on
Archived: (تحقيق) الكراهية.. السوريون في لبنان يموتون، أشفقوا عليهم، وتخلصوا منهم
روجيه عوطة: المدن
قبل أن يكتبها كتغريدة في “تويتر”، كان وزير الخارجية جبران باسيل قد لفظ كلماته أمام جمهور من الناس خلال إحدى جولاته على المناطق اللبنانية. يومها، ردد باسيل فكرته الشوفينية نفسها: “لن نقبل مقايضة الجنسية اللبنانية للبناني الأصيل بإعطاء الجنسية لفلسطيني وسوري”.كانت عبارته متوقعة، ومتوقعة جداً. فهذا صهر الجنرال ميشال عون، ورئيس التيار الوطني الحر، الذي يجسّد في خطابه ومسلكه ذروة الجمع بين لاسياسة العجز ولغة الغطرسة، فلماذا نتفاجأ برأيه الذي يذهب به إلى الكراهية والحقد على كل آخر لا يتطابق معه، ذلك، بلا جهد في التخيل أو كد في الإنشاء؟ قال باسيل جملته، وصفق له الجمهور، وبعضه عبّر عن إعجابه بعنصرية قائده بالتصفير.
قد يُعتقد أن المشهد مُداهم، لكنه ليس على هذه الحال. فهذا الجمهور مصنوع في معمل الإعلام اللبناني، أكان مسموعاً أو مرئياً أو مكتوباً، وهو يقيس فعاليته بالإستناد إلى درجة تأثيره في إنتاج “الأصالة”، أي خوف المشاهدين المحليين من غيرهم، وبالتالي، نفورهم منهم، والإستنفاع منهم، ومعاداتهم لهم. فمن لم يقرأ مقالةً عنصرية ضد السوريين في هذه الجريدة أو تلك؟ ومن لم يشاهد تقريراً عن الفلسطينيين على هذه الشاشة أو تلك؟ ومن لم ينتبه إلى أن المؤسسة التي تتعمد الترويج لنفسها عبر عنونة مقالاتها فضائحياً، تجمع بين أخبار الهجاس الأمني وأخبار الكبت الجنسي وأنباء الرهاب من اللاجئين؟ من لم يلاحظ أن التسويق للعنصرية صار جزءاً من التسويق الإعلامي في البلاد، مع العلم أن التسويق هنا شكله سوقي للغاية؟
فعلى وقع الحملة الرسمية ضد حق المرأة في نقل جنسيتها إلى أولادها بحجة “التغير الديموغرافي” و”التوطين” و”الاإختلال الهوياتي”، بثت قناة “أم.تي.في” حلقة برنامج “تحقيق” الأخيرة، والتي حملت عنوان “نسبة الولادات لدى السوريين تتضاعف”. وكالعادة، راحت أبو ناضر هندي إلى موضوعها ونظرت إليه بعين البُعد النافي له، وبتظهير مشكلته في سبيل تشويقي. ذلك، على أساس الموسيقى الإيقاعية، التي تثير الفزع أو الشفقة، والتصوير المتلصّص، الذي يتأرجح بين التقاط العتمة والتباطؤ وتقريب العدسة على الوجه بغاية المحاصرة. مثلما استعملت الإعلامية عبارات، تتكرر في الأحاديث العامة، التي لا تعتبر مجالاً لطرح الأسئلة الفعلية، كـ”الحبل ع الجرار” مثلاً.
سرعان ما اختزلت مسألة النزوح بمسألة الولادات في المخيمات، ومن ثم، تحوّلت إلى مجرد “عبء” يجب التخلّص منه بطريقة تشميلية هلعة. وعندما يقول أي لاجئ في هذا “العبء”، يبدو كأنه غير مدرك له، وحين يقول طبيب فيه، يصفه بأنه “غير مضبوط”، ولما تقول القابلة القانونية فيه، تطرحه كأنه ينم عن إرادة جاهلة. ولا يجد المسؤول السياسي مناصاً من المقارنة بين أعداد اللبنانيين وأعداد السوريين، وتخطي الثانية للأولى.
لا يكتفي البرنامج المرهوب بضرب حصاره التصويري والكلامي حول اللاجئين ومشكلاتهم، التي من البديهي الإشارة إلى أن طرحها وحلها لا يكون بالإرتكاز إلى مقولات الرأي العام، وما تنطوي عليه من خشيات ومنازع عنفية وملتبسة ومفتعلة. لا يكتفي البرنامج بحصاره، وتقديم السوريين، بدءاً من عنوان حلقته، على أنهم موضوع للعدّ والإرتياع، بعيداً عن سياق هربهم من المجزرة الأسدية، وسياق اعتقالهم في وضع مُعاشي، يقع في ما دون اللجوء.
“لقد تخطوا أعدادنا”، هذا هو القول-الفصل بالنسبة للـ”تحقيق”، الذي تتحدث إعلاميته، وبالمطلق والشائع من مدونة “علم النفس”، عن “اللبناني”، الذي، وبسبب “عدم قدرته على تحمل أعباء النازحين السوريين”، أصيب بـ”أزمات نفسية حادة” لدرجة رفضه “دفن الموتى من النازحين” في مقابره… يا لتفاهة المعالجة، يا لـ”تحقيق” الكراهية!
مشهد من مقبرة عكارية، وتعليق صوتي عن كونها “امتلأت” لأنها “تضم عشرات القبور للسوريين”. مشهد من المخيمات، وكلام عن إعانات مالية، تعطى للسوريين من أجل دفن موتاهم. “قصص” تثير الشفقة، وتصور النازحين من خلال التركيز على إثارة التحنن عليهم من جهة، واحتراس وجودهم من جهة أخرى، أي الكلام عن موتهم من جهة، والرغبة فيه، بوصفه نهاية الـ”عبء” الذي يفرضونه في البلاد، من جهة أخرى.
على هذا النحو، النازحون في الـ”تحقيق” مجرد ضحايا، إما يجري العطف عليهم بعد موتهم، أو يجري التخلص منهم. “عبء الضحايا”، هذا هو العنوان المرادف لعنوان الحلقة، التي لم تطرح مشكلة على الإطلاق، بل طرحت إجابة سائدة، ومتنكرة بإعطاء الكلام لموضوعها. ذلك، بعد حصره في إطار مرسوم سلفاً عنه، وبعد تحديده كعدو “اللبناني” غير المعلن.
ماذا يفعل الإعلام في لبنان؟ ماذا يقترف؟ إعلان “الغرباء”، كعدو للجمهور “الوطني”، ذلك، بعد أن يُصنع خوف الأخير وكبته وقلقه، وحرف مشاعره نحو النازح أو اللاجئ. “هؤلاء هم أعداؤكم”، يقول الإعلام في لبنان لمشاهديه “المحليين”، “إنتبهوا قد يخلوا في توازنكم السكاني، إرتعبوا من كيفية تعاطيهم مع الموت، خافوا من إعطاء جنسيتكم لهم، فليصيبكم الرهاب من مشاكلهم التي لا حل لها سوى بالإنتهاء منهم، أنظروا أنهم يعانون، احزنوا، ثم ألقوا المسؤولية عليهم، فهل نسيتم ماذا فعلوا بكم، وماذا فعلوا ببلدهم”.
هذا هو قول المحطات، قول الصحف، قول الإذاعات، وقول المواقع، ومعهم وقبلهم، قول الدولة، وقول العالم… بعد ذلك، لا أحد يعتقد بأن المصفقين لوزير العنصرية وغيره، سيكونون قلة، إنهم المأهولون بالرأي العام. إنهم المصنعون في معامله وبرامجه. متى تتعطل تلك المصانع، كيف؟!
اقرأ:
(أخرجونا من لبنان) حملة للمطالبة بتغيير الواقع المأساوي للاجئين السوريين في لبنان