظامها وإجرامه – كانت على الدوام تنعم بحرية دينية حيث لا تتدخل الدولة بعقيدة الفرد وممارساته الدينية ما لم يقترب هو من كرسي الحاكم والشأن العام السياسي من بوابة الدين أو بسيوفه التكفيرية.
مرةً أخرى أقول ليس قصدي هنا مهاجمة الحركة أو النيل من القادة الشهداء رحمهم الله. فالوضع في سورية صار معقداً جداً مع طول أمد الثورة وكثرة التدخلات الخارجية لم تترك شيئاً إلا أفسدته. ومن خلال معرفتي ببعض القادة الذين أسسوا أحرار الشام أزعم أنهم كانوا بصدد اتخاذ قرارات جذرية قبل اغتيالهم لأنهم بكل بساطة لم يقصدوا أن يجعلوا سورية “عصفورية جهادية” عندما انضموا للثورة في بدايتها. وأتذكر شخصياً حديثاً دار بيني وبين الشيخ أبي عبدالله الحموي رحمه الله في بداية الثورة قال لي فيه أن حلمه بعد سقوط النظام أن تقوم دولة يشيع فيها مناخ الحرية حتى يتمكن من أن يصبح داعيةً إلى الله من دون أن تعترضه أجهزة الدولة. وأنا أؤمن الآن أن حسان عبود كان صادقاً وجاداً يوم قال ذلك لأن حديثه العجيب قبل أن يستشهد عن “الصائل الملتحي” الذي يحارب السوريين باسم الدين يتوافق مع ذلك تماماً ولأن الاعتذارات الصريحة والضمنية التي قدمها هو ورفاقه للشعب السوري قبل اغتيالهم تكشف أنهم هم أيضاً كانوا ضحية اللعبة القذرة التي استهدفتنا واستهدفت الثورة. تلك اللعبة التي أطاحت بالقادة المؤسسين كللهم في ضربةٍ واحدة لتترك الحركة في حالةٍ من العماء حيث بقيت منذ ذلك اليوم بلا رأس ولا هوية ولا نظام ولا رؤية.
Tags: محرر