Archived: مرح البقاعي: قبل أن «تفنى» المعارضة

مرح البقاعي: الحياة

لم يكن لقارئ سياسات الإدارة الأميركية عن قرب ليستبعد ما نشرته وسائل الإعلام عن تلك الدردشات الجانبية بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وعدد من ناشطي الإغاثة والمجتمع المدني السوريين على هامش مؤتمر المانحين في لندن، والتي أثارت زوبعة سياسية خلّفت غباراً أعمى العيون، بسبب فجاجتها في التطرّق إلى موضوع في غاية الحساسية، نظراً إلى المرحلة الدقيقة والصعبة التي تمر بها المعارضة بجناحيها السياسي والعسكري.

فقد جاء في تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي»، أنه إثر مرور ساعات فقط على انهيار المحادثات المعلنة في جنيف 3، قال كيري في دردشته أن «على البلد أن يتوقع ثلاثة أشهر أخرى من القصف الذي سيُفني المعارضة»، واضعاً اللوم في تعثّر المحادثات، حتى قبل الشروع بها، على وفد المعارضة، بقوله للناشطة التي طلبت عدم الكشف عن هويتها حمايةً للمنظمة التي تعمل فيها: «لا تلوموني… إذهبوا ولوموا المعارضة».

من نافلة القول أن لغة تلك الدردشات قد لا تختلف في جوهرها عن الأداء السياسي للوزير كيري في عمقه الوظيفي، وقد يكون الفارق الوحيد في ما وصلَنا على لسانه أنه جاء على طريقة زلة لسان في كشف المستتر من دهاليز السياسات الأميركية، بعيداً من التصريحات الرسمية وربطات العنق وعدسات الإعلام. ومما لا ريب فيه، أن المعارضة لم تكن لتصل إلى مشارف جنيف 3 لولا سوء الأداء وقلة الحيلة والدعم السياسيين لجنيف 1 و2 معاً.

بعض ممن لا يزال متفائلاً بالخلاص يتحدّث عن حملة «تيئيس» للشعب السوري، لدفعه مرغماً الى القبول بما هو معروض عليه الآن، إذ هو خير من أن يخسر كل شيء في الأيام المقبلة، لا سيما إثر توغّل الجيش النظامي في ريف حلب الشمالي تحت غطاء القصف الروسي الهمجي، الذي دفع بعشرات آلاف النازحين الى الهرب من هذا الجحيم باتجاه الحدود التركية، التي لم تعد تفصل جيش الأسد عن بوابتها سوى 5 كيلومترات فقط.

ما نُقل عن الوزير الأميركي قابل للتشكيك في صحته، إذ من الصعب تصديق أن رجلاً بمرتبة وزير دولة عظمى ورأس الديبلوماسية فيها، يمكنه أن يتحدّث جهاراً، وبغياب تام للمسؤولية، في أمر بخطورة ما قد يعتقده أو ما يخفيه في قرارة نفسه. كما أن رفض النشطاء الإعلان عن أسمائهم للصحافيين الذين حاوروهم يثير الأسئلة عن مدى مصداقية ما نُشر. إلا أن هذا لا يعني في مجمله أن كيري، وفي الشهور الأخيرة من شغله منصبه قبيل رحيل الرئيس أوباما وفريقه الحاكم، يمكن أن يقول أي شيء مضمر لم يعلنه مِن قبل، لا سيما لأسباب تتعلق بعلاقة أطراف وزارة الخارجية بمعارضتنا العتيدة التي لم تثبت لهم يوماً أنها من أهل العزم.

على كل الأحوال، لا يمكننا القول إن كيري هو المسؤول الوحيد عن حالة الإحباط العام واليأس المفجع الذي وصل إليه الشعب السوري بمدنييه ومقاتليه ومعارضيه. فعملية تفريغ شحنات الأمل جاءت معلّبة بعبوة عولمية فاخرة من طرف المجتمع الدولي على امتداد سنوات من عمر الثورة، وكذا على طبق من قش بائس كبؤس المعارضة التي لم ترتقِ يوماً إلى حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، ولم تكن قادرة على إدارة نفسها ضمن منظومة عمل واحدة، فكيف بإدارة ملف مدمّى ومعقّد على درجة تعقيد الملف السوري؟!

ولعلّه من أفضل ما حدث في خضمّ الانهيار المدوّي لمحادثات جنيف 3، أن رئيس الوفد الدكتور رياض حجاب قال كلمة الشعب السوري، سياسياً على الأقل، ونقل إلى العالم إصرار أصحاب هذه الثورة وأولياء الدم منها على تحقيق ما خرجوا في طلبه ودفعوا الغالي والثمين من أجله، وهو الحرية والكرامة والعدالة الإنسانية. وعلى رغم أن الوفد المفاوض قد تشكّل في عجالة، وأنه لا بدّ من إعمال مقص التشذيب والتدوير فيه قبيل اقتراب موعد الجولة الثانية من المحادثات في 25 شباط (فبراير) الجاري، فالفرصة ما زالت متوافرة لتحقيق تقدّم سياسي محتمل على رغم خسائر الميدان المتوالية. ولا بد لعملية القص أن تطاول كل من لبس ثوباً ليس بمقاسه فساهم في خلخلة المشهد السياسي في جنيف.

ففي هذه المرحلة التاريخية الأدق من عمر الثورة، نقف جميعاً على مفترق استحقاق تاريخي يحتاج إلى مراجعات متأنية وعاجلة لإعادة ترتيب البيت الداخلي قبل أن نلقي بأسباب يأسنا أو تراجعنا على القاصي والداني قبل مساءلة فريقنا ومحاسبته أولاً.

اللافت أنه مع تراجع الثورة ميدانياً، شرعت السلطات التركية بتبليغ الضباط السوريين المنشقين كافة الموجودين على أراضيها، ومنهم المقيمون في المخيمات، الاستعداد للعودة إلى الأرض السورية لمواجهة المدّ النظامي المعزّز بميليشيات حزب الله ومشتقاته على الأرض، وطائرات الاجتياح الروسي في السماء. التبليغ هذا لم يكن مفاجئاً لترافقه مع إغلاق الحدود التركية في الاتجاه الآخر، أعني من سورية نحو تركيا، أمام موجة النزوح السوري الأكبر من محيط حلب المنكوبة.

فهل يعود الضباط السوريون إلى أرضهم مزوّدين بأسلحة نوعية تساعدهم على حماية أهلهم من شر الموت الجماعي وكارثة النزوح القسري؟ أم أنهم سيتركون نهباً لمصيرهم مع أهلهم تحت نيران التوحّش الروسي الإيراني المنظّم؟





Tags: محرر