Archived: د. محمد الزعبي: الأخوان داعش وبشار وأكذوبة الأولوية

د. محمد أحمد الزعبي : كلنا شركاء

قبل أن يظهر تنظيم داعش في سوريا عام 2013/2014 كانت الصورة الفوتوغرافية للوضع السياسي في سوريا  مع بداية ثورة آذار 2011 تشير ، بصورة أساسية إلى مايلي : 

الثورة السورية التي انطلقت من درعا  ( 18.03.2011 ) ثم عمت كافة أرجاء سوريا من أقصاها إلى أقصاها كانت تمثل مايصل إلى   80٪  – حسب تقديرنا الخاص – من الشعب السوري  ، بينما كان حجم نظام الوراثة الطائفي السوري بجيشه العقائدي ، وأجهزته الأمنية المتعددة و أتباعه ومريديه من اليمين واليسار ، لا يزيد على الـ 20 ٪ ، وهنا حسب تقديرنا الخاص أيضاً . وفي صورة توضيحية لهذه النسب المئوية التي أوردنا ها أعلاه  نقول : إن لكل من ثورة آذار2011 ،  ونظام  1970 الأسدي ، عمودا فقرياً مكسواً بمجاميع  اجتماعية مختلفة ومتفاوتة الوزن والشكل والحجم  والمضمون  من مكونات الشعب السوري  ، أما العمود الفقري  لثورة آذار ٢٠١١  فهم  ” العرب السنة  ”  ، بينما يتكون  العمود الفقري للنظام  من  ” الطائفة العلوية ” بصورة أساسية  . وإذا افترضنا أن الجزء الذي  يقف مع النظام من الطائفة العلوية  ( العمود الفقري للنظام )  يدور حول  8-9٪   ،من الشعب السوري ، فإن باقي ال 20٪ الموالية للنظام ، إنما تنتمي إلى باقي مكونات الشعب السوري ، الأكثرية منها والأقلية .  

تكمن الإشكالية هنا  ، في كون الأكثرية المشار إليها  أعلاه  ( 80٪) هي أكثرية  ” عزلاء ” ، في حين أن  الأقلية  ( 20٪ ) مدججة بالسلاح ، من بندقية كلاشنكوف  وحتى طائرةالميغ ٢٩ مروراً بكل أنواع الدبابات والمدفعية  ، الأمر الذي معه  فتح  عيون وجيوب بعض  قادة الثورة على الدول الخارجية من أجل التزوّد بالسلاح والمال الضروريين لاستمرار المواجهة مع النظام  ، ومن هنا بدأ تحول الثورة عن مسارها وأهدافها المعلنة  في ( استعادة الحرية والكرامة عبر إسقاط النظام ) ،  وتحولت الثورة بالتالي من أداة  للتغيير الديموقراطي الشامل في سوريا ، إلى إ قطاعات شبه عسكرية ، يديرها أشخاص تركز همهم على جمع المال والسلاح ، واللعب مع القريب والبعيد بل ومع النظام نفسه لعبة الظاهر والباطن ، لعبة المقول والمسكوت عنه ، وبالتالي لعبة تنفيذ طلبات ورغبات  مزوّد ي هذه الإقطاعات / القطعات  ( الثورية !! ) بالمال والسلاح  ،  السلاح الذي باتوا يوجهونه – ومع الأسف الشديد – إلى صدور بعضهم بعضاً ، ناسين أو متناسين  السبب  الأساسي الذي قامت من أجله الثورة ومن أجله وجد هذا السلاح  ، ألا وهو استعادة  الحرية والكرامة ، اللتين يصادرهما نظام عائلة الأسد ، منذ أكثر من نصف قرن ، إلى الشعب الذي هم أبناؤه والذي ثاروا هم أصلاً ( إن كانوا مايزالوا يذكرون أو يتذكرون ) من أجل حريته وكرامته . 

إن تلك الأخطاء التي أشرنا إليها أعلاه ، لا تلغي ، حتى ولو بلغت حد الخطايا ، أن هؤلاء المخطئين هم أبناء ثورة آذار المجيدة  ، وأنهم إن لم يستطيعوا إسقاط النظام اليوم ( بسبب أخطائهم ) ، فسوف يسقطونه  بالتأكيد غداً ( بعد تصحيح هذه الأخطاء ) ،  وستكون سوريا بهذا أول بلد عربي  ظل مصرا على  دوره التحرري وعلى أهدافه الوطنية والقومية كجزء لايتجزأ من ثورات الربيع العربي .  ولكي لا يحدث مثل هذا الاختراق  السوري للمخططات الإمبريالية  ،  عمدت  هذه الأخيرة التي تقودها في ظل النظام العالمي الجديد الولايات المتحدة الأمريكية ، إلى تكوين منظمة  داعش كيما توظفها في خدمة مخططاتها في الوطن العربي عامة وفي سورية والعراق خاصة ،ولاسيما أن مثل هذا التنظيم الطائفي ، يجيء ظاهرياً كرد سني ( يبدو منطقياً ومطلوباً )على التدخل الشيعي الإيراني المكشوف والمفضوح في العراق وسورية .

لقد كان على مايبدو أن ما سمعته هذه الليلة  ( الأربعاء 17.08.2016 )على لسان الخبير الأمريكي المختص  بالشأن السوري الذي كان يشارك في برنامج  ” ما وراء الخبر ” في فضائية الجزيرة  ،إنما يدخل في إطار اللعب بورقة هذه الأولوية  بين داعش والأسد ، وذلك حين بررالسيد الخبير التقاعس الأمريكي في دعم المعارضة السورية  ، والوقوف في وجه الاحتلال الروسي لسوريا ، بأكذوبة  ” الأولوية ”  ، مشيراً إلى أن أمريكا قد عرضت على المعارضة دعمها بالسلاح ، ولكن بشرط البدء بقتال داعش  وبعد الانتهاء من داعشيمكن متابعة القتال  ضد بشار الأسد حتى رحيله ، ولكن المعارضة أصرت على أن تكون الأولوية لقتال بشار ومن بعده داعش  ، وهنا بدأت الإشكالية المتعلقة بموقف الولايات المتحدة الأمريكية من ثورة آذار 2011 السورية . تذكرت وأنا أستمع إلى تبريرات هذا الخبير لموقف الولايات المتحدة الأمريكية من الثورة السورية  ، المثل لعربي القائل ” يكاد المريب يقول خذوني “ .

هذا وعرفت بل وتأكدت من جهتي بعد أن سمعت ما سمعت ورأيت مارأيت عن الموقف الأمريكي من  ثورة آذار 2011 ، وكنت أعرف  قبلاً ، مواقف كل من الموك وروسيا وتركيا وإيران من  مسألة هذه الأولوية ، أقول عرفت بل تأكدت  أن أمريكا وحلفاءها الدوليين هم من أوجد هذا السرطان  الخبيث في جسم أمتنا العربية  ، والذي يحتاج القضاء عليه  حسب قول الرئيس أوباما نفسه  إلى عدة عقود (!!) . إن هذه الـ ” عدة عقود ” هي واقع الحال  ماتحتاج إليه الإمبريالية العالمية للقضاء على الربيع العربي ، وليس للقضاء على داعش . ويدخل في إطار لعبة الأولوية هذه – على مانرى – السكوت الأمريكي على التدخل الروسي في سوريا والزيارات المتكررة لوزير خارجية أمريكا إلى موسكو وتبادل الابتسامات  ذات المغزى مع وزير خارجيتها .

إن ما يرغب الكاتب أن يقوله  للجميع  هنا ، وحول أكذوبة  مسألة الأولوية  بين الأخوين داعش و الأسد  اللذين ينطبق عليهما  المثل الشعبي ( شهاب الدين أضرط من أخيه )  هو تذكيرهم بقول أحد الشعراء  : 

            لاتقطعن ذنب الأفعى وتتركها     إن كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا .    

إن مانطالب ” الجميع ” به اليوم ، ومن بينهم أمريكا ، هو أن يكونوا ذلك ” الشهم ” .





Tags: محرر