Archived: د. أسعد الصالح: الشيخ والفراري الفقهية

د. أسعد الصالح: كلنا شركاء

شيخ سعودي معه دكتوراة اسمه ذياب بن سعد الغامدي. له كتاب يحرم فيه كرة القدم وله كتاب يحرم فيه قيادة المرأة للسيارة. في الكتابين مغالطات عجيبة ولكن مثل هذه الكتب مسؤولة بطريقة مباشرة عن ظاهرة السرعة الزائدة في إصدار الأحكام الشرعية. عندما نلوم داعش وعناصرها على التكفير والحكم بالقتل وتنفيذ ذلك بسرعة كبيرة علينا أن نعرف أنهم نتاج عقلية فقهية مثل هذه التي بين أيدينا الآن. لن أرد عليه بكتاب اسمه “رفع الحجاب عن عقل ذياب” ولا أتوقع أصلاً أن هناك من يهتم بكتب هذه الشيخ كثيراً. لكن فقرة واحدة تبين لنا كيف يتم صناعة الفتاوي اليوم وكيف ان الإسلام لا علاقة له بسطحية التفكير التي أبتلي بها بعض المنتسبين إلى ظاهرة المشرعين الجدد والمتفيقهين بلا فهم. 


لأن اللغة هي ما اهتم به كثيراً وطريقة تفكير الإنسان: أريد أن ننظر إلى طريقة تفكيره في هذه الفقرة القصيرة التي توضح طريقة عجيبة في استخدام اللغة الفقهية بدون منطق ولا برهان. يقول حرفياً:
“فَإذَا سَلَّمْنا (جَدَلًا) أنَّ «قِيَادَةَ المَرْأةِ للسَّيَّارَةِ»؛ مِنَ الأُمُوْرِ الَّتِي تَنَازَعَ النَّاسُ في كَوْنِها مِنَ الحَرَامِ البَيِّنِ أو الحَلالِ البَيِّنِ؛ فَلا نَشُكُّ جَمِيْعًا أنَّها إذَنْ (في أقَلِّ أحْوَالِها) مِنَ الأُمُوْرِ المُشْتَبِهَةِ؛ والحَالَةُ هَذِه فَهِي حِيْنَئِذٍ حَرَامٌ، لاسِيَّمَا أنَّ القَائِلِيْنَ بإباحَتِها بإطْلاقٍ هُمْ مِنْ أجْهَلِ النَّاسِ في حُكْمِها والنَّظَرِ في دَلِيْلِها، هَذَا مَعَ جَهْلِهِم (تَجَاهُلُهُم) بِحَالِ الوَاقِعِ المَرِيْرِ؛ وإلَّا عِنْدَ العَدْلِ والإنْصَافِ فالمَسْألَةُ بَيِّنَةٌ أنَّها حَرَامٌ لا شُبْهَةَ فِيْها، كَما هُوَ مَعْلُوْمٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّيْنَ.” ص 63 و64 من كتاب “قيادة المرأة للسيارة.”

هذا الرجل يضعنا كلنا في رأسه هو عندما يقول: “فَلا نَشُكُّ جَمِيْعًا”. من هم “جميعاً” هنا؟ هل هو كل الناس أم السعودية فقط؟ حتى السعودية ليس كلها مع هكذا تفكير فلماذا يحشر غيره معه؟  


لكنه ينطلق (معنا) بسرعة جنونية ليصل إلى “الأُمُوْرِ المُشْتَبِهَةِ.” دون أن يتوقف عند الامور المشتبهة وانها لا يمكن ان تكون حراماً دون دليل صحيح وصريح،  الشيخ ذياب ينتقل بسرعة أسرع من الفيراري إلى “فَهِي حِيْنَئِذٍ حَرَامٌ”!!! كيف صارت حراماً بهذه السرعة؟ لا أحد يعرف إلا هذا الشيخ الذي قال عن الألعاب الرياضية وخاصة كرة القدم أنها “إلْهَاءٌ لأبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ، وتَفْرِيغٌ لِطَاقَتِهم، وتَبْدِيْدٌ لأمْوَالِهم، وتَضْلِيْلٌ لِعُقُولِهم، وتَجْهِيلٌ لأمُوْرِ دِيْنِهم” ص 25 من كتابه عن كرة القدم. لماذا لا يعتبر هذا الشيخ أنه وبعض وليس كل علماء السعودية يكتبون في امور هي أيضاً: “إلْهَاءٌ لأبْنَاءِ المُسْلِمِيْنَ، وتَفْرِيغٌ لِطَاقَتِهم، وتَبْدِيْدٌ لأمْوَالِهم، وتَضْلِيْلٌ لِعُقُولِهم، وتَجْهِيلٌ لأمُوْرِ دِيْنِهم”؟ ماذا استفدنا من فتاوي التكفير النجدية مثلاً غير الخراب والتقتيل؟ أليس هذا الأسلوب “الفقهي” (وما هو من الإسلام بشيء) هو نفسه ما يستخدمه الزرقاوي وبن لادن والظواهري وداعش والجولاني في تسويغ موقفهم من كل قضية لا تعجبهم؟ الوصفة هي كالتالي: استشهد بآية أو حديث. استخدم لغة الفقهاء القديمة. قم بالربط بين عوجا وسلمى (كما يقولون في منطقة الفرات) وستصل إلى نص خطابي يوحي بأنه من الإسلام حتى ولو كفر هذه المجموعة أو تلك أو أجاز تفجيراً انتحارياً هنا او هناك.  

نرجع إلى سيارة الشيخ ذياب. ينتقل ذياب إلى حلبة أخرى من سباق السيارات ويمشي عكس السير ويتهم من يخالفونه أنهم “القَائِلِيْنَ بإباحَتِها بإطْلاقٍ هُمْ مِنْ أجْهَلِ النَّاسِ في حُكْمِها والنَّظَرِ في دَلِيْلِها”. أجهل الناس؟ يعني لو جاء شيخ الأزهر وخالفه فشيخ الأزهر أجهل من ذياب العبقري! هذا بالضبط ما يفعله الدواعش من حيث رفض علماء الأمة من غير الدواعش فقط. فقط علماؤهم ومشرعوهم هم أعلم الناس وأصدق الناس وأفضل الناس عقيدة. الباقي إلى السكراب–مكان التخلص من السيارات القديمة. 

ثم في نهاية المطاف يصل الشيخ ذياب إلى نتيجة خرافية: “فالمَسْألَةُ بَيِّنَةٌ أنَّها حَرَامٌ لا شُبْهَةَ فِيْها”!!! وبعدها يرفع درع البطولة المكتوب عليه أنه وأمثاله من “أهْلِ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّيْنَ”.


كيف انتقل من بداية الفقرة وتجاوز كل إشارات التعقل والوقوف إلى نهاية الفقرة واثبت العكس خلال فترة زمنية قصيرة؟ إنها الفيراري الفقهية والسرعة الجنونية. بل ربما هي عقلية التفطيح انتقلت إلى الفقه. الله أعلم.
هذا نقد للعقلية السائدة وليس للأشخاص ولا للدول. أنا أتمنى ان أجلس مع هذا الشيخ وأتناول معه كوباً من الماء وليس بيني وبينه شيء. لكن هذه العقلية هي من أسباب تخلفنا والتخلف يجب أن يكون بيننا وبينه حرب فكرية (وليست شخصية) لا هوادة فيها. التخلف سبب ضياع دول إسلامية كثيرة والحل القضاء على مصادره وخاصة تلك التي تأخذ غطاء الدين والعلم الشرعي بحيث يظن الناس انها مصدر ثقة على الإطلاق ودائماً. داعش تستخدم نفس اللغة الفقهية التي يستخدمها الشيخ ذياب في كل المسائل الشاذة التي بنوا عليها سلوكهم وفهمهم للإسلام. 





Tags: محرر