Archived: المملكة المغربية تحتفل بالذكرى الأربعين لتنظيم المسيرة الخضراء

د.عادل موسى: كلنا شركاء

يخلدالمغرب في السادس من تشرين الثاني نوفمبرالجاري الذكرى الاربعين لتنظيم المسيرة الخضراء. وتعد هذه الذكرى التي يصمت تاريخ المغرب الحديث عنها محطة جد هامة و ذات دلالات عميقة بالنسبة للمغرب المعاصر حيث مكنته من استكمال وحدته الترابية و تحرير أقاليمه الجنوبية من الاستعمار الاسباني.

و قد اتخذ المغرب هذه الخطوة بتنظيم المسيرة الخضراء بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية التي أكدت في رأي  استشاري بان الصحراء لم تكن  ارضا خلاء و أنه كانت هناك عبر التاريخ علاقات قانونية مع المغرب من خلال البيعة التي كانت تربط سكان الصحراء بسلاطين المغرب، وهو ما يؤكد اعترافا بسيادة المغرب على هذه المناطق و بشرعية مطالبه في استعادتها.

بعد صدور هذا القرار، دعا جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني الى تنظيم مسيرة سلمية خضراء الي الاقاليم الجنوبية بمشاركة 350 الف مواطن و مواطنة مغربية حاملين  المصاحف و الاعلام الوطنية و المسلحين بايمانهم القوي بعدالة قضيتهم وعمق ارتباطهم باقاليهم الجنوبية. و قد كانت الاستجابة الشعبية لهذا النداء في مستوى الحدث، حيث جسدت مدى عمق تشبث المغاربة بكل فئاتهم بمغربية الصحراء وبالعرش العلوي المجيد، ومكنت المغرب سلميا من استعادة حقوقه الغير قابلة للتصرف بهذه الأقاليم، لينطلق مسلسل البناء والتشييد و النماء الذي غير كليا وجه هذه المنطقة.

ان قضية الصحراء هي في الواقع قضية تتعلق باستكمال الوحدة الترابية للمملكة. فكما هو معلوم كان المغرب مستعمرا من طرف قوتين اجنبيتين و هما فرنسا و اسبانيا، حيث كانت فرنسا تحتل وسط المغرب بينما المناطق الشمالية و الجنوبية كانتا خاضعتان للاستعمار الاسباني.

وهكذا فإن مسلسل تحرير المغرب مر عبر مراحل. فقد عقد المغرب سنة 1956 مفاوضات مع كلتا الدولتين  لتحرير الشمال و الوسط، و استرجع مدينة طرفاية سنة 1958 ثم مدينة سيدي إفني سنة 1969 ثم الساقية الحمراء و وادي الذهب في  1975 بفضل المسيرة الخضراء.

وبالرغم من أن استرجاع الصحراء، تم بشكل سلمي وعن طريق اتفاق دولي مسجل لدى الأمم المتحدة، فإن المغرب ظل دائما  متمسكا بمبدأ الحوار والتفاوض، تحت رعاية الأمم المتحدة، من أجل ايجاد تسوية لهذا النزاع الإقليمي المفتعل، الناتج عن تدخل أطراف إقليمية في الشأن الداخلي المغربي لأهداف ومطامع توسعية معروفة.

فإيمانا منه بعدالة قضيته و بوحدة المغرب العربي وانعكاساته الإيجابية على شعوب المنطقة، لم يدخرالمغرب أي جهد للإسهام في إيجاد حل لهذه الأزمة المفتعلة. فكان المغرب أول من اقترح إجراء استفتاء في المنطقة سنة 1981، لكن بعدما  تبين استحالة تطبيق هذا الاستفتاء،  بشهادة الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وأمام المأزق الذي وصل إليه هذا المسلسل، اقترح المغرب في 2007 مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي دائم وعادل ومتوافق عليه بين كافة أطراف النزاع. وقد حظيت هذه المبادرة  بتشجيع وإشادة المجتمع الدولي، فيما أكد مجلس الأمن، من جهته، على نجاعتها، وشدد على جديتها، واعترف بمصداقيتها في العديد من قراراته.

و اليوم ، بعد مرور 40 سنة على عودة هذه الأقاليم إلى حضن الوطن الأم،  شهدت هذه الاقاليم نقلة كبرى من خلال  المشاريع السوسيو-اقتصادية الهامة التي تم إنجازها، ودخلت عهدا من الإنجازات المهمة والنوعية في كل القطاعات  لتتحول  مدن  الأقاليم الجنوبية إلى مراكز حضارية واقتصادية رائدة.

 وقد اصبحت هذه الأقاليم اليوم تستجيب لجميع الشروط الكفيلة بتطبيق نظام الجهوية الموسعة  الذي جعلت منه المملكة خيارا اساسيا في أفق استغلال أمثل للثروات الجهوية وتحقيق تنمية منسجمة ومتوازنة، تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية المحلية وتثمن بشكل أفضل الموارد البشرية لكل جهة.

 و في هذا السياق تجدر الإشارة الى ان الذكرى الاربعين لتنظيم  المسيرة تزامن هذه السنة مع تنظيم أول انتخابات جهوية في ظل التقطيع الجديد للمغرب الذي اصبح يتكون من  12 جهة، بما في ذلك جهتي العيون – الساقية الحمراء والداخلة – وادي الذهب.

و قد شكلت هذه الانتخابات الجهوية التي جرت في 4 ايلول سبتمبر الماضي، مناسبة لسكان الأقاليم الجنوبية لتجديد تعلقهم الوطيد ببلدهم، من خلال المشاركة المكثفة في الاقتراع، حيث  وصل معدل المشاركة في الانتخابات بمنطقة الصحراء إلى 79 %، وهو أعلى معدل على المستوى الوطني. وقد شكل  هذا  الاقتراع مناسبة  لأبناء جهتي الصحراء من انتخاب مواطنين منحدرين من المنطقة قصد السهر على تسيير جهتي العيون الساقية الحمراء و الداخلة – وادي الذهب.

كل ذلك يبرز حرص المغرب على  تمكين ابناء الصحراء  من تدبير شؤونهم الذاتية والمحلية، وهو الأمر الذي يتطابق و معايير الأمم المتحدة المتعلقة بتقريرالمصير في جوانبها  المتصلة بحرية الاختيار و بالتمثيلية الشعبية والتدبير المباشر لشؤون السكان، ويفند كل الادعاءات حول مزاعم استغلال الثروات الاقتصادية للمنطقة من طرف المغرب.

فقد بذل المغرب، على عكس هذه  الادعاءات المغرضة، جهودا جبارة  من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية في إطار عمل  تضامني وطني بمؤازرة كافة فئات المجتمع المغربي، مسخرا جميع الطاقات البشرية والمادية من اجل وضع جهة الصحراء على سكة أهداف الألفية للتنمية ولبلوغ الانجازات الاستثنائية الراهنة التي تحققت في جميع ربوع الصحراء.و تكفي الإشارة في هذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر، الى ان نسبة الإنفاق المخصص سنويا لهذه الأقاليم تتجاوز 600 مليون دولار، والى مخطط تنمية الأقاليم الجنوبية الذي يناهز غلافه المالي 15 مليار دولار على مدى عشر سنوات.  

و حتى يتم طي هذا الملف المفتعل نهائيا،و من اجل رفع المعاناة عن ابنائه المحتجزين في مخيمات تيندوف، سيظل المغرب دائما على استعداد لمواصلة العمل، بكل ما يتطلبه الامر من عزم  وحسن نية، مع الأمم المتحدة وجميع الأطراف المعنية، حتى يمكن التوصل الى حل سياسي متوافق عليه، في نطاق الشرعية الدولية، وفي إطار سيادته ووحدته الوطنية والترابية، و بما يكفل استقرار المنطقة ككل و مصلحة سكانها حيث تظل مبادرة الحكم الذاتي الإطار الأمثل و الوحيد لإنهاء هذا الخلاف و تحقيق الأمن  ومواصلة  النماء و التقدم بالمنطقة .