on
Archived: شاحنة ريهام سعيد فخ للاجئين…
راشد عيسى: القدس العربي
من سوء حظ الشعب السوري، أكثر من أن يكون وقع في مصيبة اللجوء، وبالتالي الفقر والعوز وما يليهما من مصائب، أنه وقع كذلك في براثن الأكثر انحطاطاً في الإعلام العربي، الأمثلة كثيرة طبعاً، غير أن المذيعة المصرية ريهام سعيد تفوقت على نفسها في إهانة السوريين، إن لم نقل في إهانة إعلام بلدها.
بات مشهوراً ذلك الفيديو الذي نقل تقريرها عن قناة «النهار» ضمن برنامج «صبايا الخير»، ولعله حظي حتى الآن على «يوتيوب» على ما لا يقل عن مئة وثلاثين ألف مشاهدة، وهو يصور شاحنتها توزع المساعدات للاجئين في مخيم قالت إنه الأكثر فقراً في لبنان.
كل ما في الأمر أن الفوضى عمت المكان فراح الناس يأخذون حاجاتهم من شاحنة المساعدات من دون انتظار دورهم، وهذا ما يحدث غالباً حين يغيب التنظيم حتى لو كان الناس يدفعون ثمن ما يأخذون. بدا الأمر وكأنه فخ نصبته المذيعة المصرية، فحين فلتت الأمور تركت للكاميرا أن تصور، وراحت هي تسرد خطاباً في تقريع الأمة، وتقريباً يرمي في العمق إلى مقارعة الثورات، وفي الوقت نفسه تمجيد مصر، شعباً وجيشاً وعلماً.
حسناً أن هؤلاء «المتوحشين» حول الشاحنة كان معظمهم من صغار الأطفال السوريين، ولسبب غير مفهوم، كانوا من البنات اللاتي لا يمكن للمرء إلا أن يعبد عيونهن، وبالتالي لم يكن تقريع المذيعة المصرية إلا ضرباً من شتيمة للملائكة.
تجرأت سعيد فوصفت ما يجري بأنه تجرؤ على التقاليد والأخلاق، وحاولت أن تجد تبريراً لذلك بالقول «عشان ما بقاش عنده حاجة»، وأوضحت «الشعب السوري ما بقاش عنده حاجة، لا أرض ولا بيت، ولا شغل، ولا مستقبل»، وهي تعني طبعاً أن الشعب السوري، كما تراه الآن حول الشاحنة، من الطبيعي أن يتجرأ على التقاليد والأخلاق!
لم تكتف بذلك، أرادت أن توظف المشهد في خدمة مصر، كما تعتقد. ظهرت متلفعة بالعلم المصري، وسألت «عايزين تعرفوا ليه أنا لابسة علم مصر؟ عشان عايزة أرجع مصر. قد ايه احنا شعب مؤدب، وأخلاقه عالية، وطيب. قد ايه أنقذنا مصر، احنا الشعب المصري، ومش حد تاني». في نهاية التعليق انتقلت فوراً إلى التبشير بأنها ذاهبة لتغطي تظاهرات بيروت وأنها سترى «الناس اللي بتضرب في بعض».
كلام ريهام سعيد، لم يسبق لأي من زائري مخيمات اللاجئين أن تفوه به، جلهم مروا في منتهى الجمال، وعلى رأسهم نجمة النجوم انجيلينا جولي، التي جاءت من أمريكا لا من مصر.
هل نحتاج أن نقول للمذيعة المصرية ماذا لو أخذت شاحنتك إلى مقابر القاهرة، حيث تلك مساكن الأحياء قبل الأموات؟ ماذا لو أخذت شاحنتك إلى وسط القاهرة، حيث أطفال الشوارع المرئيين بالعين المجردة في كل زواية ورصيف وشجرة؟ والأمر نفسه في الصومال والسودان والعراق وسواها كثير من بلدان الفقر والديكتاتوريات والنزاعات؟!
لا نريد بالطبع أن تنقلب حرباً إعلامية بين بلدين وشعبين كلاهما يعاني الإستبداد والرعب ذاته، بطريقة أو بأخرى، ولكن آن للمصريين أن يقولوا لإعلامهم إن المهزلة فاضت عن أي حد وتصوُّر.
أسئلة أحلام المترفة
المغنية الإماراتية أحلام، مغنية «الكنتاكي»، نسبة لندائها التلفزيوني الشهير «أريد كنتاكي»، تستنكر تبني النجمة العالمية انجيلينا جولي طفلاً سورياً لاجئاً. المغنية تساءلت على أي دين سيتربى الطفل تالياً، وخاضت نقاشاً على صفحات «تويتر» حول ذلك.
من نافل القول إن الجريح، والملقى على الطرقات، الجائع، المريض، وسواه ممن وقع ضحية براميل النظام السوري، لن يسأل عن اليد التي تمتد إليه لتعطيه، لا يملك ترف السؤال والإختيار. السؤال ينبغى أن يكون للمؤسسات والحكومات العربية التي لم تحاول قطع الطريق على الآخرين. وبالطبع يصح السؤال أيضاً لنجمات عربيات من وزن أحلام.
اللقاء الأخير مع علي سالم
لا يخفي المرء إعجاباً بمقالة الكاتب المصري الراحل أخيراً علي سالم. يبدو الأمر بمثابة اعتراف لأن الكاتب المسرحي الساخر يتميز بدعوة مجانية مخجلة للتطبيع مع إسرائيل، توجها بزيارة فريدة في العام 1994.
مقابلته في برنامج «مانشيت» قبيل أيام فقط من رحيله جاءت في منتهى الصراحة، ولم يخف فيها ما آمن به دائماً. ومع أنه أثار الإعجاب مجدداً حين تحدث عن مقاله (يكتب إحدى وعشرين مقالة شهرياً) وكأنما يعيش من أجله فقط، حتى أنه عندما سئل عن صحته لم يكترث، وقال ما أتمناه أن أستمر في كتابة المقال، إلا أن الرجل أصر على موقفه القائل بأن إسرائيل ليست عدوة، ولكي يبرهن على ذلك قال إن «الشعب اليهودي يعي بأن نبيه مصري وتربى في قصر مصري»، و«المواطن السوري الذي ينام مطمئناً اليوم هو المواطن الذي يعيش في الجولان»، أي في كنف إسرائيل القادرة على تأمين الاستقرار، وأكد أن «المشكلة الفلسطينية لن تحل إلا بعلاقات إسرائيلية – مصرية قوية»، وهو فوق ذلك قال «لم أر شعباً يحب المصريين كما يحبهم العبرانيون».
القرموطي لم يناقش ضيفه كثيراً في هذه الناحية، رغم تأكيده على الإختلاف معه بخصوص التطبيع، ولم يقل له كما قال له كاتب مصري ذات يوم وهو يتحدث عن زيارته إلى إسرائيل جاءت من أجل الفهم والتعرف «ما أنت رحت إسرائيل، هو أنت فهمت حاجة؟». صمت القرموطي كأنما جاء بالرجل ليقول كلمتين في السيسي، صاحب الأحلام العريضة، كما وصفه سالم، مثمناً الطريقة التي عمل بها لفتح قناة السويس الجديدة.
كل ذكاء علي سالم يبدو وكأنه يتبدد أمام نقاط ثلاث، موقفه من إسرائيل، والسيسي، وإعلانه أن ملوك الفراعنة لم يكونوا ديكتاتوريين، لأن من يبني أهرامات ومعابد بهذا الجمال لا يمكن أن يكون محكوماً بالإستعباد. وهنا يسأله القرموطي عن رجال السخرة الذين حفروا قناة السويس الأولى ومات منهم مئة وعشرن ألفاً، يجيب سالم بكل استخفاف بأن طبيعة الحياة كانت هكذا حينذاك.
صراحة علي سالم نادرة بالفعل، حين يسأله المذيع عن لماذا لم يكرم، وأي شكل من التكريم يحلم به، قال الراحل إنه لا يجد معنى للطريقة التي يكرم بها الأدباء، و«لو كنت عاوز تكرمني، ادخل عليّ بدفتر الشيكات». لا يهتم الرجل بأي تكريم معنوي، الأمر الذي يدفع للاستنتاج بأن مقابلته مع «مانشيت» لم تأت إلا بمقابل ماليّ، وهذا حق له طبعاً، ولكنه يفسر لماذا كان المذيع مسترخياً لهذا الحد، لماذا كان جالساً بهذا الإسترخاء، وبهذه الوضعية الخاصة بالأستذة.
اقرأ:
حملة لوقف المذيعة ريهام سعيد بعد إهانتها للاجئي سوريا