on
Archived: د. محمد عادل شوك: أمريكا إذْ تُديرُ ظهرَها لفصائل الثورة السورية
د. محمد عادل شوك: كلنا شركاء
يُحدِّثُنا التاريخُ أنّ الدول المُتسيِّدة في العالم لابُدَّ أن يكون لها حضورٌ ملحوظ في منطقة بلاد الشام، التي باركها الله حول المسجد الأقصى، و آخرُها الولاياتُ المتحدة الأمريكية.
و هذا ما كان في عهد الأسد (الأب)، الذي أدرك هذا الأمر جيدًا، إذْ عُرِف عنه مسك العصا من الوسط؛ فكانت عينُ الرضا الأمريكية على بقائه بنسبٍ جيدة، و هو ما سرى على (الابن) حينما اختلتْ به الوزيرة أولبرايت في ( 14/ 6/ 2000م ) لبرهة من الوقت؛ لتخرج بعدها مباركةً خلافتَه.
لقد أخذتْ أمريكا تتحسَّب لمرحلة شيخوخته ابتداءً من سنة ( 2006م)، اعتمادً على دراسات عِدّة رصدَتْ ملامح تملمُل داخلي في سورية، و منها ما وُضِعَ بين يدي الأسد مباشرة، بحسب ما ذكر د. سمير تقي الدين مدير مركز الشرق للبحوث، الذي باشرَ بعضها بنفسه، و لكنها لم تكنْ متيقِّنة من جرأة السوريين على مجابهته.
أما و قد وصلتْ إليه نسائم الربيع العربي، فتوجّب عليها بحكم الموقع الذي تحظى به سورية، أن تبحث جادة عن البدائل تحسبًا للحظة التي سيكون فيها عاجزًا عن القيام بمهامّه في رعاية المصالح المشتركة لها و لإسرائيل.
و هي لم تُخفِ هذا الأمر على أطراف كانت تلتقيها من الثورة، من أيام السفير فورد، حيث قالها دونما مواربة لعدد من شباب الثورة اِلتقوه في الدوحة ذات مرة.
إنّ أمريكا ليست زاهدة بالأسد، كما أنها ليست مغرمة بالثورة؛ و لكنها حسابات المصالح الاستراتيجية التي لا تحتمل المجازفة.
لقد رأتْ من المناسب أن يبقى الملف السوري حاضرًا على صفيح غير حار، فهي ليست مستعجلة على غلقه؛ طالما أن الأسد يُفرِطُ بالمصالح العُليا لسورية ( بلدًا، و مقدراتٍ، و شعبًا )؛ سعيًا للخروج من المأزق الذي أحاط به.
ولمّا رأتْ أنّ الأمور أخذتْ تتأرجح لصالح الثورة، أخذت مساعيها للعثور على مَنْ يُمسِك لها الأرض تتصاعد بوتائر متسارعة؛ فكان برنامج التدريب الذي تناوبت على رعايته أكثر من جهة لديها ( الخارجية، الدفاع، الاستخبارات ).
فانضوت تحته جلّ فصائل الجيش الحر، كجبهة ثوار سورية ( جمال معروف)، و حركة حزم ( أبو عبد الله الخولي)، و الفرقة 30 ( المقدم عمار الواوي)، و ثوار الشام (علي شاكردي)، و فصائل أخرى من مجلس قيادة الثورة (القاضي قيس الشيخ).
فخضعوا لبرنامج إعداد و تدريب على مدى خمسة عشر يومًا بحدّه الأدنى، مع مراعاة التراتبية المنتظرة لكلٍّ منهم، و لم يكن يخلو الأمر من مصرف جيب يناهز ( 500 ) دولار للمُتَدرِّب عندما يقفل راجعًا إلى سورية.
وانطلق البرنامج في كلٍّ من تركيا و السعودية و قطر و الأردن، بأعداد متوقعة بحوالي ( 20 ) ألف، شريطة التوقيع على وثيقة تتعهد بموجبها تلك الفصائل بمحاربة تنظيم داعش فقط؛ إذْ كانت لدى واشنطن مخاوف جدّية منها، و من الفصائل الجهادية العالمية ( جبهة النصرة، و ملحقاتها )، من أن تملأ الفراغ في حال سقوط النظام في لحظة لا تُحبّذ توقيتها؛ لكونها أقوى الفصائل المسلحة على الساحة، و هو ما أبلغَتْ به قادةَ جيش الإسلام صراحة، بأنّ هناك عواصم أربعة لا يُمكن التسامح في أمرها، دونما تنسيق معها ( دمشق، بيروت، بغداد، صنعاء).
و لم تُمهل جبهةُ النصرة، و ملحقاتُها هذا البرنامج حتى يؤتي أُكُلَه؛ فباغتته بضربات موجعة، سحقت بها جبهة ثوار سورية، و حركة حزم، و تعقّبت آثارهم من مكان لآخر.
حدثَ ذلك كلّه في ظلّ تقاعس، و غضّ طرف من الفصائل الأخرى، التي أثار ريبتَها جمال معروف كثيرًا، فهو لم يُخفِ مشاعره تجاه مشاريعها السياسية، و الآيديولوجية.
و كان آخرُ عهدها به مع هذا البرنامج في منطقة إعزاز، عندما كمنَتْ لـ ( 20 ) عنصرًا من الفرقة ( 30 ) بقيادة العقيد نديم الحسن، بعد دخولهم من معبر السلامة في ( 30/ 7/ 2015 م)، و اقتادتهم إلى أحد سجونها في الريف الشّمالي من حلب، و لم تُعلن حينها عن مصيرهم.
و قد كانت حساباتها في ذلك منطلقة من هذين الهاجسين:
1ـ سحبِ البساط منها، باستمالة الحواضن الشعبية للثورة نحو مغريات هذا البرنامج.
2ـ تقويضِ مساعيها في التمكين لمشروعها الآيديولوجي، على الأراضي المحررة في شمال غرب سورية.
الأمرُ الذي جعل أمريكا تُضمر في نفسها الكثير لهذه الفصائل، سواءٌ منها مَنْ باشر، أو تواطئ، أو تقاعس في ذلك، و تجهد في البحث عن بديل آخر؛ فكان لها ذلك في قوات سورية الديمقراطية ( جلُّهم من وحدات الحماية الكردية الذين خبرتهم في كوباني، و قليل من جيش العشائر العربية في الرقة )، إلى جانب جيش الثوار ( بقايا جمال معروف ).
فأغدقت عليهم: حمايةً، و دعمًا لوجستيًا، و وفرت لهم غطاءً جويًا للتقدّم باتجاه غرب الفرات، حيث داعش ابتداءً، ثم في مناطق فصائل الثورة في ريف حلب الشمالي، حيث الانتقام المؤجَّل لإفشال مشروعها آنف الذكر.
و ضمن هذه الحسابات يمكن فَهْمُ التفاهمات الأمريكية الروسية لما يحصل في تلك المنطقة، فهي لا تعدو كونها حسابات مرحلية، و يتوقع ألاَّ تتشظَّى بالوتيرة ذاتها إلى مناطق أخرى تسيطر عليها فصائل الثورة.
و عليه فإنّ من مصلحة سورية ( بلدًا ) و الثورة ( مشروعًا)، ألاَّ تمضيَ فصائلُ الثورة ذات البعد المحلي (بغض النظر عن انفعالات اللحظة) بعيدًا مع دعوات تعميق الشرخ مع الأمريكان؛ إذْ بدأت مرحلةُ تغيير وجهها إليهم تظهر بعد تفجيرات أنقرة، في تصريح كيري بأنّه لا يمكن الوثوقُ بوحدات الحماية الكردية.
و كذا الحال مع المكوِّن الكردي؛ و لاسيّما أنّ إحداث شرخ إثنيّ معه، أمرٌ ما فَتِئَ النظامُ يسعى إليه عن طريق داعش في كوباني، و روسيا في حلب.
Tags: محرر