Archived: د. حبيب حداد: سورية في مواجهة تحديات المصير واستحقاقات صنع المستقبل المنشود

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

تواجه سورية اليوم , وبعد انقضاء أكثر من خمس سنوات على انطلاقة ثورتها الشعبية التحررية ,تحديات غير عادية . تلك التحديات لم تعد تتعلق  فحسب بفشل واخفاق جانب او اكثر من جوانب التنمية الانسانية الشاملة التي ما يزال المجتمع السوري يفتقدها, كالجانب الاقتصادي مثلا او الجانب الثقافي والتعليمي او مايتعلق بعدالة ونزاهة القضاء ومكافحة اسباب الفساد والرشوة والاستغلال والتمييز الذي تمارسه اجهزة السلطة , أو نتيجة مناخ التصحر السياسي الذي ترافق بتغييب الحريات الديمقراطية الأساسية واستلاب اهم حقوق الفرد –المواطن . كما ان تلك التحديات ,من جانب آخر , لم تعد تقف عند حدود العوامل والأسباب التي تولدت عنها والتي كانت وراء انحراف مسار الثورة السورية     واغتيال اهدافها     . وادت في حصيلتها الى المأساة الوجودية التي تعيشها سورية اليوم .

لقد كنا دوما ,وفي كل مناسبة  , نؤكد على خطورة تلك العوامل والأسباب التي اسهمت في اجهاض ثورة الشعب السوري الوطنية التحررية وقادت الى المحنة الحالية التي يكتوي بأوجاعها  ,والتي اضحت الأن موضع  اعتراف وقناعة جماعية من معظم السوريين على تباين تواجدهم الجغرافي وعلى اختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسية . وفي هذا الصدد كنا وما زلنا ننطلق من اولوية التركيز على معالجة جوانبب الخلل والقصور في حال ودورالعامل الذاتي , اي حالنا نحن : اوضاع مجتمعنا و اوضاع معارضاتنا التي كان المطلوب منها ان ترتفع في وعيها وفي رؤيتها وفي خطابها وفي ممارساتها الى مستوى المسؤولية الوطنية التي القيت على عاتقها ,مسؤولية انهاء نظام الفساد والاستبداد الشمولي وانتقال سورية الى الحياة الديمقراطية المعاصرة . كان هذا في رأينا ما يتفق مع المنهج العقلاني الموضوعي في تشخيص معطيات الواقع الراهن وفي صياغة الرؤية الصحيحة  واختيارالطريق المأمون لتحقيق تطلعات شعبنا في الحرية والكرامة والمستقبل الأفضل . لقد اصبح واضحا ومعروفا لنا ,نحن السوريين جميعا , ماهية ومصدر تلك العوامل والأسباب التي كانت وراء انحراف مسار الثورة السورية ووراء أبعاد المأساة التي تتابعت فصولها وتعاظمت مخاطرها باستمرار والتي كان في مقدمتها : عسكرة الثورة , وتدويلها وانخراط المعارضات السورية كادوات تنفيذية في اجندات الدول الاقليمية التي وقفت من بلادنا ومن غيرها من  الاقطار العربية الأخرى التي كانت تمثل الأعمدة الرئيسية لحركة التحررالعربية وللأمن القومي وللعمل العربي المشترك ونعني بها تحديدا مصر وسورية والعراق والجزائر والثورة الفلسطينية , وقفت منها دوما وعمليا في الصف المعادي لها ولتطلعات شعوبنا في النهضة والتقدم ومواكبة مسار العصر .   وهذه الحقيقة التي يعرفها القاصي والداني هي بلا شك تعبير موضوعي عن طبيعة تلك الأنظمة وهدفها الاساس في دوام سلطتها وتحكمها بمصائر شعوبها الى اطول امد ممكن .

نعم كانت تلك رؤيتنا منذ البداية , منذ ان انتفض الشعب السوري وكسر جدار الخوف مصمما على استعادة حريته وحقوقه المصادرة و صيانة كرامته المنتهكه وحقه في تقرير مصيره وصنع مستقبله , مبرهنا في حراكه الشعبي السلمي على استعداد غير محدود للتضحية في سبيل تحقيق اهدافه المشروعة تلك . لم نركز كثيرا على مواقف النظام والسلطة الفاشية وما اذا كانت ستستجيب لمطالب الحراك الشعبي لأن بنيتها ومصالحها لا تتركان مجالا لمثل تلك التوقعات بل ان مواقفها الحقيقية توضحت منذ الايام الأولى لانطلاقة الثورة السورية عندما اعلنت الحرب على شعبها وواجهت مظاهراته واحتجاجات السلمية بالحديد والنار , وعندما استعانت بعد ذلك بالدول والمنظمات الحليفة لها في كسر ارادة الشعب السوري بحيث اصبح الكل على قناعة تامة بان هذا النظام لن يستجيب لمطالب الشعب السوري الا اذا ارغم على ذلك وفرضت عليه خطوات الحل المطلوب وهنا تكشفت  طبيعة المسألة الرئيسية والتي ادى عدم توفر موقف موحد ازاءها  الى تشرذم قوى المعارضة السورية وتشتت جهودها وخاصة منها القوى الوطنية الديمقراطية العلمانية . اما طبيعة تلك المسالة الرئيسية التي كان وما يزال توحد الرؤية حولها مفتقدا فتتلخص بمايلي :اذا كان نظام الاستبداد غير قابل للاصلاح بآلية ذاتية فيه ,واذا كان هذاالنظام لن يرحل من تلقاء نفسه , فلا بد ان تتوفر في مجرى الصراع السوري وبين طرفيه اي النظام الحاكم من جهة وقوي الشعب السوري المدنية والسياسيه ميزان قوى يفرض الحل الذي يستجيب لمطالب الحراك الشعبي عبر سيرورة  تستكمل خطوات التغيير الديمقراطي الشامل وبما تستلزمه من استحقاقات مطلوبة  . سيرورة تنقل سورية :الدولة والمجتمع والمواطن الفرد , الى بديل افضل بالتاكيد , من الوضع الذي قامت الثورة لانهائه . هنا كان مصدر الخلاف والتعارض , بل الانحراف في مواقف العديد من تشكيلات المعارضات السورية حول الفهم الموحد لتحقيق ميزان القوى المطلوب في ساحة الصراع السوري عندما ارتهن العديد من اطراف المعارضة للسياسات الدولية وسلكوا طريق العسكرة المزروع بكل الألغام و الذي انتهى الى الأوضاع المأساوية الراهنة اي الى ان تصبح القضية الوطنية السورية بؤرة الصراع في المنطقة كلها والذي تحول الى حرب اهلية مذهبية مدمرة بتقييم كل المراقبين السياسيين المحايدين .

لقد أكد تطور الوقائع والأحداث على مدار السنوات الخمس الماضية ان ميزان القوى المطلوب لتحقيق اهداف ثورتنا انما يتاسس على جملة من العوامل الذاتية  الأساسية التي تتعلق باجتماعنا الوطني, قبل اي اعتبار آخر , والتي ينبغي عدم التفريط بها تحت اي ظرف من الظروف وهي اولا, وضع حد وبأسرع وقت ممكن ,لهذه الحرب المقتلة التي دمرت كياننا الوطني وادمت ومزقت لحمتنا الوطنية,وهي ثانيا استعادة وتصليب وحدتنا الوطنية , وهي ثالثا تجسيد هذه الوحدة الوطنية في اطارواحد من خلال مؤتمر وطني عام باشراف الأمم المتحدة يتوافق على هيئة انتقالية تقود مرحلة التغيير والانتقال الديمقراطي .

فترة معقولة ومتفق عليها وذلك بالإستناد الى رؤية موحدة تنسجم مع قرارات الامم المتحدة بشأن الحل السياسيالمسالة السورية. هذا هو في راينا المتواضع السبيل الصحيح لتوفير ميزان القوى المطلوب لانقاذ بلدنا وتحقيق تطلعات شعبنا والذي عبرنا عنه  في كل المناسبات وتشاركنا فيه مع العديد من ابناء شعبنا العاملين بصدق واخلاص من اجل سورية الديمقراطية العلمانية الموحدة .واذا كان البعض , وهو على حق في ذلك , يرى ان حديثنا هذا قد فات اوانه لأن حل المسألة السورية اصبح الآن  بيد المجتمع الدولي حصرا وخاصة بيد الدولتين الراعيتين وهما روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية اللتين يبدو انهما وبعد اجتماع وزيري خارجيتهما الأخيرعلى وشك الإتفاق الآن على صياغة الإطار النهائي للحل السياسي في سورية, اذا كان هذا هو واقع الحال الذي قد لا يشك فيه اثنان فان تعزيز دور العامل الذاتي المتمثل باسماع صوت الشعب السوري ,وعدم تجاهل أو تغييب ارادته الحرة, كفيل بان تكون كل الحلول المطروحة غير مناقضة لمصالح شعبنا بل ,ويمكن لنا ان نتصرف بوعي ومسؤولية وبعد نظر, اذا كانت مصالح تلك الدول المؤثرة في الوضع السوري متقاطعة مرحليا مع مصالح الشعب السوري .

بتأكيد وحدتنا الوطنية والتزامنا المخلص في الموقف والسلوك والممارسة بالمشروع  الوطني الديمقراطي السوري الموحد هذا الالتزام الذي يستوجب اول ما يستوجب الابتعاد عن تبني اي مشروع أخر من قبل مكونات شعبنا القومية والإثنية والثقافية والدينية , بذلك نضمن انتصار مشروعنا الديمقراطي الموحد الكفيل بدوره  بإتاحة كل الظروف المناسبة  في مستقبل قريب لاقرار كل الصيغ التي تكرس مبدأ المواطنة الحرة بين السوريين دون اي تمييز ,والذي هو الأساس في اي نظام ديمقراطي حقيقي . هذا هو قدر سورية كما نؤمن وهذه هي معطيات وحقائق الجغرافيا والتاريخ التي تشهد على ان سورية التي ستولد من جديد ,ان سورية المستقبل ستكون هذه سماتها وهويتها وهذا هو دورها  ,وبغير  ذلك لا تكون بعد سورية التي عشقناها وعشنا من اجلها ,سورية وطن الأجداد والأباء والاحفاد .

هل نحن نحلم او نتسلح بتفاؤل غير موضوعي اذا كنا نتوقع ان يستدرك السوريون  في اقرب الآجال عوامل القصور والفرقة والانقسامات ويتسلحوا بهويتهم الوطنية الحضارية المتجدده لقهر وكنس كل قوى القهر والاستبداد والفساد وكل قوى الارهاب والتخلف والظلام ؟. سنظل في عتمة المحنة المصيرية التي تخيم على وطننا محكومين بالأمل منتظرين خاتمة قريبة لاحباط  وتشاؤم الإنسان السوري المعذب , ونهاية لما يستعيده ويردده في هذه الظروف الصعبة وفي  كل وقت مع شوقي   :

بالأمس قمت على الزهراء أندبها                                    واليوم دمعي على الفيحاء هتان

اقرأ:

د. حبيب حداد: الحق فوق القوة وإرادة الشعب السوري هي العليا





Tags: محرر