on
Archived: سمير العيطة: حلفاء تركيا وأصدقاؤها
سمير العيطة : السفير
غالبية الانقلابات العسكريّة تقوم في دولٍ نامية ضدّ سلطات أصلاً غير منتخبة ديموقراطيّاً. لكنّ تبقى العلاقة بين احتمال حدوث الانقلابات والتنمية معقّدة وبعيدة عن البساطة. يزيد احتمال حدوثها مع أهميّة المؤسسة العسكريّة واتساع نفوذها بالتوازي مع هشاشة مؤسّسات الدولة أمام التدخّلات الخارجيّة.
لماذا إذاً جرت محاولة انقلابيّة في تركيا، البلد الصاعد اقتصاديّاً والذي ترسّخت فيه الديموقراطيّة الانتخابيّة منذ عشرين عاماً؟
لم تصدر المؤسّسة العسكريّة القويّة أيّ مطالب كما حدث قبيل انقلاب 1997 وبعده، ولا عن تنظيم فتح الله غولن الذي تمّ اتّهامه بالمحاولة. وما زال مبهماً ما الذي ربط بين المؤسّسة العسكريّة التركيّة الشديدة التمسّك بالعلمانية وبين تنظيمٍ «الحزمة» الإسلاميّ لغولن، الحليف السابق لحزب «العدالة والتنمية».
بقيت أسباب المحاولة في سياق التخمينات. هل أتت على خلفيّة تصاعد الحرب الأهليّة في المناطق ذات الغالبية الكرديّة؟ أم من الاستياء من أداء الحكومة في الملفّ السوريّ، خاصّة في ما يخصّ «داعش» و «القاعدة»؟ أو أنّ المحرّك كان خارجيّاً؟ كما يوحي غضب الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان ضدّ الولايات المتّحدة وبعض الدول الأوروبيّة التي ظلّت مواقفها متردّدة حتّى اتضح أنّ المحاولة الانقلابيّة قد فشلت، في حين سارعت روسيا وإيران إلى إدانتها منذ لحظاتها الأولى.
كان فشل المحاولة الانقلابيّة شبه حتميّ، بتوقيتها ومجرياتها. ما يرجّح فرضيّة الإسراع بها بعد انكشاف أمرها. وقد تداعت قوى شعبيّة وحزبيّة متنوّعة كثيرة لإنهائها، إضافةٍ لهيمنة الحكم على قوى الأمن التي تصدّت للانقلابيين. وقد ثبت أنّ غالبية الشعب التركي، بما فيه أنصار «حزب العمّال الكردستاني»، لا يرغبون بعودة حكم العسكر.
تداعيات هذه المحاولة الانقلابيّة على مستقبل تركيا ستكون استثنائيّة، بقدر ندرة احتمال حدوثها نظريّاً. أهمّ هذه التداعيات هي نهاية الوضعيّة التاريخيّة شبه المستقلّة للمؤسّسة العسكريّة التركيّة. ولذا يسابق الرئيس أردوغان الزمن في «تنظيف» هذه المؤسّسة من جميع الضبّاط ورثة هذا التاريخ. كما يبدو أنّه سيسارع إلى تحويل النظام السياسيّ للبلاد من برلمانيّ هشّ في جوهره مقابل الجيش، إلى نظامٍ رئاسيّ أكثر استقراراً. تحوّلٌ يُشبه ذلك الذي أسّس له الجنرال ديغول قبيل إعلان استقلال الجزائر.
إضافةً لهذه التحوّلات، سيسمح الزخم الشعبيّ الذي واكب نجاحه على المحاولة الانقلابيّة، على الأغلب، بالتخلّص من أنصار خصمه الحليف السابق، فتح الله غولن، وربّما في وضع هذا الأخير رهن إقامة جبريّة في جزيرة على غرار عبد الله أوجلان. وفي أفضل الأحوال، سيسمح النظام الرئاسيّ القويّ بإيجاد حلٍّ يحافظ على وحدة وسلامة تركيا للملفّ الكرديّ كما لملفّ «الحزمة»، أو لأحدهما على حساب الآخر.
ما ليس واضحاً هو مستقبل العلاقات مع الاتحاد الأوروبيّ، الذي شكّل الأمل بالانضمام إليه ركيزة أساسيّة للنهضة الاقتصاديّة ولترسيخ الاستقرار السياسيّ في السنوات الأخيرة. لكن إذا صحّت التكهّنات بأنّ روسيا بوتين هي من حذّرت تركيا أردوغان من الانقلاب، فإنّ مرحلةً جديدة قد حلّت وستجعل العلاقة مع أوروبا أكثر بروداً والتحالفات العالميّة أكثر مرونة.
وماذا عن الملفّ السوريّ؟ من اللافت أن ينتهي اللقاء بين الرئيسين الروسيّ والتركيّ بالعمل على التوافق عسكريّاً ضدّ «داعش»، بعد زمنٍ طويل من التشنّج مع الولايات المتحدة وأعضاء «حلف الأطلسي» حول هذا الموضوع بالذات، وبعدما كانت قاعدة أنجرليك التركيّة التي تنطلق منها طائرات التحالف ركيزةً للمحاولة الانقلابيّة. أمّا على الأصعدة الأخرى فلن تأتي النتائج سريعة. صحيحٌ أنّ روسيا لا تتخلّى عن «أصدقائها» السوريين بسهولة، وكذلك سيكون موقف تركيا. إلاّ أنّ التوافق بينهما يمكن أن يصنع حلاًّ سياسيّاً ذا مصداقيّة في سوريا. وروسيا كما تركيا بحاجة لمثل هذا الحلّ.
Tags: محرر