Archived: معقل زهور عدي: اتفاق الهدنة .. الدلالات السياسية

معقل زهور عدي:كلنا شركاء

لعل من المبكر  الحديث عن مستقبل ذلك الاتفاق , كما أني لست بصدد تقييم امكانات فشله أو نجاحه , ما سوف أكتفي به هوجانب من  دلالات عقد ذلك الاتفاق من الوجهة السياسية .

فروسيا والولايات المتحدة الأمريكية ولأول مرة منذ زمن طويل تنفردان بعقد اتفاقية ذات مضمون دولي يمس مباشرة دولة ثالثة دون أن يكون لتلك الدولة ذاتها مشاركة في ذلك الاتفاق .

هو شيء أشبه مايكون بسايكس بيكو جديد , يتم على خلفية مضمرة وغير معلنة تقول ان سورية دولة فاشلة , ولابد من نوع من نظام الوصاية الدولية عليها كيلا تسبب في الاستمرار في تصدير ( الارهاب ) للدول المتحضرة المستقرة فضلا عن تصدير اللاجئين وزعزعة استقرار المنطقة والعالم .

الحل السياسي هنا ليس استجابة للداخل السوري بقدر ما هو استجابة للخارج الدولي .ثمة من يحاول القول : كفاكم أيها السوريون  لقد أقلقتم راحة سكان الحي هاقد جاء البوليس .

وفي لحظة الحقيقة هذه لم يعد من حاجة للأقنعة واللغة الديبلوماسية , فلا حاجة لمؤتمر دولي , ولا لمشاركة الاتحاد الأوربي , ولا لتغطية مجلس الأمن الدولي كل ذلك أصبح غير ذي معنى , حين يكشف الكبار عن دورهم الحاسم .

اتفاق الهدنة الروسي الأمريكي فعل تعرية لللأمم المتحدة وتصغير لدورها لتغدو مجرد منتدى أممي لاستعراض البلاغات الخطابية لحفنة من المتحذلقين .

وهو صفعة للاتحاد الأوربي تعيده لدور الكومبارس في عالم لايحتاج لمزيد من ذلك الدور الممل الهزيل .

لقد أعادت روسيا نفسها بقوة وبالقوة لساحة الفعل السياسي الدولي واستعادت دورها كند وحيد للدور الأمريكي الذي هبط من حلمه في قرن أمريكي حادي وعشرين الى نظام عالمي ثنائي القطب كان قد اسدل الستار عليه منذ أن تفكك الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي في تسعينات القرن الماضي .

نظام عالمي ثنائي القطب …هل ذلك حقيقي ؟ أم أنه مجرد حلم ليلة صيف ؟

على الأرجح هو أكثر من حلم وأقل من حقيقة , فمانراه من صعود للنجم الروسي ليس مرده عملقة لروسيا بمقدار ماهو بسبب ضعف الغرب , فبعد انتصار استراتيجية الانكفاء في السياسة الأمريكية الخارجية اثر الانتكاسات في العراق وافغانستان , واثر الهزات الاقتصادية الكبرى التي تبعت تلك الانتكاسات أصبح واضحا نشوء مناطق تتسم بفراغ في القوة . ولم يفعل البركان السوري سوى أن كشف فراغ القوة هذا الذي سارعت ايران لمحاولة ملئه , وتبعتها تركيا بخطوات ظلت متعثرة على الدوام الى أن وجدت روسيا الفرصة لتكون أقوى من يملؤ ذلك الفراغ مزيحة القوى الاقليمية الأضعف بما لايقاس .

لكن ان كانت تلك هي المنصة التي صعدت منها روسيا لتستعيد مشهد النظام العالمي ثنائي القطب , فهل ثمة أمل لديها بالبقاء طويلا فوق المسرح , كي نصدق فعلا أن الزمن قد عاد للحقبة السوفييتية ؟

اشك في ذلك , فالتعب بدأ يلوح في وجه الدب الروسي , والمجد الذي منحته اياه الطائرات الروسية , والصواريخ البالستية يبدو وكأنه عملة قابلة أن تفقد رصيدها بأسرع مما يتصور كثيرون ممن لايستطيعون حساب الكلفة المادية والمعنوية الأخلاقية للقصف الروسي فضلا عن حدود جدواه على الأرض حين لايتوفر لديك في الميدان  سوى جنود منهكين يائسين وميليشيا أجنبية تقاتل بالمال وبأساطير لايقتنع بها أكثر الناس سذاجة وغباء .

هي فرصة ذهبية , ولحظة مقتنصة من قبل صياد , لكنه يقف محتارا أمام تحويل تلك الفرصة الى حقيقة راسخة ولو لفترة تاريخية تطول أو تقصر .

لن يطول الوقت حتى تبدأ الأطراف الاقليمية استعادة المبادرة , وحين ذاك سيتم تحجيم نظام ثنائية القطبية الوليد ليدخل العالم في نظام متعدد الأقطاب مرة ثانية .

في أغلب ظني أن اتفاق الهدنة الروسي الأمريكي المتعلق بسورية  بمقدار ما كان اعلانا لنهاية النظام العالمي وحيد القطبية الذي نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فقد كان في الوقت ذاته استعادة لدور روسي غائب وليس ولادة لنظام عالمي حقيقي ثنائي القطبية .

لكن دعونا من هذا وذاك , فهناك مغزى سياسي يفترض أن لايفوتنا في قرار الهدنة ألا وهو عجز أي من الطرفين الأمريكي أو الروسي عن تحقيق أهدافه في سورية بمفرده , فالشراكة هنا تعبير ليس عن مودة هابطة  من السماء ولكن عن كون المهمة أصعب من أن يضطلع بها كل من روسيا أو أمريكا منفردتين .

من وجهة نظر النظام السوري فالهدنة هي سم لابد من تجرعه , ومع كل يوم يمر عليها ستضيق أكثر فأكثر آماله ومحاولاته تدمير الهدنة والعودة نحو الحرب المجنونة .

ومن وجهة نظر الشعب السوري فالهدنة ستتيح له التقاط الأنفاس واعادة تنظيم قواه الديمقراطية , هذه القوى التي كانت دائما حاضرة لكنها محيدة بفعل الصراع المسلح .





Tags: محرر