Archived: سمير العيطة: سوريا ونساؤها

سمير العيطة: السفير

هناك سؤال مطروح على النساء قبل الرجال: هل هناك قضيّة نسويّة في سوريا ذات خصوصيّات ونضالات خاصّة تستحقّ تمييزها عن مجمل قضايا الحريّات العامّة؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلّب تدقيقاً في المعاني الضمنيّة لشعارات رُفعت منذ انطلاق انتفاضات «الربيع العربي». شعارات «الحريّة والكرامة» و «الدولة المدنيّة الديموقراطيّة» و «دولة المساواة في المواطنة والحريّات».

الإجابة على هذا السؤال كانت أكثر وضوحاً في الماضي غير البعيد، في سوريا كما في كثيرٍ من البلدان العربيّة. حيث برزت اتحادات نسائيّة ووزارات لشؤون المرأة دافعت حصريّاً عن قضايا النساء. ثمّ جرى انزلاقٌ واضحٌ تدريجيّاً كي يغيب مطلب تحرّر المرأة أمام… شؤون الأسرة. وتمّ التخلّي الواضح أيضاً عن إرثٍ نشأ منذ القرن التاسع عشر عبّر عنه رفاعة الطهطاوي بقوله «إذا كانت البطالة مذمومة في حقّ الرجال، فهي مذمّة عظيمة في حقّ النساء».

لم يأتِ هذا الانزلاق فقط من السلطة الحاكمة التي هيمنت على الحركات النسويّة وعملت على إضعاف أثرها. بل أتى أيضاً وأساساً من غالبيّة القوى السياسيّة والمدنيّة، حتّى تلك التي كانت تدّعي التقدميّة واليساريّة، والتي غابت قضايا النساء عن خطاباتها ونضالاتها.

في السنوات العشر الأخيرة قبل الانتفاضة، حلّت كارثة بالنساء وانخراطهنّ في قوّة العمل. لقد أطلقت السلطة سياسات التحرّر الاقتصادي التي أدّت إلى نزوح سكّان القرى العاملين بالزراعة إلى المدن، وانخفضت بالتالي مشاركة النساء، المتدنيّة أصلاً بأيّ منظورٍ عالميّ، في العمل من 21 في المئة إلى 14 في المئة. ثلثا النساء العاملات بالأرض فقدنَ سبل عيشهنّ. ولم يتمّ إنقاذ سوى بعض المتعلّمات، بحيث أضحى 56 في المئة من مجمل النساء المشتغلات موظّفات حكوميّات، في التعليم والتمريض كما في الإدارة.

استجابة السلطات لهذه الكارثة كان في تحويل الملفّ لمنظّمة ترعاها من تطلق عليهنّ تسمية «السيّدة الأولى» كما في مصر حسني مبارك! أمّا القوى السياسيّة ومعظم مفكّريها، حتّى أولئك «المناهضين للاستبداد»، فكانوا منشغلين بقضايا أخرى. ذلك إلى أن حلّ مشروعٌ حكوميّ لقانون أحوال شخصيّة عبّأ طيفاً واسعاً ضدّه من التيارات الفكريّة والسياسيّة كلها٬ على خلفيّة أنّه لا يجوز استخدام تعبير «موطوءة» في نصّ قانونيّ في العصر الحديث. بل إنّ «المعارضين» امتدحوا في أوراقهم سياسات التحرير الاقتصادي الاجتماعي على أمل أن يتبع ذلك «مشاركة سياسيّة».

فاقمت الانتفاضة وتحوّلها إلى صراع مسلّح من الكارثة التي حلّت بالنساء. فكانت كوارث النزوح الداخليّ والهجرة لتُبرز معاناة الفقر والعُزلة والعنف الأسريّ وزواج القاصرات وعملهنّ والتطرّف وحرمان الأولاد من مدارسهم والتصادم مع المجتمعات المضيفة للنساء أكثر ممّا هو للرجال، خاصّة أنّ أغلبهنّ أضحينَ هنّ حقّاً… في موقع «ربّ العائلة». هنّ يقمنَ بالعمل الاجتماعيّ، في حين يُقاتل الرجال ويُقتَلون. هنّ فقط «حرائر» لثورةٍ تحوّلت إلى حربٍ طائفيّة ذكوريّة برغم الانخراط الكبير للنساء في الحراك المدنيّ الأوّل ومن جميع الطوائف. هنّ فقط «ضحايا»، كما الأطفال.

عندما تُطرَح هذه القضايا النسويّة في النقاش العام تتردّد إجابات من نوع أنّه من الصعب إيجاد نساء ذوات كفاءات٬ وكأنّ موضوع الكفاءة ليس أصلاً مطروحاً بالنسبة للسياسيين الرجال٬ وإجابات أخرى مفادها أنّ التحالفات والتفاوض والتسويات، أمورٌ تستدعي التخلّي ربّما عن بعض حقوق النساء.

هذا كلّه يُعيدنا إلى السؤال الأوّل عن وجود قضيّة نسويّة في سوريا وأهميّتها للوصول إلى الحريّة كما السلام. سؤالٌ النساء هنّ من يُجِبنَ عليه٬ خاصّة أنّ تعاظم عدد القتلى والجرحى الرجال في هذه الحرب الدامية، سيجعل النساء الغالبية الوحيدة الحقيقيّة في مجتمع سوريا ما بعد الحرب.

اقرا:

سمير العيطة: حلفاء تركيا وأصدقاؤها





Tags: محرر