on
Archived: د. حبيب حداد: هل تكون الخطة البديلة اعلانا رسميا بنهاية وحدة الشعب السوري؟
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
في شهادة ادلى بها السيد كيري قبل ايام أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي ,قال فيها تعقيبا على امكانية نجاح اوفشل اتفاقية وقف اطلاق النار في الحرب السورية والتي من المفترض ان يجري سريانها بعد ساعات من الآن : ربما يفوت الوقت كي تبقى سورية موحدة اذا انتظرنا فترة أطول , وأضاف : ان لدى الادارة الأمريكية خطة بديلة وجاهزة في حال لم تنجح الجهود المبذولة لتأليف حكومة انتقالية في سورية ,وتابع وزير الخارجية الامريكية قائلا :ان هذه الخطة وهي الخطة ب سيكشف عنها خلال شهر أو شهرين ؟؟؟ .وكما هو منتظر فقد توالت التكهنات والتفسيرات حول مايقصده السيد كيري من وراء هذه الأقوال . وكان الأمرالملفت لجميع المراقبين ان هذه ربما تكون المرة الأولى التي يجري الحديث فيها عن احتمالات تقسيم سورية من قبل مسؤول رسمي امريكي وخاصة انه لم يمض وقت طويل على توافقات فيينا2 التي اكدت حرص ,المجموعة الدولية الداعمة ,على وحدة الدولة السورية والانتقال بها نحونظام ديمقراطي علماني .و نحن هنا نستذكر انه جرت العادة سابقا ,وبين الحين والآخر, ان يتم تداول هذا الموضوع الخطير بالنسبة لمصير شعبنا وغيره من شعوب الامة وخاصة في العراق ومصر وغيرهما من قبل اجهزة الاعلام ومراكز البحث ومسؤولين امريكيين سابقين ,فقد كان وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر قد دعا بشكل صريح في مقال نشره العام الماضي في صحيفة ( وول ستريت جورنال ) وتناولته وسائل الاعلام آنذاك بالحديث عما أسمته :خطة كيسنجر لتقسيم سورية ,كذلك فقد لاحظنا كيف تتابعت تصريحات المسؤولين الأمريكيين والاسرائيليين في السنوات الأخيرة بتوقع ,بل والدعوة ,الى تقسيم سورية الى دويلات وكيانات طائفية واثنية وجهوية متعادية ومتحاربة …..
كيف يمكن النظر الى ما ترمي اليه تصريحات كيري هذه ؟
لقد ذهب البعض الى ان هذه التصريحات ربما تحمل تغيرا واضحا في الموقف الأمريكي الذي كان يصر دوما ,كما أسلفنا, على بقاء سورية كدولة ديمقراطية علمانية موحدة . بينما رأى أخرون ان هذا الموقف المستجد ربما ينطوي على نوع من المناورة والتهديد ووسيلة ضغط على مختلف الأطراف السورية: وخاصة النظام السوري وتشكيلات المعارضات المعنية , لاتخاذ خطوات جادة لتسريع الحل السياسي وبدء المرحلة الانتقالية للتغيير والتحول نحو الحياة الديمقراطية .وهنا وتعليقا على اقوال كيري لا بد ان نذكر رد الفعل الذي واجه به لافروف وزير الخارجية الروسي هذه التصريحات بأنه ليس هناك خطة بديلة للهدنة التي توافقت عليها الدولتان ولن يكون في المستقبل….
والسؤال الذي يطرح نفسه علينا نحن السوريين في هذه المرحلة المصيرية التي يتعرض فيها وطننا لكل هذه الأخطار الوجودية :ترى هل تم تغييب الشعب السوري نهائيا بعد انقضاء هذه السنوات على انطلاقة انتفاضته التحررية الوطنية ؟ وهل اصبح الشعب االسوري بعد كل هذه التطورت كيانا فاقد الفعل والارادة وموضوع فعل لخطط واجندات ومصالح الآخرين ؟
لقد عبرت القوى الوطنية الحية في شعبنا طوال هذه السنوات ,سواء في الداخل ام في الخارج . وما تزال تؤكد في مواقفها ان قاعدة الانطلاق في انجاز الحل السياسي الوطني وانقاذ وطننا من المأساة الي يعيشها وتحقيق مطالب شعبنا في الحرية والكرامة والمساواة . لا بد ان تستند على ركيزتين اساسيتين :اولهما الوحدة الوطنية المنيعة والصلبة التي يتوجب علينا استعادتها وحمايتها بكل ما تتطلبه من تضحيات غالية وان نحرص على صفائها كحدقات العيون . وثانيهما ان نعمل نحن السوريين بكل مكوناتنا المجتمعية والقومية والثقافية في اطار مشروع وطني ديمقراطي موحد انطلاقا من قناعتنا الأكيدة ان هذا هوالسبيل الوحيد الذي يصون وحدة الدولة السورية في وجه كل المخططات والعاديات التي بدأت تهدد وجودنا الوطني وهوالسبيل الوحيد امامنا لبناء دولة المواطنة الحرة المتساوية التي تتطلب سلطة مركزية قادرة في مراحل اولية على لم شتات الوطن كي يمكنها بعد ذلك تأسيس نظام اللامركزية الادارية التي تتيح لكل مناطق البلاد ادارة شؤونها وممارسة حقوقها وواجباتها على افضل وجه ممكن . نعم الوحدة الوطنية الحقيقة والمشروع الوطني الديمقراطي الموحد هما الجناحان اللازمان اللذان لا بد ان تمتلكهما سورية – الوطن والدولة والمجتمع – في رحلة الألام والخلاص من وضعها المأساوي الراهن وكي تنجز بهما عملية التحول من واقع التخلف والاستبداد والارهاب والانتقال الى حياة العصر. لقد كان هذا هو راينا طوال السنوات الخمس الماضية والذي كنا نعنونه دائما بضرورة واهمية دور العامل الذاتي باعتباره العامل الحاسم والموجه بالنسبة للكفاح التحرري لشعبنا والتصدي لكل التحديات والمصاعب والعوائق المحتملة .واليوم وفي مواجهة الاستحقاقات المطروحة امامنا وفي مقدمتها وقف الأعمال العدائية التي يفترض ان تدخل حيز التنفيذ بعد ساعات معدودات وذلك كخطوة اولى في طريق التوصل الى وقف شامل لاطلاق النار ,والاستعداد لاستئناف مفاوضات جنيف3 وتوفير كل الظروف والشروط المطلوبة لانجاحها ولعل على اول المستلزمات الضرورية لبلوغ هذا الهدف وجود وفد مفاوض موحد الرؤية والمواقف والخطاب ومتسلح بالخبرة والوعي المطلوبين لخوض هذه المعركة الشرسة وهو الأمر الذي ما نزال في منأى عنه حتى الأن مع الأسف . لا بد لنا اذن نحن السوريين ان نحرص ونعض بالنواجذ على هدف الحفاظ على كيان دولتنا كي نكون بعد ذلك قادرين ومؤهلين على تاسيس النظام الذي نريد ,فوحدة الدولة تعني وجودها وحياتها ,والنظام السياسي بالنسبة للدولة يعني طريقة وصيغة تنظيم وادارة شؤونها . اذكر في هذا السياق ان المفكر العربي العلماني الكبير ساطع الحصري قد ايد بكل حماسة توحيد دويلات الجزيرة العربية الاربع في كيان واحد ,كما اتذكر في نفس السياق ولو من جانب آخر اننا كنا طيفا واسعا من السياسيين المشردين خارج عديد من البلدان العربية نقيم لبعض الوقت في بداية السبعينات في اليمن الديمقراطية حيث طرح وقتها مشروع اتحاد الامارات العربية ,فقد كان معظمنا تماشيا مع اعلام النظام الماركسي القائم انذاك وبدافع من وعينا اليساري الطفولي نرى في توحيد الامارات العربية مؤامرة خارجية لان ذلك الاتحاد كي يكون معبرا حقا عن ارادة شعب الامارات ينبغي ان تقوم به الطبقة العاملة هناك وينبغي ان يرتكز على تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة المطلقة من الأساس ؟؟؟
ان سورية اليوم هي احوج ماتكون وباسرع وقت الى وقف عملية التدمير الذاتي التي تعيشها وذلك بوضع حد لهذه المقتلة العبثية التي لم توفر ايا من مقومات الحياة الانسانية ولا ايا من القيم الحضارية التي تميز بها شعبنا طوال تاريخه القريب والبعيد. ان سورية اليوم احوج ماتكون كي تستعيد ذاتها الى استعادة وحدتها الوطنية المهشمة والمستهدفة . ان سورية اليوم احوج ماتكون الى توحيد جهودابنائها جميعا والى كفاحهم المشترك من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب في اطار المشروع الوطني الديمقراطي العلماني الواحد .تلك هي روح الوطنية السورية التي لا بد من بعثها من جديد ,وتلك هي غاية الثورة السورية التي دفع شعبنا من اجل انتصارها اغلى واجل التضحيات . فهل نصحو ونستعيد وعينا المطلوب قبل فوات الأوان ؟ وهل هناك بعد فسحة في خضم هذا الصراع الدامي والمدمركي نستوعب ثقل وقداسة الامانة التي اودعنا اياها الآباء و الأجداد , ونتحسس في الآن نفسه مسؤوليتنا تجاه اي وطن سنتركه لأحفادنا واجيالنا القادمة .
Tags: محرر