on
Archived: معقل زهور عدي: الوطنية والمواطنة
معقل زهور عدي: كلنا شركاء
من حيث اللفظ تنتمي الوطنية والمواطنة لجذر واحد هو الوطن , لكن التحليل اللفظي مخادع الى أقصى حد, فالوطنية هي انتماء , بل احساس بالانتماء ليس لأرض كما قد يتبادر للذهن فالأرض بذاتها لاتصنع الانتماء , ولكن لجماعة مرتبطة بأرض . جماعة ثقافية لغوية دينية , هكذا حين تنهار العلاقة بين الفرد وبين الجماعة , تصبح الأرض مجرد مكان , بدون مضمون عاطفي أو ايديولوجي.
لكن الوطنية لاتلبث أن تستخدم , وحين تستخدم يتم النفخ في مضمونها , وتلوين ذلك المضمون حسب الطلب , فالوطنية فكرة محببة الاستخدام للسلطة , اذ طالما عشقت السلطة أن تتماهى بفكرة الوطن , فالسلطة تقول لشعبها أنها هي الوطن , ومحبتها هي الوطنية , ومعاداتها هي الخيانة للوطن .
والوطنية في الجيش هي الطاعة المطلقة العمياء , فالرئيس هو الوطن ومخالفته هي الخيانة , بغض النظر عما يأمر به , حتى لو أمر بما يتعارض مع مصلحة البلاد .
لكن من الظلم الكبير أن ننسى أن الوطنية أيضا شعور عميق بالانتماء يدفع المرء للتضحية بأغلى ما يملك , ولولا ذلك الشعور لم تبن الدول والأوطان .
لكن الوطنية تختزل وتشوه أيضا , فيتم استخدامها كوقود للنزعات العنصرية , والتعصب ضد الآخرين , بل قد تستخدم لشحن الشعوب بمشاعر التميز والهيمنة لشن الحروب .
والوطنية لاتنشأ فقط كبناء فوقي ينتجه المجتمع , ولكنها تنشأ أيضا من الأعلى , من السياسة , وبالأخص من الدولة .
قبل مئة عام تقريبا من الآن لم يكن هناك أي معنى لوطنية أردنية أو لبنانية أو عراقية أو سورية أو فلسطينية , ففي عام 1916 عشية ما سمي بالثورة العربية الكبرى حين كان لدينا الدولة العثمانية العلية كانت الرابطة التي تجمع كل شعوب الوطنيات السابقة هي الرابطة العثمانية وداخل تلك الرابطة كانت توجد روابط ثانوية لاتستطيع أن تصف ايا منها بالوطنية , وأشهر تلك الروابط كانت الرابطة القومية العربية التي جاءت حصريا من مصدرين : الأول هو تأثر النخب العربية التي ذهبت للغرب بالثقافة الغربية وما كانت تحمله من أفكار قومية , والثاني هو رد فعل للقومية التركية التي بدأت تحل مكان الفكرة العثمانية في عقل وممارسة الدولة العثمانية في آخر عهدها رغم ممانعة السلطان عبد الحميد التي لم تستطع الوقوف بوجه التيار .
ثم ماذا حصل ؟
الذي حصل أنه بعد تفكك الدولة العثمانية ورثت الدول الغربية الهيمنة على المنطقة العربية , فنشأت دول لم تكن حتى تخطر ببال , ومنذ العام 1921 حين أعلن الأردن رسميا دولة لأول مرة وحتى الآن تطورت ضمن تلك الدولة مشاعر وطنية لايمكن تجاهلها اليوم , هل يمكن لأحد القول ان الأردني لايميز نفسه كأردني اليوم عن السوري حتى لو كان والده أو جده من حوران أو دمشق؟
الأردني أصبح ينظر لذاته باعتباره أردنيا أولا وقبل كل شيء , وكذلك اللبناني , والفلسطيني , أما السوري فظل يتنازعه الانتماءان العربي والسوري حتى بدأ مؤخرا ينصرف نحو السورية بتأثير مأساته الكبيرة .
الوطنية فيما سبق لم تنشأ من التاريخ والمجتمع بل من السياسة وبالأخص من الدولة , لكنها في النهاية نشأت وتبلورت الى الحد الذي يشكل التقليل من أهميتها خطأ كبيرا في فهم المجتمع وبنيته الثقافية الأكثر ثباتا .
لكن الوطنية في مجتمعاتنا لاتعيش بمفردها دون انتماءات تتنازع معها , فالقبلية انتماء مختلف قد يتعايش مع الوطنية لكنه لايذوب فيها , والطائفية انتماء يمكن أن يطمس الوطنية ويطغى عليها , وكذلك المذهبية والعنصرية .
منذ العام 1920 حين دخلت الجيوش الفرنسية سورية منهية بذلك عهد المملكة العربية الوليدة بزعامة فيصل بن الحسين شريف مكة , بدأت تتكون المشاعر الوطنية السورية في ظل تبلور حدود الدولة السورية التي وضعت تحت الانتداب الفرنسي , وبصورة أكبر في ظل الكفاح الوطني من أجل الاستقلال .
حملت الارستقراطية السورية المكونة من ملاك الأراضي الزراعية وكبار التجار راية الوطنية السورية معززة بالمثقفين وطلائع الطبقة الوسطى .
والحقيقة أن الفضل يعود لتلك الطبقة في وعي نموذج الدولة الوطنية الحديث الذي ورثته سورية عشية الاستقلال.
عشية الاستقلال كانت الوطنية السورية في قمة مجدها , وبدا أن كل الانتماءات الأخرى قد صغرت أمامها بما في ذلك القومية العربية فضلا عن الانتماءات الطائفية والقبلية .
لكن ذلك المجد لم يدم طويلا , فالارستقراطية السورية التي حملت راية الوطنية السورية بدأت تضعف , واحتلال فلسطين وأثره البالغ على الشعب السوري بدأ يدفع باتجاه مسارات سياسية لاتتوافق مع الوطنية السورية الخالصة .
بصعود الطبقة الوسطى حاملة الراية القومية والاشتراكية , وصعود دور المؤسسة العسكرية السورية المرافق لها والمتماهي معها , بدأت الوطنية السورية تترنح حتى العام 1958 حين أعلنت الجمهورية العربية المتحدة وفاتها رسميا .
وحين حدث الانفصال كانت سورية قد خسرت دولة الوحدة وخسرت الوطنية السورية التي لم يكن من السهل انبعاثها مرة ثانية .
هذا الانهيار للوطنية السورية كان في الحقيقة وراء انبعاث النزعات الطائفية والعنصرية التي لم تجد في الانتماء العربي بديلا واقعيا عن الانتماء الوطني .
لم تستطع الدولة البعثية بناء وطنية سورية , ليس لأن الوطنية السورية تتعارض مع ايديولوجيتها الرسمية فحسب , ولكن لأنها ارتكزت في بقائها على أشلاء الوطنية السورية وأعني بذلك النزعة الطائفية .
تمثل الثورة السورية التي انطلقت عام 2011 أول محاولة جادة لاستعادة الوطنية السورية , وبالرغم من المحاولات المستميتة لطمس ذلك الجانب الهام من جوانب الثورة السورية
لكن الأمل لم ينفد بعد في استعادة تلك الوطنية التي تشكل وحدها البديل الواقعي للنزعات الطائفية والقبلية والعنصرية .
الوطنية والمواطنة :
تشكل المواطنة اليوم الأساس الحقيقي للوطنية العصرية , اذ لاوطنية بدون مواطنة , وحين يشعر المواطن بأن كلا من حقوقه القانونية والسياسية مكفولة بحكم الدستور والقانون وطبيعة الدولة , حينذاك فقط يمكن للروح الوطنية أن تنمو وتزدهر وأن تنتصر على الانتماءات الأخرى .
انبعاث الوطنية السورية اليوم وانتصارها على العصبيات التي تنتمي للماضي ولا تتماشى مع روح العصر مرتبط بالدولة السورية التي سيتم بناؤها على اساس المواطنة الحرة ذات الحقوق المتساوية , دولة القانون والمؤسسات .
18/2/2016
Tags: محرر