on
Archived: د .محمد مرعي مرعي: ماليزيا مهاتير وسوريا الأسد..بناء دولة معاصرة وتدمير حضارة وتاريخ
د .محمد مرعي مرعي: كلنا شركاء
رست التجربة الماليزية منذ أكثر من 10 سنوات بتافصيلها الدقيقة ، وأثار إعجابي بها الاستثمار الهائل في التنمية الإقتصادية وتنمية الموارد البشرية بشكل فريد ، نقلتها من بلد فقير في بحار آسيا تعيش على منتجات الغابات الاستوائية إلى مستوى متمّيز بين النمور الآسيوية السبع وبين أكبر 25 اقتصاد بالعالم .
وتعززت معرفتي بتلك التجربة الرائعة مع زيارتي ماليزيا الأسبوع الماضي للمشاركة في مؤتمر علمي في جامعة متميزة في كوالا لامبور – مدرسة الإدارة حول ( الإدارة وريادة الأعمال بغية تحقيق الابداع الفردي والمؤسسي ورفع الأداء ) ، وكانت المشاركات البحثية فائقة الجودة العلمية تنظيما وأداءا وعرضا واهتماما بالمشاركين وبمخرجات أعمالهم العلمية .
لقد بدأ نهضة ماليزيا وتجربتها التنموية رئيس الوزراء الأسبق والشهير ( مهاتير محمد ) في منتصف عقد 1975 ووضع أسس النهضة حين انطلق عمله وزيرا للتعليم العالي وأوفد 45 ألف ماليزي للدراسة في جامعات أمريكا واوربا الغربية واليابان وعاد جميعهم ليشاركوا في بناء وطنهم الذي نشهد حداثته حاليا ، وحين نجح حزبه بالانتخابات أصبح رئيسا للوزراء وهو أعلى سلطة تنفيذية كون نظام الحكم ملكي دستوري وفق نظام بريطانيا ، وحينها اطلق استراتيجية ماليزيا 2020 أي لمدة 45 سنة ، وحقّق إنجازات هائلة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا ، ووضع اسم ماليزيا في صدرارة دول العالم ، وترك منصبه اختياريا لأنه أدى مهمته الوطنية وترجم كل ما لديه وأعطى الفرصة للآخرين من أبناء ماليزيا دون منح أبنائه وأقربائه أي سلطة أو حظوة ، وخلق تماسكا ثقافيا ومجتمعيا بين مكونات ماليزيا ( المالاو المسلمون 65% ، الصينيون الكونفوشسيون 30 % والهنود البوذيون وغيرهم 5 % ) وبشكل لا نظير له في العالم. وكان المميز من حصيلة نتائجه أنه كرّس الفهم الحقيقي للإسلام حيث لا وجود للتعصب أو الجمود الشكلي بالذقون والشوارب المنسدلة ولا الخمار والشادور ولا الجلباب والعباءة الفارسية الشيعية ولا الجبة والعمامة ، بل يسمع كل ماليزي صباحا في قنوات التلفزة الوطنية والخاصة تلاوة من القرآن الكريم من إناث ويتحاورن مع رجال دين بلباس عصري وبشكل حضاري ولا تزلّف بالحديث الديني ولا تعصّب في محتواه ، بل تنقل أصول الدين بكل سلاسة معرفية وبساطة في المحتوى ويطبق الجميع إسلاما رائعا في الشكل والمضمون .
في المقابل ، بدأ حافظ الأسد سلطته في سوريا عام 1970 وحكم 30 سنة وورّث السلطة لأبنه ولعائلته 10 سنوات ، واندلعت ثورة شعبية عارمة جراء ما أصاب الشعب والمجتمع وهياكل الدولة وإداراتها وكذلك الاقتصاد والعلوم والثقافة من فساد طال طل شيء حتى التربة في الأرض والهواء في السماء ، وكانت أكبر حملات الفساد في التأهيل العلمي مع ايفاد 4000 شخص الى المانيا الشرقية ومنظومة الاتحاد السوفييتي البائد ومن بعدها روسيا أشخاصا جلهم من أبناء الطائفة العلوية أو من المنتفعين ومرتزقة آل الأسد (باستثناء عدد قليل من أصحاب الاستحقاق) ، وهؤلاء لم يعد منهم عدد كبير ومن عاد منهم تولّى مقاليد الإدارة في سوريا دون كفاءة فأفسد وخرّب بشكل منهجي وفق تعليمات حزب البعث وأجهزة الأمن حتى اصبحت سوريا ومجتمعها وأبنائها في حالة دمار وتخريب لكل شيء ، وانتقلت سوريا من بين مستوى الدول 30 في العالم قبل سلطة آل الأسد إلى مستوى 10 دول الأكثر فسادا وسوءا وجهلا في العالم .
لقد خرب آل الأسد بنى المجتمع عبر تأليب كل مكون ضد الآخر وتولّى أبناء الطائفة العلوية بنسبتها 10 % سدة السلطة المطلقة في قطاعات الجيش والأمن والغالبية في القطاعات الأخرى، وتم تخريب التعليم واثقافة ، ونهب الاقتصاد وثروات الوطن ، وتوريث كل شيء لأل الأسد وزبانيتهم ومرتزقتهم ( السلطة والمال والوجاهة والثقافة والفنون والحضارة السورية التي عمرها 5000 عام ) .
نعم ، إنه الفرق الكبير بين ماليزيا (مهاتير محمد ) باني دولة ومجتمع وحضارة ، وبين سوريا (آل الأسد ) مدمري الدولة ومخربي المجتمع ومهدمي الحضارة السورية . ويا لها من مأساة عندما يتولى الوحوش قيادة دولة ومجتمع !!!
Tags: محرر