on
Archived: كيف حمى نظام الأسد نفسه ومواليه وحلفاءه الأجانب من الملاحقة القانونية؟
| سورية لم توقع على انضمامها للمحكمة الجنائية الدولية مما يجعلها بمنأى عن ملاحقة المجتمع الدولي للجرائم المرتكبة، يمكننا أن نفهم مدى الاطمئنان الذي يشعر به بشار الأسد عند ارتكابه كل هذه الجرائم والمجازر |
السورية نت-
يطرح حجم الإرهاب الكبير الذي يمارسه نظام الأسد على الشعب السوري سواء خلال السنوات الخمس الماضية أو في عهد حافظ الأسد، أسئلة عديدة أبرزها ما الذي يجعل النظام جريئاً لهذا الحد في تدمير المدن وقتل مئات الآلاف من المدنيين، دون أي حسبان للمحاسبة والملاحقة القانونية.
يجيب المحامي والحقوقي السوري ورئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، أنور البني، بشكل قانوني مفصل وواضح عن هذا السؤال، ويوضح سياج الحماية الذي أحاط نظام الأسد نفسه به ليبقى بعيداً عن المساءلة والحساب مهما تعاظمت جرائمه.
ويشير البني إلى أن إيجاد هذا السياج من الحماية “أسس منذ عهد حافظ الأسد واستلامه للسلطة عام 1971، حيث أوجد أرضية قانونية متكاملة لجعل سورية أرضاً للإفلات من العقاب لمختلف المجرمين ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في سورية والعالم. وعززها ابنه بشار بعدد آخر من القوانين لتأكيد ونشر حماية أوسع للمجرمين”.
والأساس الذي انطلق منه نظام الأسد كان الدستور الصادر عام 1972 “الذي فصّله حافظ الأسد على قياسه تماما كديكتاتور”، حسب البني، فبالإضافة للسلطات الواسعة غير المقيدة التي منحها لنفسه كرئيس، وترأس السلطة التنفيذية والقضائية وحق إصدار التشريعات، فقد منح الحماية والحصانة لنفسه من الملاحقة والعقاب بموجب المادة 91 من الدستور.
وتنص هذه المادة على أنه: “لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولاً عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى، ويكون طلب اتهامه بناء على اقتراح من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل وقرار من مجلس الشعب بتصويت علني وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة خاصة سرية ولا تجري محاكمته إلا أمام المحكمة الدستورية العليا”.
وحيث أنه لا يوجد في قانون العقوبات أي نص على جرم الخيانة العظمى، فقد جاءت المادة 29 من الدستور، لتقول: “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني”، مما يعني عملياً عدم معاقبة رئيس الجمهورية على أي جرم يرتكبه مهما كان هذا الجرم.
ومع الافتراض جدلاً في أن “الرئيس” واجه اتهاماً بالخيانة العظمى فإن نظام الأسد وفر لنفسه حماية أيضاً في هذه الحالة، حيث اشترط ألا تتم الإحالة إلا بقرار صادر عن مجلس الشعب “الذي يملك الرئيس نصفه أساسا بنص الدستور كقائد للدولة والمجتمع” بأغلبية الثلثين، وحدد أن المحكمة الدستورية العليا هي وحدها المختصة بمحاكمته.
وفي ذات الوقت أعطى رأس النظام لنفسه الحق الوحيد في تسمية أعضاء هذه المحكمة دون قيود أو اعتراض ولمدة أربع سنوات فقط، مما “يعني أن الرئيس هو من يختار أعضاء الهيئة التي ستحاكمه فهل من حماية أكثر؟”، يتساءل البني.
وفي الدستور الصادر بعام 2012 الذي أصدره بشار الأسد أكد على هذه الحماية بالمواد:
117 وجاء فيها: “رئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى ويكون طلب اتهامه بقرار من مجلس الشعب بتصويت علني وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة خاصة سرية وذلك بناء على اقتراح ثلث أعضاء المجلس على الأقل وتجري محاكمته أمام المحكمة الدستورية العليا”.
ويلفت البني إلى “أنه بما أن سورية لم توقع على انضمامها للمحكمة الجنائية الدولية مما يجعلها بمنأى عن ملاحقة المجتمع الدولي للجرائم المرتكبة، يمكننا أن نفهم مدى الاطمئنان الذي يشعر به بشار الأسد عند ارتكابه كل هذه الجرائم والمجازر”.
حماية الأتباعونظراً للعقلية الأمنية التي بنى نظام الأسد أجهزته عليها، أسبغ النظام الحماية الكاملة أيضاً على الموالين له
طالما بقوا موالين، وجعل مسألة ملاحقتهم بيده حال شعوره بخروجهم عن الطاعة.
وابتدأ النظام بتوفير الحماية للوزراء حيث حيث نص دستور 1973 المادة 117 على أن “رئيس مجلس الوزراء والوزراء مسئولون أمام رئيس الجمهورية”، وتقول المادة 123 “لرئيس الجمهورية حق إحالة الوزير إلى المحاكمة عما يرتكبه من جرائم أثناء توليه مهامه بسببها وفقا لأحكام الدستور والقانون”. كما نص دستور 2012 على أن رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء مسؤولون مدنياً وجزائياً وفقاً للقانون. ومن حق “الرئيس” إحالتهم للمحاكمة.
وبخصوص أعضاء مجلس الشعب يرد في دستور 1973 المادة 67 التي تنص على أنه “يتمتع أعضاء مجلس الشعب بالحصانة طيلة مدة ولاية المجلس ولا يجوز في غير حالة الجرم المشهود اتخاذ إجراءات جزائية ضد أي عضو منهم إلا بإذن سابق من المجلس وفي غير أدوار الانعقاد يتعين اخذ إذن من رئيس المجلس ويخطر المجلس عند أول انعقاد له بما اتخذ من إجراء”.
وفي دستور 2012 المادة 71: “يتمتع اعضاء مجلس الشعب بالحصانة طيلة مدة ولاية المجلس ولا يجوز في غير حالة الجرم المشهود اتخاذ إجراءات جزائية ضد أي عضو منهم إلا بأذن سابق من المجلس ويتعين في غير دورات الانعقاد اخذ إذن من مكتب المجلس ويحظر المجلس عند أول انعقاد له بما اتخذ من إجراءات”.
وتتوسع هذه الحماية للموالين والأتباع لتشمل عناصر الجيش، وعناصر إدارة المخابرات العامة، ويحوز المدنيين المتعاقدين معهم على نفس الحماية؛ حيث ينص قانون أصول المحاكمات العسكرية الصادر بالمرسوم 61 لعام 1950 على لزوم الحصول على إذن بملاحقة أي عسكري أمام القضاء من وزير الدفاع أو من يفوضه.
وتنص المادة 54 على أنه “يحق لكل من القائد العام للجيش والقوات المسلحة ورئيس الأركان العامة زمن السلم كما يحق للقائد العام للجيش والقوات المسلحة زمن الحرب أن يفوض آمر المنطقة أو آمر اللواء أو الوحدة المماثلة بإصدار أمر الملاحقة في الجرائم التي يعود النظر فيها إلى قضاة الفرد”.
وفي السياق ذاته، نصت مواد قانون إحداث إدارة أمن الدولة الصادر بالمرسوم رقم 14 لعام 1969 على عدم جواز تحريك دعوى الحق العام بأي جرم بحق العاملين في إدارة أمن الدولة قبل الحصول على موافقة مدير إدارة أمن الدولة:
وتنص المادة 16 على أنه “لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات المحددة الموكلة إليهم أو في معرض قيامهم بها إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير.” وكذلك المادة 74 من المرسوم التشريعي 549 تاريخ 1969: “لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في إدارة أمن الدولة أو المنتدبين أو المعارين إليها أو المتعاقدين معها مباشرة أمام القضاء، في الجرائم الناشئة عن الوظيفة، أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة واستصدار أمر ملاحقة من قبل المدير”.
وقام بشار الأسد بتوسيع الحماية حيث أصدر المرسوم رقم لعام 2011 بحيث شملت عناصر الشرطة والجمارك والأمن السياسي بمعاملتهم بمثل العناصر العسكرية؛ أي لزوم الحصول على إذن مسبق من وزارة الدفاع قبل تحريك دعوى الحق العام بحقهم.
ويقول البني إذا “علمنا أن عناصر إدارة المخابرات العسكرية، بكافة فروعها وشعبها، تتبع لوزارة الدفاع، مما يعني أن الحماية والحصانة والإفلات من العقاب تشمل الجميع طالما هم موالون ويؤيدون النظام ويمكن أن تسحب هذه الحماية ويتم عرضهم على القضاء ليعاقبوا بأي لحظة يمكن أن يشك بولائهم فهي أداة تهديد بحق العاملين لدى هذه الجهات أيضا”.
من الجدير الإشارة إلى أن نظام الأسد الأب والابن وفر الحماية القانونية أيضاً للموظفين الرسميين حيث جاء قانون الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بحصر حق إحالة أي ملف فساد أو مخالفات إلى القضاء بيد رئيس مجلس الوزراء المعين من قبل الرئيس، ولا يحال تقرير مفتشي الهيئة إلى القضاء مهما كانت كبيرة أو خطيرة ملفات الفساد أو النهب أو السرقة بل يحال إلى رئاسة مجلس الوزراء مع التوصيات وهو الذي يقرر وحده إحالة الملف للقضاء أو حفظه، حسب نص قانون الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش الصادر بالمرسوم 24 لعام 1981.
كما أصدر بشار الأسد قانون إحداث الجهاز المركزي للرقابة المالية الصادر بالمرسوم 64 لعام 2003 ليحمي أصحاب المناصب من المساءلة.
ولعل التطور الأبرز في منظومة الحماية التي بناها نظام الأسد، ذلك المتعلق بالحماية التي أسبغها النظام على القوات الخارجية التي تصفها المعارضة بـ”المحتلة” التي تدافع عن النظام وتساعد على بقاء الأسد في السلطة، وتشمل هذه الحماية جيوش الدول الأخرى والميليشيات المسلحة والعناصر الذين قدموا من دول أخرى للمشاركة بالقتال لحمايتهم.
وتمثل الاتفاقية السرية التي وقعها الأسد مؤخراً مع موسكو مثالاً لهذه الحماية، إذ نصت المادة السادسة على أنه:
1- يلتزم الجنود الروس باحترام القوانين والأعراف والتقاليد في مكان إقامتهم، الذي سيتم إعلامهم به بمجرد وصولهم إلى سوريا.
2- تتمتع الوحدات العسكرية الروسية بالحصانة من الولاية القضائية المدنية والإدارية في سورية.
3- الأعيان المنقولة وغير المنقولة التابعة لمجموعة الطيران الروسية تبقى مصونة بموجب هذا الاتفاق، ولا يحق لممثلي الجمهورية العربية السورية الدخول إلى مكان نشر القوات الروسية بدون اتفاق مسبق مع قائد.
4- يتمتع الجنود الروس وعائلاتهم بجميع الامتيازات الممنوحة بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961.
5- الممتلكات التابعة لمجموعة الطيران الروسية تتمتع بحق الحصانة والحماية.
فيما جاء بالمادة السابعة:
1- لا يحق للجمهورية العربية السورية التقدم بأي طلبات للاتحاد الروسي ومجموعة الطيران الروسي وموظفيه، كما لا يحق لها رفع أي دعوى متعلقة بنشاط مجموعة الطيران الروسي وموظفيه.
2- تتحمل الجمهورية العربية السورية المسؤولية عن تسوية جميع المطالبات التي قد تطالب بها أطراف ثالثة نتيجة للأضرار الناجمة عن أنشطة مجموعة الطيران الروسي وموظفيه.
كما تنص المادة الثامنة:
تعفي الجمهورية العربية السورية مجموعة الطيران الروسي من أي ضرائب مباشرة أو غير المباشرة.
وبالإضافة لكل ذلك “جعل نظام الأسد والابن سورية ملجأ للهاربين من العدالة الدولية، أو عدالة بلدانهم، فآوى مجرمين متهمين بارتكاب أعمال إرهابية أو جرائم ضد الإنسانية، بدءاً بالمجرمين النازيين الملاحقين من محاكم نورينبورغ، مرورا بكارلوس وعبد الله أوجلان، وهاربين من لبنان لارتكابهم أعمال إرهابية كعلي عيد وشاكر العبسي وقيادات فتح الاسلام وصولاً إلى إيواء منظمات إرهابية ودعمها كالقاعدة (قبل انقلابها عليه) والميليشيات المتطرفة الشيعية، وغيرها كثير”، حسب قول البني.
Tags: محرر