Archived: د. محمد أحمد الزعبي: أين الخلل ؟

د. محمد أحمد الزعبي: كلنا شركاء

لايمكن لاحد أن ينكر أو يتنكر لخلل الممارسة الذي أصاب جناحي المعارضة الرئيسيين ، المدني والعسكري ، والذي أدى عمليا ( الخلل )  من جهة الى إطالة حرب الاستنزاف بين الثورة والنظام ، وبالتالي إراقة الدماء ومن جهة اخرى الى تقلص حجم ومساحة المواقع التي سيطرت عليها المعارضة الوطنية والجيش الحر ، ومن جهة ثالثة الى برود همة بعض الثوار ، وابتلاعهم الطعم  ( السم في الدسم ) الذي وضعه لهم  أعداء ثورات الربيع العربي ، من العرب وغيرالعرب ، ولا سيما طعم فوبيا الديموقراطية والإسلام . 

 هذا ويمثل الخلاف السني الشيعي ، والموقف المتباين لكلا الطرفين من ثورات الربيع العربي  ، الفخ الأكبر والأخطر الذي نصبه أعداء  هذه الثورات لوقف دومينو الديموقراطية في الوطن العربي عامة  وفي سورية والعراق ومصر خاصة ، ولحفر هوة عميقة من جهة بين القومية العربية والدين الاسلامي ، ومن جهة أخرى بين الأقلية والأكثرية داخل الوطن الواحد ، تلك الهوة التي زاد في عمقها وخطرها المتطرفون من كلا الطرفين ( داعش البغدادي ، وقاعدة الظواهري ، وشبيحة الأسد ، ومليشيات المالكي وولي الفقيه ) ، ولا سيما بعد وصول حافظ الأسد الى السلطة في سوريا عام ١٩٧٠ ، والخميني  في إيران   1979، والغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣  ، وهو ماانعكس سلبا على أداء الثورتين السورية ( منذ ٢٠١١ وحتى اليوم ) والعراقية ( منذ ٢٠٠٣وحتى اليوم ) ( والمصرية منذ تموز 2013 وحتى اليوم ) . 

 لايمكن لاحد أن  ينكر أو يتنكر، للعلاقة الجدلية (التأثير المتبادل أفقيا وعموديا) ) بين ثورة آذار السورية  ، وبين ماجرى ويجري في كل من مصر والعراق الامر الذي يعني أن  الموقف السلبي للقوى والأطراف المعادية لثورة الشعب السوري الوطنية والديموقراطية  سوف يظل على حاله ، سواء في إطار الجيش الحر أو في إطار أية تسمية أخرى ،  من حيث استمرار أعداء الربيع العربي ، في الداخل والخارج ، بالعزف على  نغمة مكافحة الإرهاب ، وتدعيش الحراك الوطني الديموقراطي المرتبط بهذا الربيع ،  ولاسيما في مصر وسورية والعراق ، وبالتالي الحفاظ على الأنظمة الموالية للخارج  في هذه الدول و المقبولة من ( روسيا وامريكا وإسرائيل وإيران )،  وبغض النظر عن التصريحات التضليلية لهذا الطرف او ذاك ، من         ” أصدقاء الشعب السوري !!” ، و التي  ظاهرها الرحمة وباطنها التضليل والكذب . إن ماتقوم به روسيا في  شمال سوريا وجنوبها هذه الأيام وسكوت هؤلاء الأصدقاء المحترمين (!) على ذلك ،هو الدليل العملي على مانقول .

كما أن الموقف المتفرج للدول الكبرى (دول المصنع والمدفع )على تدميرالأنظمة المستبدة والفاسدة  لثورات الربيع العربي ، لمنع وصول لهيب هذه الثورات  الى الأنظمة التابعة لهم ، والحامية لمصالحهم ، ولا سيما ” إسرائيل ” ، إنما هو الهدف الحقيقي الكامن وراء هذا الموقف المتفرج لهذه الدول ، على مذابح أطفالنا ، وتدمير بيوتنا ، والفتك  بأرواح رجالنا ونسائنا  . إن التذرع بداعش مرة ، وبالنصرة أخرى ، إن هو الّا الذريعة الواهية ، بل ورقة التوت التي تحاول تلك الدول المعنية التابع منها والمتبوع ، ستر عوراتها الأخلاقية والسياسية  بها . بل إن داعش بالذات ليست أكثر من ” حصان طروادة ” الذي تتلطى خلفه هذه الدول ( العظمى منها وغير العظمى ) وصولاً إلى هدفها الرئيسي في تدمير ثورات الربيع العربي وعلى رأسها ثورة آذار 2011  السورية ، التي باتت شعاراتها تقلق هذه الدول . لقد جاءت القوات الروسية واحتلت سوريا للقضاء على داعش ، وجاءت قبلها دول التحالف الستيني لهذا الغرض ، وها هي داعش ( باقية وتتمدد ) .

   إن الصورة القاتمة التي ذكرناها أعلاه ، تسمح لنا بأن نقول بصوت عال وواضح ، والكلام هنا موجه بصورة أساسية للمعارضة السورية ، في الداخل والخارج :  إذا كان الخيار بين التوافق أو المواجهة بين أطراف وأطياف هذه المعارضة ، فنحن ننصح كافة هذه الأطراف والأطياف ، أن يكون خيارهم جميعاً  ودو ن استثناء ، التوافق فيما بينهم ( ولو في إطار الحد الأدنى) ، والمواجهة المشتركة  مع النظام القمعي الوراثي الديكتاتوري  لعائلة الأسد ، وأيضاً مع صنيعته حركة داعش المتطرفة والتي تضرب بسيف الإسلام والإسلام منها براء ، وهو ما يعني – عملياً- ضرورة تأجيل الخلافات السياسية والحزبية والأيديولوجية بينهم، وأعني بالضمير المتصل  ” هم  ” الثيارات الرئيسية الأربعة في المعارضة  ( القوميون ، الإسلاميون ، اليساريون ، الليبراليون ) وهي خلافات موجودة ومشروعة ، إلى مابعد تحرير الوطن من  براثن هذا النظام الفاسد وحماته ، وإقامة البديل الديموقراطي ، حيث ستكون  عندها الأبواب مشرعة للتنافس الحر الوطني والسلمي والشريف بين كافة مكونات هذه المعارضة  الوطنية ، دونما استثناء .   

 ان الاختلاف في الرأي بين الناس ، ـ بطبيعة الحال ـ ، هو أمر مشروع  ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض …)  ولكن هذا الخلاف يجب أن يحمي الارض ( المجتمع / الوطن / الامة )  من الفساد ، لا أن يكون هو نفسه سببا لهذا الفساد ،  فالأرض هي بستان الإنسان ، وكلما تعددت ألوان الورود والزهور في هذا البستان كلما كان اجمل وأكمل  ، دعونا نختلف  ، ولكن دون أن نفترق  ، لتتعدد الورود والزهور ، ولكن في إطار وحدة البستان  ، فالمجتمعات البشرية ،  تشبه  يد الإنسان  التي تتمايز أصابعها ، ولكن هذا التمايز( هذه التعددية ) هو شرط عمل هذه اليد في تأديتها لوظيفتها في خدمة هذا الإنسان . ولايهم أن يكون  اسم الجناح العسكري من الثورة ، الجيش الحر ، أو الجيش الوطني السوري ، أو أي اسم آخر ، وإنما المهم هو أن يكون الثائر للثائر سواء أكان مدنياً أو عسكرياً ،  من  الثوار السابقين أواللاحقين ، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، وأن يكون هدف الجميع واحداً ، ألا هو إسقاط النظام  الديكتاتوري

الطائفي الراهن ، بكل مرتكزاته ورموزه  ، وإقامة  نظام وطني مدني ديموقراطي تعددي على أنقاضه. 

 يمكننا ان نلخص الصراع الدائر اليوم ضمن وحول ثورات الربيع العربي عامة ، والثورة السورية خاصة بالصراع بين مثلثين : مثلث عسكري قاعدته روسيا ، وضلعاه الآخران  إيران  والأسد ، ومثلث مدني قاعدته مبدأالمواطنة ، وضلعاه الآخران الدستور وصندوق الاقتراع النزيه والشفاف .

ومن المؤسف أن نرى بعض اليساريين  العرب يطبّلون  ويزمرون لمثلث الديكتاتوريات العسكرية ، على حساب مثلث الديموقراطية المدنية ،  وتحت ذرائع واهية ماأنزل الله بها من سلطان  . ويبدو أن الصمت في بعض الحالات أبلغ من الكلام .  

اقرأ:

د. محمد الزعبي: رحم الله أبا جابر





Tags: محرر