Archived: د.موسى الزعبي: كلمة حق وطنية الكورد ونازية البعث …

د.موسى الزعبي: كلنا شركاء

دون سابقة إنذار وفي نهايات عهد الجمهورية السورية الأولى التى ترأسها برجوازية حزب الشعب في 23 آب لعام 1962 صدر مرسوم الإحصاء رقم 93 أو ما بات يعرف لاحقا  بإحصاء الحسكة بحق المواطنين الكورد بحجة معرفة المتسللين والهاربين للأراضي السورية من الحدود التركية والعراقية وعدم  توفر سجلات وقيود مدنية لهم بأرشيف الدولة العثمانية ما قبل عام 1920 وأقلها بيانات حتى سنة  1945 م كحد أقصى  وكانت مدة الإحصاء فقط 24 ساعة مما يظهر أن الأمر مبيت ولغايات سياسية دفينة وكانت نتيجة الإحصاء أن أصبح حوالي 150 ألف مواطن سوري كوردي فجأة مكتومي القيد وأجانب ! وبالعودة لكراس رئيس الشعبة السياسية البعثي بالحسكة وتوصياته نجد حلا” لجزء من لغز الإحصاء فقد أورد بكراسه أن علماء الأجناس أنكروا وجود شعب اسمه كوردي وبالتالي الأكراد لا أصل لهم متفق عليه وهم ورم خبيث بالوطن يجب بتره لأنهم ألعوبة للرياح السياسية  ولا يوجد رابط قومي بينهم وإنما رابط ديني فقط  فهم أغلبهم مسلمين سنة وعليه يجب اعتبار الأكراد (حسب لفظته ) اسرائيل ثانية ويجب اجتثاثهم واعتبار الحسكة منطقة حدودية وخط الجبهة الثاني ولتحقيق ذلك يجب سحب الجنسية منهم وإغلاق مدارسهم وممارسة سياسة التجهيل ضدهم ومنعهم من الانتساب للمدارس أوالسلك التعليمي ومنعهم من التكلم بلغتهم الكوردية وتغيير اسماء محلاتهم التجارية وقراهم لأسماء عربية ومصادرة أراضيهم وعدم السماح لأحدهم باستملاك أراض جديدة وإحاطتهم بالمزارع العربية على شكل الكيبوتزات الصهيونية( كما ورد) التي تم إنشاؤها بفلسطين ومنعهم من العمل ودخول الجيش أو ممارسة العمل السياسي وإطلاق الاجهزة الأمنية ضدهم وبث النزعات بينهم وضربهم ببعضهم  وعمل دعاية ممنهجة بين العرب ضدهم أنهم اسرائيل الثانية وعملاء للإمبرالية العالمية وغيرها من اجراءات عنصرية وتعسفية ضد الكورد  دون أي مسوغات أو مبررات لذلك وسأكشف الأسباب الخفية لذلك بسياق المقال .

وبالعودة لنهاية  الدولة العثمانية وتقسيم المنطقة فإن الانكليز وعدوا حسب معاهدة سيفر بإقامة دولة كردية بكردستان ثم مالبثوا أن وجدوا مصالحهم مع أتاتورك أولى وأهم من الكورد فانقلبوا على عهودهم بمعاهدة لوزان فقامت احتجاجات خفيفة للكورد ولكن سرعان ما هدأت و كانت أخف شدة من احتجاجات العرب التي أصبحت ثورات قومية عربية حينها واستغل أتاتورك ذلك فقام بإبادة عشرات الآلاف من الكورد تمجيدا للقومية التركية .أما الكورد بسوريا والعراق خاصة اندمجوا اندماجا كاملا بالوطن الذي يؤويهم ولم يميزهم لا دين ولا عرق بل ساهموا بالثورات العربية الوطنية لجانب أبنائهم بالوطن وكانوا أحد الرافعات الأساسية لهذه الثورات وانخرطوا بالجيش السوري وكانوا يشكلون مناصب حساسة فيه وكانت نسبة التعليم والمثقفين والسياسيين مرتفعة عندهم  نسبة للعرب فقد تتالى على حكم سوريا ثلاث رؤساء من الكورد بعد الاستقلال أي أكثر من ثلث الرؤساء  .

فلقد توالى على حكم سوريا بمرحلة الجمهورية الأولى حزب الشعب والحزب الوطني وكانوا يشكلون الطبقة البرجوازية والإقطاعية بسوريا وكانوا يسيطرون على أكثر من ريع ثلثي الأراضي في حين كان الاقتصاد الزراعي يشكل ثلثي الدخل القومي بسوريا  بمعنى آخر كان الوطن مزرعة خاصة لهؤلاء ولكن انقلاب الرؤساء الكورد على هؤلاء وتحجيم زعماء تلك الأحزاب وفرض إصلاح زراعي عادل لإعادة الحقوق للفلاحين أثار حفيظة هؤلاء السياسيين البرجوازيين وذلك بنهاية الأربعينات وبدؤوا يثيرون النعرات القومية والعروبية ضد الكورد ويتهامسون كيف لرئيس كوردي أن يحكم سوريا؟! وبدأ التخطيط  للانتقام منهم وتلاقى ذلك مع رغبة البعثيين في التخلص منهم وخاصة بالسلك العسكري حيث كان لهم تحكم بمفاصل الجيش وكان أغلب الكورد المتنفذين ليس مؤدلجين مع أي تيار ويجمعهم وحدة الدين الإسلامي فقط وليس العرق – وهذا لايروق لحزب البعث العربي ويتعارض مع أدبياته – وكان نفسهم الوطني فوق أي نفس  حتى اتهموا من أبناء جلدتهم بعدم الانحياز لهم  وعندما تولى زعماء حزب الشعب رئاسة الجمهورية أصدروا مرسومهم العنصري إحصاء الحسكة للانتقام منهم بسبب الإضرار بمصالح هؤلاء البرجوازيين سابقا وإيقاف نهبهم لثروات الفقراء مستغلين بذلك تقاطع مصالحهم مع البعثيين  بالبرلمان بإزاحتهم من الجيش تمهيدا للانقلاب حيث لم يلبث البعثيين أن أقصوا الجميع بانقلابهم العسكري في 8 أذار لعام 1963 م بعد إبعاد الكورد عن الجيش  حيث كانوا أكبر عقبة أمامهم ثم تبعه تصفية الأكثرية ثم الأقليات الأخرى حتى الوصول لحكم الطائفة ثم العائلة حتى يومنا هذا حيث قامت ثورتنا بسبب ذلك الاستبداد بالحكم  . وتابع البعث دعايته الممنهجة ضد الكورد بجميع وسائل الإعلام والكتب المدرسية وكذلك متابعة إنشاء الحزام العربي وتسليح بعض المدسوسين بالعشائر العربية ضدهم واستخدام هؤلاء المدسوسين باسم العشائر  عند اللزوم كما حدث بمبارة القامشلي عام 2004 م حيث عمت حينها مظاهرة كوردية سلمية عموم البلاد للمطالبة بحقوقهم ولكن لم يقف أحد معهم من الشعب السوري وذلك نتيجة دعاية البعث وإرهاب النظام وقمعه 

ونحن اليوم نخوض مخاضا عسيرا لولادة  سوريا حرة عادلة بناء على المواطنة وليس العرق علينا بإعادة تصحيح الفكر وبنائه على أسس صحيحة خالية من الجهل والأمراض الاجتماعية والعقد النفسية والدينينة والعرقية التي ورثناها خلال نصف قرن من حكم االبعث وعلى الإخوة السوريين العرب إعادة إنصاف الإخوة السوريين الكورد ضد الداعاية البعثية النازية التي صقلت فكرهم وثقافتهم وأيضا يتوجب على أي مسؤول انشق عن النظام خلال الثورة تقديم اعتذار رسمي للكورد كونه كان جزء من النظام الطائفي القمعي بمحاربتهم وأيضا على الإخوة الكورد السوريين التمسك بماضيهم المجيد وتاريخهم المشرف القريب والبعيد وقراءته بشكل صحيح  فقد ساهموا بالحضارة الإنسانية عموما والإسلامية خاصة بمفكريهم وقادتهم ويكفيهم  فخرا صلاح الدين الأيوبي  وقد ساهموا بالاستقلال من الفرنسي ولم يميزوا يوما ما أنفسهم عن أبناء الوطن بعرقهم  بل كانوا يحاربون ويقاتلون  من يدعو لذلك من  زعمائهم ومشايخهم أوقادة أحزابهم ولا يختلف هؤلاء عن قادة التيارات والدكاكين الحزبية العربية والدينية الأخرى ورغم تلاعب إيران والسوفيات والأمريكان بالبعض لتمرير مصالحهم  لم يتوانوا  للتخلص منهم حالما يمرروا مخططاتهم  ولكن الشعب الكوردي بالعموم وخاصة المثقفين الكورد الوطنيين تبرؤوا من هؤلاء وكشفوا حقيقتهم وأنهم جزء لا يتجزأ من هذا الوطن العظيم .

إن البشر يولدون أحرارا متساوين بحقوقهم كما أكدت مواثيق حقوق الإنسان وأن  العربية ليس بأب لأحد ولافرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح وما يخدم الوطن والإنسانية ومتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

إن من حق أي مواطن ينتمي سياسيا وقانونيا للدولة  السورية ويعيش على أرضها لأكثر من خمسة سنوات أن يكتسب الجنسية السورية وهذا يفند دعاية البعث أنهم لا يملكون سجلات قبل عام 1920 م أي قبل 42 سنة لإصدار قانون الإحصاء إن حق الكورد تعلم لغتهم والتكلم بها إضافة للغة الرسمية للوطن وكذلك تسمية أبناءهم وأملاكهم وغيره بالكوردي أما اسلوب الحكم واسم الدولة فليس محل جدل مادام تحت سقف الوطن الواحد  فقد كان اسم سوريا الجمهورية السورية طيلة فترة الاستقلال وحتى  قبيل انقلاب البعث وليس تغيير اسم سوريا للجمهورية العربية السورية هو من اضطهد الكورد ولكن معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثالثة وتركهم بدون بطاقة أحوال مدنية أو جواز سفر واعتبارهم خطر على الوطن والتحذير منهم ليل نهار وإهانتهم  هو الذي شكل ردة فعل سلبية عندهم  ضد الوطن عموما حيث يؤكد علماء الاجتماع والنفس أن الظلم بحد ذاته  لا يحدث ثورات ولكن الإحساس بالظلم هو الذي يحدث ثورات وخاصة إذا كانت أقلية عرقية أودينية فإن الشعور بالظلم والاضطهاد يكون شعور مضاعف ومضخم  وعلى الإخوة الكورد التمييز بين النظام الذي اضطهد السوريين جميعا دون تمييز  وبين إخوانهم السوريين العرب ونحن اليوم كسوريين عشنا واقعهم الذي عاشوه أكثر من نصف قرن فلم نعد نحتمل ملابسنا ونحتاج الكثير لنعيد الثقة بين أبناء الوطن نتيجة الأمراض التي رسبها هذا النظام  ونحتويهم ونعطيهم حقوقهم كاملة ونجعلهم مواطنين بالتساوي وعندها  سيكونون سوريين وعرب أكثر من العرب وقد شاهدنا كيف وقفوا مع حزب العدالة والتنمية  في تركيا بالانتخابات الأخيرة لأنهم فقط عاملوهم كمواطنين بالتساوي عكس زعماء الأتراك القوميين السابقين وما نلاحظه من دعم النظام وأمريكا لبعض الجماعات المتمردة منهم فهو قيح البعث خلال نصف قرن وسيزول قريبا فهل فطن النظام وأمريكا وإيران وروسيا  لحقوقهم الآن فقط فلماذا تستروا على النظام وساندوه طيلة الماضي ضدهم !

سيكون الوطن بعد سقوط هذا النظام الطائفي حاضنة للجميع وفوق أي مسمى أو مصطلح ولا ننسى التذكير أن الثورة السورية أعادت منذ بدايتها حق الجنسية للإخوة الكورد التي منعها عنهم النظام طيلة أكثر من نصف قرن فلولا الثورة  لما تجرأ النظام على فعل ذلك

 وختاما تقع مسؤولية مضاعفة على مثقفي الكورد وقواعدهم بالوقوف ضد الجماعات المسلحة التي تقاتل باسمهم لغايات ودوافع خارجية وسحب البساط من تحت النظام وعملائه باستغلال هذه الورقة كما تقع مسؤولية على جميع السوريين عرب وكورد وغيرهم بتفويت أي فرصة على النظام  للاقتتال السوري السوري كي لا يبقى  من يتاجر باسم الوطن ووحدته .وربما عدم توفر سياسيين وطنيين بحجم هذه الثورة العظيمة وفوق مصالحهم الحزبية الضيقة لإعادة وتكوين الفكر والوعي السوري بشكله الصحيح هو سبب هذه الانتكاسات والمطبات التي نقع فيها بين الحين والآخر والتي ستضمحل وتزول مع زوال هذا النظام بإذن الله .





Tags: محرر