on
Archived: عبد الرزاق الصبيح: هكذا نجوتُ واحترق الأطفال
عبد الرزاق الصبيح: كلنا شركاء
كنت متلهفاً لرؤيتها، واستبقت شمس الأوّل من أيلول راكباً دراجتي النارية، والوجهة مدينة صوران التي تمكّنت كتائب الثوار من تحريرها لأول مرة ليلة ذلك اليوم، ولكن سرعان ما تبدّل فرحي حزناً قبل أن أصل إليها، مع رؤيتي جثث الأطفال تحترق، وتواجدي في مكان استهداف غارة جوية بالقنابل العنقودية لسيّارات النازحين.
ومع رؤية أول سيّارة لنازحي صوران شعرت بالألم، وحبست أول بسمة، رأيتهم يبكون، كانت مئات السّيارات تتجه شمالاً، وكنت أتّجه جنوباً كانت الأمتار القليلة التي انعطفت فيها عن الطريق سبب نجاتي من موت محتّم، وسمعت صوتها الصّاخب، وشعرت بضجيجها وآثارها، على المدن المحررة حديثاً، إنّها طائرات بشار الأسد الحربية كانت ترافق رتل سيّارات النّازحين من النساء والأطفال، من مدينتي طيّبة الإمام وصوران على طول الطريق وصولاً إلى ريف ادلب شمالاً.
تقدّمت قليلاً وارتفع الصّوت كثيراً، نظرت إلى السّماء لتتضّح صورتها، وكأنّني أراها أوّل مرة، كانت كبيرة جداً، طائرة حربيّة كانت تتساقط منها حبّات وتنفجر، وكانت تكبر كلما اقتربت منّا، وما هي إلاً لحظات حتى وجدت نفسي أرضاً، وسط غمامة من غبار ودخان، ونيران تلتهم سيّارات كانت على بعد أمتار عن مكان تواجدي.
تثاقلت أطرافي وكانت الدّنيا كلّها تدور من حولي، تحسّست جسدي لأجد قطرات الدماء من يدي، حركّتها فتحركت، فلم أعطها اهتمامي، ونظرت يميناً لأرى سبب كثافة الدخان بالقرب منّي، لأجد حافظة قنابل عنقودية، والقنابل العنقودية تملأ المكان، كانت غارة جوية بالقنابل العنقودية شنتها طائرة حربية غلى سيارات المدنيين النازحين من مدينة صوران.
كانت أمّهم تقترب وتبتعد، تقترب لانتشال جثث أبنائها وهم يشتعلون داخل السّيارة، وتبتعد فور ملامستها لصندوق السيّارة، كانت النيران تلتهم المكان، وتمتد لسيّارات أخرى قريبة، بينما يفرّ المدنيين من السّيارات الأخرى بسرعة، وبين الذّهول والخوف يقف العشرات من المدنيين أمام المكان.
اقتربت قليلاً وناديت بأعلى صوتي، ساعدونا في حمل المصابين واطلبوا سيارات إسعاف، وحملت جثّة غضة.
بين مهنيتي كصحفي وإنسانيتي، اخترت الثانية، وتركت الكاميرا التي كنت أصور بها، وحملت طفلاً لم يتجاوز عمره الخمس سنوات، ولازال الدخان يتصاعد من جسده الطري، ووضعته في سيّارة كانت فيها كومة جثث، وسمعت صوتاً بين يدي إنّه الطّفل الذي حملته مازال حياً، كان من بين الجثث المتفحمة والتي تجاوز عددها سبعة جثث كانت متفحّمة، بينما كانت الدماء تسيل من على وجوه الباقين.
دموع الأطفال والنّساء وأصوات صراخهم، على طول طريق النزوح والذي امتدّ لأكثر من خمسين كيلومتراً، ومع ثقل همّهم، أضافوا حملاً آخر من أمتعتهم من الأدوات التي خفّ حملها وغلا ثمنها، وكأنّهم يعلمون بأنّ مدنهم سوف تصبح بعد أيّام أثراً بعد عين، كباقي مدن سوريا، والتي خرجت عن سيطرة النظام باتت ركاماً.
عندما تنتقل بعدسة الكاميرا من جبهات القتال وتتّجه لمناطق المدنيين، لاسيما بعد أن تركتها طائرات الأسد، واتّجهت لاستهداف المدنيين لتقتلهم وانتقلت لبيوتهم لتدمّرها، عندها تدرك حجم المؤامرة التي لطالما تحدّث عنها بشار الأسد عبر سنوات، ولكنها بالفعل مؤامرة على الشعب السّوري.
اقرأ:
غارات جوية تحرق سيارات نازحي صوران بمن فيها
Tags: محرر