Archived: الروائية منى سمبسون (جندلي): تقديم اللاجئين للمجتمعات الغربية مسؤولية الإعلاميين السوريين

حاورتها- ياسمين نايف مرعي: سيدة سوريا

كانت ظهيرة لوس أنجلوس أبرد من المعتاد حين وصلت “منى” إلى المقهى، بالجينز البسيط والكنزة السوداء، زي شقيقها ستيف. السيدة التي قاربت الستين والتي لم تخف في مكالمة هاتفية اهتمامها بلقاء صحفية سورية شابة، سلمت ببرود أمريكي متوقع، تحركت بعفوية وسرعة، اختارت مكان الجلوس، وأصرت أن تكون المضيفة حتى تزور محاورتها في سوريا يوماً ما، فتقبل ضيافتها.

لمدة نصف ساعة، تكلمت صاحبة “هوليوودي”، “كيك قبالة الطريق”، “رجل عادي”، “الأب المفقود” و”في كل مكان لكن هنا” عن علاقتها بسوريا وموقفها مما يجري فيها اليوم، وكان الحوار الآتي:

بداية دعينا نتكلم عن منى الروائية، الأستاذة والإنسانة.

لا أعلم ماذا أقول، باختصار أعمل كأستاذة جامعية في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة كاليفورنيا بـ “لوس أنجلوس”، وأقدم نفسي غالباً على أنني كاتبة وروائية، إذ إن كتابة الروايات هي أكثر ما أفعله.

حين يتحدث السوريون عن “منى وستيف جندلي”، يشعر الكثير منهم بالفخر، ما الذي تقولينه عن انتمائك السوري؟

دعينا لا نتحدث عن “ستيف”، فأنا لم تجمعني به أي صلة سوى أخوتنا البيولوجية، التي تنسبنا لسوريا، لكننا نشأنا هنا في الولايات المتحدة. لم ألتق بوالدي، ولم تربطني بسوريا أي علاقة عبره. لكنني بعد أن أصبحت راشدة، بدأت البحث عن أقرباء لي ووجدت الكثيرين منهم موزعين بين سوريا، الولايات المتحدة، قطر، وأماكن أخرى، وأنا على تواصل دائم مع العديد منهم.

هل سبق أن زرت سوريا؟ وما المشاعر التي تحملينها تجاهها؟

بلى، كان ذلك عام ٢٠٠٨، لكني زرتها مع ابنتي كسائحة أحاول التعرف قدر الممكن على حضارة البلد الذي أنحدر منه.

لم تكن لدي أدنى فكرة أن البلاد ستدخل لاحقاً في ثورة، حملت من سوريا صوراً جميلة جداً، واليوم حين أرى صور الدمار لا أملك إلا أن أبكي حزناً. أعلم أنها ليست أول حرب تحدث في التاريخ، وهي كذلك ليست أول حرب تحدث وأنا حية، لكنها الحرب الأولى التي أشعر بارتباطي بها، بعيداً عن العزلة السخيفة التي نحياها كأمريكيين منذ الحرب العالمية في القرن التاسع عشر. نحن لم نخض هذه التجربة منذ وقت طويل وهذا ما جعلها تهزني بشدة. كنت أتابع ما يحدث في سوريا خصوصاً من خلال ما حدث لعائلة أحد أبناء عمومتي “مالك جندلي”، وكلما فكرت وجدت  بقاء الأسد بعد هذه السنوات غير عادل بالمطلق.

بالحديث عن السوريين الأمريكيين، هل توافقين على أن هناك هوة بينهم وبين ما يحدث في سوريا منذ خمس سنوات حتى اليوم؟

ينطبق هذا على الكثير من السوريين الأمريكيين الذين زاروا سوريا قبل الثورة، ويعتبرون أن الأسد رئيس جيد، وأن البلاد كانت بخير، لكن في المقابل هناك الكثيرون ممن يقرون بأحقية الثورة السورية، وأنا أسميها ثورة مع أن الكثيرين يسمونها حرباً أهلية، ومع أن التوصيفين ينطبقان عليها اليوم شئنا أم أبينا، كونها لم تنته كثورة، ومستمرة كصراع مسلح بين السوريين على اختلاف انتماءاتهم.

هل أنت مع تخيير الشعب السوري، وأخص منه المعارضين للأسد، بين النظام السوري و”داعش”؟

رغم إيماني أن “داعش” لم يكن موجوداً حين بدأت التظاهرات في سوريا، بالنسبة لي السؤال الأساسي الذي أطرحه على نفسي وعلى الآخرين هو:

ـــ  ما الآلية التي سنتمكن خلالها من إخراج الأسد وداعش من سوريا، بحيث نضمن بقاء الشعب السوري وحريته؟ لأن داعش واقع قائم من وجهة نظر المجتمع الدولي، لا يمكن تجاوزها، أو تجاوز القلق الدولي من خطر وجودها وتمددها.

لدي أقرباء معتقلون منذ ما يزيد عن ١٢ عاماً، وأنا أعلم أن المشكلة الأساسية في سوريا هي النظام الذي لم يسمح بتطوير مفهوم القيادة السياسية، بالتالي أحالت الديكتاتورية التي حكمت البلاد العالم للتساؤل: من الذي سيخلف الأسد في حال غادر الحكم!

بالحديث عن قضية اللاجئين، المحور الأساسي في الأزمة السورية من وجهة نظر دولية، وبالنظر إلى الولايات المتحدة كبلد اللاجئين، وإلى الخوف الذي يبديه الكثير من الأمريكيين من اللاجئين السوريين على اعتبار أكثريتهم مسلمين، وقد يكونون إرهابيين، ما الذي تقولينه؟

الإسلاموفوبيا لم تعد بدعة اليوم، لكن هذا الخوف هو أحد أسوأ ما يعيشه الأمريكيون، غاضّين الطرف عن الحماس للاجئين، وما يمكن أن يحملوه من طاقة وقدرة على الاندماج والإبداع. وهو ما يعتبر غير منصف ليس من قبل الأمريكيين فقط، بل من قبل كافة الدول التي ترفض اللاجئين اليوم بحجة الخوف من الإرهاب.

الكثير من الأمريكيين يفتقدون للمعرفة عن سوريا، برأيك ما الذي يتوجب على الناشطين السوريين فعله لإعلام الشعب الأمريكي وليس الحكومة بما يحدث في سوريا ودفعهم للتضامن مع القضية السورية؟

أعتقد أن عليهم أن يكتبوا أكثر، وينتجوا المزيد من الأفلام المصورة ولو باستخدام كاميرات الهواتف كما فعل بعضهم سابقاً، إطلاق المزيد من الفعاليات التوثيقية لما يحدث بالتركيز على التجارب الشخصية وليس الإحصائيات أو الأرقام. أنتم بحاجة الآن إلى الحديث بصدق وبساطة عن القصص الشخصية والحياة اليومية في سوريا.

خلال الشهر الماضي وصلت إلى كاليفورنيا ٦٩ عائلة سورية حسب مصادر من الصليب الأحمر الأمريكي، العديد من المدنيين الأمريكيين يسألون عما يمكنهم فعله لمساعدة هذه العائلات على الاندماج في المجتمع الأمريكي، ماذا تقولين؟

لقد شهدت الولايات المتحدة وصول الكثير من المهاجرين الذين تم استيعابهم، أظن أن مساعدتهم على الاندماج واجبة، وأظن كذلك أن علينا كأمريكيين استقبال المزيد من اللاجئين،  لكنني لا أرى في استقبال المزيد من السوريين من قبل أي حكومة في العالم حلاً للمشكلة السورية، لأنني اعتقد أن أغلب اللاجئين لن يعودوا، بل سيبدؤون حياة جديدة. غالبية العائلات التي غادرت منذ ٢٠١٢ أنجبت بعد مغادرة سوريا، ولن يكون من السهل العودة بالجيل الجديد إلى بلد لم ينشأ فيها، خصوصاً بعد انتهاء الحرب مباشرة.

ماذا عن واقع النساء الأمريكيات وعن المساحة التي تشغلها النساء عامة في رواياتك؟

في الحقيقة هي مساحة كبيرة، لقد تربيت مع أمي العازبة، وعليه فأنا أعيش في عالم نسائي للغاية، هذا جعلني أعي النضال النسائي لبناء حياة. في الغرب والولايات المتحدة شهد جيل أمي وكذلك جيلي الكثير من التغييرات الإيجابية لصالح النساء، لكنا ما نزال نحتاج حدوث الكثير، وهذا ما أجرب تناوله عبر الشخصيات النسائية في رواياتي. إنها مسألة صعبة للغاية، دعيني أعطيك مثلاً، عندما أصبح أوباما رئيساً للولايات المتحدة، صوتت ٩٠% من النساء الأمريكيات السود  له، هؤلاء النساء اللواتي دعمنه يشكلن مجموعة كبيرة ما زالت تعاني بسبب العديد من المشكلات، وعليه نحن ما نزال نرى أننا لم ننصف بالشكل الذي نسعى إليه. لكن الأمور تتحسن يوماً بعد يوم. سياسياً نحن لسنا في الموقع الذي نستحقه، وما زلنا نعاني من عدم التساوي في الأجور مع الرجال حتى الآن. ما زالت هناك الكثير من المشاكل المرتبطة عميقاً بالبنية الجندرية والثقافية لمجتمعنا الأمريكي،  وبالنظر إلى الأسرة وموقع الأم منها وكذلك الأب.

هل تظنين أنك ستنجزين نصاً روائياً بخصوص ما يحدث في سوريا؟

لا أظن، على الأقل الآن، لأني لا أستطيع الذهاب لمعاينة ما يحدث، وبالتالي ليست لدي معلومات كافية، ولا أية أدلة على ما يمكن أن أفكر بطرحه، لكنني بالتأكيد مهتمة أن أفعل لو أتيحت لي الفرصة.

ما الذي تقولينه للسوريين اليوم، وبماذا تتوجهين للعالم عن سوريا؟

للسوريين: ابحثوا عن قادة لكم يأخذون بأيديكم إلى نهاية تناسب كل الأشياء الجميلة الموجودة  في سوريا من شعب وتاريخ وحضارة وذاكرة.

للعالم: لا بد أنهم يعون قيمة سوريا، وواضح أنه ما من آلية متبلورة  لديهم لحمايتها، هم يبحثون عمن يدعمونه فيها، وهذا ما يعيدني إلى الجملة السابقة: ابحثوا عن قادة.





Tags: محرر