Archived: القنطار و(حزب الله السوري)

مجد الخطيب: المدن

لا يُصنّفُ اغتيال سمير القنطار في جرمانا، قبل أيام، بأنه عملية تصفية ضد أسير سابق في السجون الإسرائيلية، أو أنها عملية عسكرية ضد “حزب الله” الذي انضم القنطار له. بل تأخذ العملية أبعاداً أكثر من ذلك، لتكون تصفية للنواة أو الصندوق الأسود لـ”حزب الله السوري” باعتباره ذراع إيران الأساس في سوريا، الذي كان القنطار يسعى إلى تأسيسه، منذ عام 2013.

القنطار الذي اتخذ من جرمانا مكاناً لادارة عملياته، في بناء سكني عادي، تعود ملكيته إلى علي سليمان رزق، قامت “الفرقة الرابعة” أواخر العام 2013 باستئجاره لصالحها، بطلب من القنطار. بعدها تم تحصين المكان ليصبح أشبه بمربع أمني.

والبيت يقع في آخر حي الحمصي في منطقة مسماة بـ”بساتين نصر الدين” ذات الهدوء النسبي. ويمكن الوصول إلى البيت والخروج منه، دون المرور بازدحام مدينة جرمانا، وهو قريب من طريق المطار الذي تبسط قوات النظام سيطرتها عليه بالكامل، ولا توجد كثافة سكانية في المكان، وإلى جواره تقع أبنية طابقية منظمة.

وأخذت بيانات جميع السكان في الشارع، في العام 2013، تحت ذريعة التسجيل على دفاتر توزيع المحروقات، الأمر الذي يقوم به النظام بشكل سنوي.

منزل القنطار الأمين، يقع بالقرب من مدخل جرمانا الثاني، الذي أُغلق بسواتر تربية منذ حوالى عامين، ومنع الخروج والدخول إلى المدينة عبره. وفي نهاية الشارع يقع منزل للإعلامي فيصل القاسم الذي استولت عليه “المخابرات الجوية” وحولته إلى مفرزة أمنية وأغلقت الطرقات إليه، ومُنع مرور الناس من أمامه. لتصبح بذلك المنطقة مربعاً أمنياً، بحيث لا يشملها تقنين الكهرباء، ولا يمكن للناس أن تقصدها إلا اذا كانت تنوي الذهاب إليها بالتحديد، فهي بعيدة نسبياً عن الأسواق الشعبية ومركز المدينة لكنها قريبة من منافذ المدينة، ما يُسهل الدخول والخروج منها وإليها.

وبحسب السكان القاطنين بالقرب من المنطقة، لم يكن السكان يعلمون بوجود القنطار، بل كانوا على علم بوجود ضابط رفيع المستوى يسكن هذا البناء، وكان هنالك ضباط إيرانيون وعناصر من حزب الله، يزورون المكان ولكن بلباس مدني وسيارات سورية مدنية. 

القنطار اتخذ من البيت مقرأ له منذ نهاية 2013، ليشرف منه على إنشاء مايسمى “حزب الله السوري” أو “حركة المقاومة والتحرير”.

القرار بإنشاء “حزب الله السوري” يعود إلى عام 2013، حين هددت الولايات المتحدة الأميركية النظام بضربة عسكرية، عزفت عنها بعد تسليم النظام لسلاحه الكيماوي، فكان القرار الإيراني بإنشاء فيلق تحت سيطرتها مباشرة، وأداة لها على طول جبهة الجولان الهادئة منذ أربعين عاماً.وأوكلت المهمة إلى سمير القنطار الذي يعتبر الرأس المؤسس لـ”حزب الله السوري” باعتباره درزياً من حيث العائلة، والقرى الحدودية المحاذية للجولان ذات أغلبية درزية. وساندت القنطار حلقة تضم جهاد مغنية وعلي طبطائي والجنرال جعفر الأسدي، إضافة إلى محمد عيسى الذي يعتبر المسؤول عن القواعد والتحصينات التي أقامها “حزب الله” في تلك المنطقة.

عمل القنطار على إنشاء خلايا كان هدفها الأول المشاركة في العمليات إلى جانب حزب الله وقوات النظام ضد فصائل المعارضة، والثاني هو القيام بعمليات كما وصفها للعناصر التي كانت تحت أمرته، بـ”عمليات تذكيرية ضد إسرائيل”، لتذكير المجتمع الدولي بأن هنالك أراضي تحتلها إسرائيل.

كانت أولى عملياته في 7 كانون الأول/ديسمبر 2013 حيث تم زرع عبوة ناسفة على الشريط الحدودي، انفجرت بسيارة عسكرية إسرائيلية من دون حدوث إصابات.

العملية الأبرز لـ”حزب الله السوري” الذي عمل منذ البداية تحت جناح كتائب “الدفاع الوطني”، كانت في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، في “موقعة المداجن” بحسب ما يصفها سكان جبل الشيخ. وعمل القنطار على إرسال حملة عسكرية على خط بيت يما-كفرحور، راح ضحيتها أكثر من عشرين من مقاتليه الدروز، وباءت بالفشل. تلتها عملية في أواخر نيسان/أبريل 2015، بزرع عبوة ناسفة على الشريط الحدودي في الجولان، لكن سلاح الجو الإسرائيلي اكتشف العلمية وقصف المجموعة التي حاولت التسلل، وكان جميع أفرادها من الدروز وهم؛ يوسف جبر حسون وسميح عبد الله بدرية من قرية حضر في جبل الشيخ، وثائر محمود ونزيه محمود من قرية مجدل شمس.

عمل القنطار في الجولان لم يكلل بالنجاح الذي كان ينتظر منه، فكان يعيقه دائماً عدم وجود رغبة حقيقة لأهالي الجولان في الاشتراك بصراع عسكري إن كان ضد عناصر المعارضة أو ضد إسرائيل، باعتبار أن الخوض في هذه الحرب هو عبارة عن الاشتراك في حروب الآخرين ولن يحرق إلا الدروز. لذلك اكتفى الدروز بالدفاع عن أراضيهم من دون مهاجمة أحد. وهذا الرأي ثبت في اجتماع جمع عدداً من مشايخ دروز الجولان ومشايخ الدروز في لبنان.

وبحسب مصادر “المدن”، اختار القنطار للتواصل بشأن مشروعه؛ فرحان الشعلان “أبو سعيد” ابن مختار أهالي الجولان في جرمانا عصام الشعلان، وهي عائلة معروفة بولائها للنظام. وتم التواصل لعقد لقاء بين عدد من كوادر “حزب الله” وفرحان الشعلان، ليخضع أبو سعيد بعدها لدورات تدريب في إيران، ثم تسلم قيادة مقر “الدفاع الوطني” في جرمانا، وقام بأعمال أمنية منها اعتقال عماد أبو صالح، الدرزي ابن الجولان، ومواطنه أسعد العريضي اللذين تمت تصفيتهما تحت التعذيب في أقبية النظام بتهمة التخابر مع إسرائيل، في منتصف العام 2014.

بعدها أعيد فرحان الشعلان إلى الظل، وتمت إقالته من منصب قائد “الدفاع الوطني” في جرمانا، ووضع مديراً للمنشأة الرياضية في المدينة، ليكون هذا المنصب غطاءً للعمل الأمني الذي أوكل إليه، لينحصر دور الشعلان بالتنسيق بين القيادات ومجموعتين على الأرض، تقاتلان تحت مسمى “الفرقة الرابعة” لا “الدفاع الوطني”، ويشرف عليهما الحجاج مباشرة، وهم عناصر من “حزب الله”. وإحدى المجموعتين في جرمانا لا تخرج منها، وأخرى تتمركز في مدينة المليحة المجاورة لجرمانا، والتي سيطرت عليها قوات النظام في العام 2014.

كما تواصل القنطار، لذات الهدف، مع يعرب زهرالدين، نجل الضابط الدرزي المشهور في قوات النظام عصام زهرالدين. وبحسب معلومات “المدن” فإن “درع الوطن” الذي أسسه العميد المتقاعد نايف العاقل، في السويداء أواخر أيار/مايو، وتولى يعرب زهرالدين قيادته، كان بدعم من القنطار، واعتبر ذراعاً خفية لـ”حزب الله” في السويداء، تعمل على استقطاب الدروز الفارين من الخدمة الإلزامية، ليصار إلى تدريبهم وتسليحهم. على أن تبقى قوة نائمة في المحافظة، يتم تحريكها عندما يلزم.

بمقتل القنطار، وقد سبقه جهاد عماد مغنية ومحمد عيسى، تكون إسرائيل قد سددت ضربة موجعة لـ”حزب الله السوري”، وعرقلت جهود إيران في صياغة شبيه سوري لـ”حزب الله” اللبناني. وهو المشروع الذي واجهت فيه إيران فشلاً ذريعاً خلال العامين الماضيين، وسط ملاحقة إسرائيلية لقياداته على الأرض السورية، وإلى خطأ ارتكبته إيران، بالإعتماد على الدروز، الذين يُدركون إلى حدّ واسع، بأن هذه المشاريع لا تهدف إلا لحرقهم والمتاجرة بدمائهم.

اقرأ:

موقع لبناني عن (القنطار): بحثاً عن الحقيقة وردّا على كلام الواعظين