on
Archived: كامل عباس: مكافحة الإرهاب بالإرهاب؟!
كامل عباس – اللاذقية: كلنا شركاء
اعتدت كل صباح أن أذهب الى سوق الخضار في اللاذقية الكائن خلف الملعب البلدي , لكي احضر منه خضارا طازجة ورخيصة لعائلتي, واستمتع بنفس الوقت في التجول داخله الى جانب أناس بسطاء مدنيين وعسكر مثلي. لفت انتباهي هذا اليوم عدد الجنود الكثيف في السوق أكثر من العادة وكل منهم يتنكب بندقيته وشارته العريضة على صدره ( مكافحة الارهاب ) والى جانبها أحيانا اسم الجهة التي تكافحه مثل فرسان البحر وفرسان النمر ومغاوير الصحراء وجنود الأسد … الخ . زالت حيرتي عندما علمت أن باصات خلف الملعب تنتظرهم لنقلهم ربما الى كنسبا , ولكن في نفس الوقت قفز الى ذهني عنوان هذه الخاطرة .
ان المجتمع الدولي الرسمي الممسك بزمام قريتنا الكونية المعولمة يكافح الارهاب بالطريقة التي تمليها عليه أصحاب رؤوس الأموال والبنوك والمليارديريين في العالم , وهؤلاء تهمهم زيادة أرباحهم وثرواتهم, وقد وجدوا بإدارة الارهاب والفساد على المستوى العالمي منبعا خصبا لقهر الفقراء الذين يريدون من العولمة أن تظهر وجهها الانساني لهم .
- من يظن ان النظام السوري ومخابراته تحديدا لايفهمون اللعبة على المستوى العالمي هو واهم , لا بل ربما كان ذلك البعد هو الذي شجعهم على عدم تقديم أي تنازل لشعبهم يخسرون فيه جزءا من سلطتهم وثروتهم . المخابرات السورية تعرف حقا ان الغرب وامريكا والعالم بحاجة الى ملفاتها حول الارهاب و وانها جميعاً لامصلحة لها بثورات على شاكلة الثورة السورية .
من لايصدق نحيله الى ما يجري في داريا , داريا بلد الاسلاميين المتنورين من مريدي الشيخ جودت سعيد الذي يرفض العنف بكل أشكاله , بلد الشهيد غياث مطر الذي استقبل الجنود السوريين بالورد والرز والرياحين وزجاجات الماء للعطشى منهم , داريا يصر النظام على إعادتها الى اراض صالحة لزراعة البطاطا بعد تدمير مبانيها كليا اقتداء بالرفيق الأعلى بوتين الذي دمّر مباني الشيشان على رؤوس ابنائها, وها هو العالم يكافئه على ذلك بدلا من محاسبته بتسليمه الملف السوري ليعيد شعبها الى بيت الطاعة بعد أن عجز النظام وحلفاؤه من الميليشيات الشيعية . حتى تكتمل المأساة المهزلة تشارك البرلمانات الأوروبية في دعم هذه السياسة بوفد برلماني يزور سوريا لينسق مع برلمانها وحكومتها من اجل مكافحة الارهاب ؟ وهكذا يساندون نهج المخابرات السورية الذي يقول : يجب أن تكونوا عونا لنا في حصار وتجويع هؤلاء الرعاع الذين يفسدون علينا وعليكم متعتنا بالثروة والسلطة .
ان اصرار الشعب السوري على طلب حريته واستمراره في ذلك مهما غلت التضحيات قد يكون إيذانا بإيقاظ الضمير العالمي ليضغط على قبضايات حارتنا الكونية ليجبرهم على السير بما تقتضيه ثقافة وحضارة الجنس البشري من وجه انساني يعتمد حماية المدنيين لا قصفهم بكل أنواع الأسلحة .
صحوة الضمير تلك بدأت في مدينة لندن . مدينة المثقفين المستوعبين لكل تلك الحضارة والذي صّوت فيه ابناؤها الى جانب ديمقراطي عمالي بريطاني مسلم من اصل باكستاني وخذلوا يمينها الذي رشح شخص أخر بوجهه وحاول بكل السبل تشويه صورته كمسلم في عيون البريطانيين وفشل في ذلك .
على هذه الأرضية فهمت التصويت الأخير الذي جاء في بريطانيا لصالح خروجها من الاتحاد الأوروبي , انه رسالة احتجاج على العولمة وسياساتها التي انحدرت فيها معيشة الفقراء والعمال البريطانيين بدلا من ان تتحسن أحوالهم .
قد يرد عليّ احدهم قائلا . ان سكان مدينة لندن صوتوا بنسبة 60% الى جانب البقاء في الاتحاد الأوروبي , ومن غّير في النتيجة هو تصويت الأرياف البريطانية التي صوتت للخروج. مع ذلك يبقى أن اربعين بالمائة من أبناء لندن المثقفين قالوا نعم للخروج , ويبقى للتصويت البريطاني دلالة مختلفة عن التصويت في فرنسا وامريكا المتأثرة باليمين الفاشي والقومي , وهو ما يدعم على المستوى البعيد انتفاضة الشعوب من أجل حريتها كما هو حاصل في سوريا الآن .
محاربة الارهاب تبدأ بتجفيف المنابع التي تغذيه وليس فقط بضربه بطيارات من دون طيار . هذا لن يحميهم ما يحمي العالم هو مجلس أمن جديد يكون همه تنمية اجتماعية عريضة حتى ولو جاءت على حساب اصحاب البنوك والمليارديريين .
مايحمي العالم هو رحيل قبضايات تحلم بنزوعات امبراطورية عائدة للقرون الوسطى مثل القيصر والمرشد والسلطان وكبيرهم اوباما الذي سيرحل غصبا عنه قريبا, فهل برحيل كبير القبضايات سيبدا التفكير بحلول واقعية لمشاكل العالم تقوم على القانون وليس على القوة لننتظر ونرى .
Tags: محرر