on
Archived: محمد نفيسة:أمريكا والدور الوظيفي لروسيا بوتين في سوريا
محمد نفيسة: كلنا شركاء
تعمد الحكومات الغربية الديمقراطية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تنفيذ سياساتها غير المقوننة داخلياً عبر أدوات تنفيذية خارجية، وتقوم أجهزة الاستخبارات بلعب دور حاسم في إدارة وتوجيه عمليات التنفيذ، بشكل مباشر أحياناً، وبشكل غير مباشر غالباً، فتقوم بغض النظر عن طموحات بعض الأنظمة الشمولية، وترسل لها رسائل طمأنة، غير رسمية، وتوحي أو تعبر لها عن رضاها وقبولها بهذا السلوك أو ذاك، وقبولها بدور أوسع لهذه الأنظمة..
وبغية تمرير هذه الأدوار أمام الرأي العام تتظاهر بالعجز والحيرة وفقدان الهدف، فيما يصل أحيانا إلى الظهور بمظهر الغبي الذي لا يملك الأدلة والبراهين اللازمة، أو بمظهر الضعيف الذي تعييه الحيلة ولا يملك القرار أو الوسيلة للتنفيذ..
وفي سبيل إتاحة الوقت الكافي للتنفيذ، تقوم بتشكيل اللجان وعقد المباحثات والدعوة إلى إجراء تحقيقات، والعودة إلى مجلس الأمن أو الحلفاء أو الخصوم، وتضرب المواعيد، وتميع القضايا عبر سيل من التصريحات الباهتة والمتناقضة، بينما ترسل للطرف الوظيفي رسائل الرضى والقبول.. ثم ينقلب الموقف كلياً حين ينتهي الدور وتنفذ المهمة..
وتعد المشكلة اللبنانية من النماذج على هذا السلوك الأمريكي، فالولايات المتحدة استعاضت عن الدور المباشر في إدارة وتوجيه الملف اللبناني، بدور وظيفي مارسه نظام حافظ الأسد، الذي كان يعد من الخصوم التقليديين للسياسة الأمريكية..
وبينما كانت تمارس بعض الأدوار العسكرية المباشرة تحت غطاء قوة السلام الدولية متعددة الجنسيات، فقد كان تفجير مبنى المارينز في بيروت علامة فارقة غيرت من هذا التوجه، ففي الثالث والعشرين من أكتوبر عام 1983 قام انتحاريان يقودان شاحنتين مفخختين بتفجير مبنى قوة السلام في بيروت والتي كان معظمها من جنود المارينز الأمريكيين، وقتل في هذه الحادثة 241 جنديا أمريكياً، و58 جندياً فرنسياً، ورغم تصريحات الرئيس ريغان ووزير دفاعه كاسبر واينبرغر والرئيس ميتران بأن هذه العملية لن تؤثر ولن تغير دورهم ووجودهم في لبنان، فما لبثوا في غضون أسابيع أن انسحبوا بشكل نهائي من لبنان.. مع استمرار دورهم وبشكل رئيسي عبر الدور الوظيفي لقوات الأسد، وعبر أدوار هامشية جزئية لبعض القوى الأخرى..
ومن المعلوم أن أمريكا أطلقت يد حافظ الأسد في لبنان لثلاثين سنة، بدءاً من عام 1976، نفذ خلالها أفظع المجازر، وارتكب كل أنواع الجرائم بحق كافة الطوائف اللبنانية والفصائل الفلسطينية. وإذا كان اللبنانيون قد واجهوا الأمريكيين بعمليات التفجير الانتحارية، وشنوا حرب عصابات طويلة ضد الوجود الإسرائيلي؛ فإنهم لم يجرؤوا على مقاومة جيش الأسد بمثل هذه الأساليب مطلقاً، وكان حافظ الأسد يبيد أي بلدة تخرج منها رصاصة واحدة ضد جنوده، ولقد قاتل المسلمين والمسيحيين والشيعة والدروز والفلسطينيين في حرب ترويض وإخضاع طويلة الأمد، خلف منها جيشاً جراراً من العملاء والاتباع واللصوص والمنافقين له، والذين تمتعوا في ظل حكمه ونفوذه بإقطاعيات فساد سياسي واقتصادي فصّلت على مقاس كل منهم، ولا تزال هذه الحثالة تحكم لبنان، وقد نالت هذه الزعامات بموجب اتفاق الطائف صكوك براءة من كل جرائمها، وحصلت على ضمانات البقاء في مناصبها، وحصة مجزية من السلطة حتى هذا التاريخ وعلى حساب المواطن والوطن..
وقد قضى حافظ الأسد معظم وقته في الحكم في إدارة الوضع اللبناني وإخضاعه، وبالكاد كان يمر يوم لا يظهر فيه الرئيس وفي الخبر الأول لنشرات الأخبار الرسمية وهو يستقبل زعيم هذه المليشيا أو تلك، وقائد هذا الحزب أو ذاك، من زعماء الفصائل اللبنانية.. وقد كان هذا التمدد والتجبر والإجرام مما يحسب لهذا النظام في موازين البطولة والحنكة والدهاء.. ولم تكن ممارسات حافظ الأسد لتثير أي انتقاد أو استهجان من الشعب السوري، بل كانوا يرون فيها ما يعزز هيبة ومكانة ودور بلدهم في الإقليم، وكانوا يرون رئيسهم في قمة النجاح في السياسة الخارجية، رغم الأزمات الاقتصادية المتطاولة التي كانت تعصف بهم، ورغم آلاف الشباب الذين قضوا على مذبح طموحات زعيمهم، وفي خلواتهم الحوارية التي يتبادلون فيها سرد مشاكلهم مع النظام الحاكم كانوا يستثنون سياسته الخارجية من الانتقاد، وحين غزا صدام حسين الكويت ليضمها، وجر نفسه إلى حرب مع العالم، كانوا يقارنون سياسة صدام وتهوره بسياسة حافظ ودهائه..
كان السوريون في غفلة عن الرعاية الأمريكية الكاملة لدور الأسد في لبنان، ولم يكن في مقدورهم أن يتصوروا مقدار الوهم الذي يعيشونه، وهم يرون زعيمهم يسرح ويمرح ويمارس كل السلطات والارتكابات في لبنان، ويظهر بمظهر الآمر الناهي، ولا يدرون أنه إنما يمارس دوراً قذراً مرسوما له بدقة، وبإطار لا يتجاوزه، وأن أمريكا أطلقت يده لتنفيذ القذارات التي لا تستطيع تنفيذها بنفسها، لضرورة أن يكون سلوكها أمام شعبها ومؤسساتها قانونياً ومصدقاً بقانون من الهيئات التشريعية، ويخضعون للرقابة والمحاسبة..
وفي هذه الأيام، يظن كثيرون أن بوتين قد خط لنفسه سياسة لا تنسجم مع سياسة أمريكا، واتخذ قراره الخاص بغزو سوريا وضرب سكانها وتدمير عمرانها والقضاء على ثورتها، وأنه يسعى لتنصيب روسيا قطبا آخر في مواجهة القطب الأمريكي.. وهؤلاء مرة ثانية يقعون في الوهم، وتنطلي عليهم الخديعة..
إن دور روسيا بوتين اليوم في سوريا نسخة عن دور سوريا حافظ الأسد في لبنان، إنه ينفذ الدور القذر الذي لا تستطيع أمريكا تنفيذه بنفسها، ينفذه على نفقته، وعلى حساب وطنه ومواطنيه، ويكسب الوجه الأسود أمام العالم، بينما تبدو أمريكا بمظهر حمامة السلام، التي يتفطّر فؤادها على الضحايا، وتملأ الدنيا نواحاً على الأطفال والنساء والأشلاء..
إن ما ينفّذ في سوريا هو سياسة تهجير منظم مرسومة بدقة، ومدارة ببراعة، وأدواتها جميع المتقاتلين على الأرض السورية بدءاً بجيش الأسد، وانتهاءً بجيش بوتين، مروراً بكافة الفصائل المسلحة والمليشيات المستوردة، والدول الداعمة للنظام، ودول أصدقاء الشعب السوري.. وستنتهي هذه التراجيديا المسرحية بتسريح الممثلين الكومبارس، وبظهور الأبطال الحقيقين الذين ينتصرون في المشهد الأخير، والمأساة الكامنة في كل هذا أن معظم المنفّذين، إن لم يكن جميعهم، لا يدرون أنهم مجرد أدوات في هذه الملحمة..
سيطرد بوتين من سوريا، وسيغادرها مهرولاً في بضعة أيام، كما طرد الأسد من لبنان وخرج لا يلوي على شيء في أيام نحسات، وستجلب أمريكا الأسد من أذنيه، وستضعه في قفص العدالة الدولية وتحمله مسؤولية كافة الجرائم التي وقعت..
كل هذا سيحصل ولكن حين ينتهي تنفيذ المهمة ويفرغ البلد من أهله الذين توزعوا في كل جنبات الأرض، وحين يصبح كيان الدولة قطعا متعادية متباعدة، وأجزاء متناحرة، وحين يصير مستحيلاً أن يجمعها أي عقد لمئات السنوات..
هذا ما تم تنفيذه منذ وقت قصير في يوغسلافيا التي تحولت إلى سبعة كيانات متعادية، وقد رأى العالم كيف تم جلب زعيمها ميلوشوفيتش ليموت في زنزانة محكمة الجزاء الدولية في لاهاي.. وهذا ما حدث في العراق الذي صار خبراً، ومزقاً، وتقوم حكومته الفاسدة الآن ببناء جدار عازل حول عاصمته بحجة حمايها من الأشرار أو الإرهاب، وتستبطن حقيقة العزلة والخوف التي تعيشه النخبة المحظية الحاكمة في المنطقة الخضراء..
Tags: محرر