on
Archived: مرهف دويدري: السوريون.. بين حق العودة والحرية
مرهف دويدري: كلنا شركاء
انتشر خبر منح الجنسية التركية للسوريين عبر صفحات التواصل الاجتماعي كما النار في الهشيم، على اعتبار أن هذه الجنسية هي الطود الأخير للسوريين الذين تقطعت بهم السبل، خاصة وأن القرارات التركية بعد الاتفاق التركي – الأوربي بإغلاق المنافذ البحرية وخط إعادة الهاربين من اليونان إلى المخيمات التركية كانت أهم مفاصل ذلك الاتفاق، الذي يمنح حرية التنقل للمواطن التركي في الاتحاد الاوربي بدون تأشيرة دخول، في مقابل زج السوريين في ما يشبه الاعتقال القسري، فلا عودة لسوريا عبر المعابر، ولا خروج من تركيا، ولا دخول لسوريين إلى تركيا ممن لديهم اقامات في الدول الأخرى، وبالتالي حتى حقوق السجناء غير مطبقة على هؤلاء السوريين، الذين تجاوز عددهم المليونين ونصف المليون!
في أكثر من مناسبة صرّح الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” والذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء سابقاً، بمعنى آخر أنه على اطلاع كامل على كلّ ما يتعلّق بالقضايا الاقتصادية، والذي قال أن تركيا انفقت ما يقارب الـ 10 مليارات من الدولارات على اللاجئين السوريين، الذين كان يصفهم بالمهاجرين ويصف الشعب التركي بالأنصار في إشارة إلى الهجرة النبوية من طغيان وظلم قريش للرسول الكريم (ص)، وبالتالي هو يعرف تماماً أن الانصار في المدينة المنورة تقاسموا كل أعباء الحياة مع المهاجرين، ومع هذا فإن السوريين الذين يعيشون في بيوت خارج المخيمات، يدفعون تكاليف العيش في تركيا من مدخراتهم التي انتهت أو شارفت على الانتهاء، أو من خلال العمل في تركيا لدفع هذه التكاليف.
وبطبيعة الحال، كانت قرارات الحكومة التركية التي بدأت تصاب بالإرهاب الداعشي تصبّ في خانة التضييق على السوريين، على الرغم من أن القوائم التي أرسلتها تركيا لدول الاتحاد الأوربي- بحسب وزارة الخارجية التركية- والتي تضم أكثر من ثلاثة آلاف داعشي هم ليسوا سوريين، وإنما أوربيين من أصول مهاجرين مغاربة أو من أصول أوربية، إلا أن التقارب التركي – الأوربي جعل دخول الأوربيين، الذين قد يتسلل بينهم عناصر داعشية، من السهولة بمكان، وبدون تأشيرة دخول، على أمل دخول الأتراك إلى الاتحاد الأوربي بدون تأشيرة (شنغن)، والتجول بحرية تامة، وكان قرار إقفال الأبواب في وجه السوريين هو كلمة السرّ لهذا الاتفاق، بعد أن ضاقت أوربا ذرعاً بالعدد الكبير من المهاجرين الواصلين إليها، الذين ثبت أن ما نسبته 60% منهم ليسوا سوريين وأن 20%يدعون أنهم سوريين!
وعلى الرغم من الإخفاق في الوصول بالاتفاق التركي – الأوربي إلى خط النهاية السعيدة، إلا أن تركيا مازالت متمسكة بقرار عدم منح تأشيرة دخول للسوريين من خلال سفاراتها في كل دول العالم، وبشكل غير معلن، فما أن يدخل السوري إلى أي سفارة تركية في أي دولة حتى يتم طرده منها بطريقة مهينة بعض الأحيان، بذريعة عدم استكمال الأوراق المطلوبة لمنح الفيزا، على الرغم من منح تركيا فيزا لعدد من الموسيقيين السوريين في فرقة الأوركسترا السورية التابعة لنظام الأسد، عدو الرئيس التركي الأول!
لم يكن مفاجئاً على الإطلاق خبر منح الجنسية التركية للسوريين، وأن وزارة الداخلية التركية تعمل على هذا الموضوع بشكل حثيث- بحسب الرئيس أردوغان- ولكن السؤال المحيّر: “من هم السوريون الذين يحقّ لهم الحصول على هذه الجنسية؟!”
ففي المرات التي حصل فيها سوريون على هذه الجنسية، كان الموضوع عبارة عن حالات انتقائية، بدأت بعدد من أعضاء الائتلاف الوطني السوري، بذريعة سهولة الانتقال والتحرّك، فيما لو كانوا حاملين لجنسيات أخرى غير الجنسية السورية، من أجل دعم القضية السورية، وفي حالات أخرى كانت الجنسية التركية تمنح للمتفوقين، لينسب هذا التفوق لتركيا دون أي جهد يبذل سوى الموافقة على منح هذه الفرصة بالمواطنة .
عندما خرج السوريون من بلادهم، تحت تهديد الموت بالقصف الجوي والبراميل، وقصف الدبابات والصواريخ لم يحملوا معهم مفاتيح البيوت التي فقدها معظم السوريين بسبب الدمار الشامل الذي أنهى أي سبيل لحياة السوريين، لكنهم بكل تأكيد لم يكن لديهم فكرة، وفي أسوأ كوابيسهم، أن عليهم أن يحصلوا على جنسية أخرى قبل الحديث عن “حق العودة،” وتصديع رأس المجتمع الدولي بهذا المصطلح، وإنهاء النظام السوري الذي ارتكب جرائم حرب ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، ولعلّ المهاجرين الذين وصلوا أوربا كان هدفهم جنسية البلاد التي وصلوا لها، لقناعتهم ألا سبيل للعودة إلى نقطة البداية، فسوريا قد نكون في مرحلة النهاية بحسب منظمات دولية وعلى رأسهم الامم المتحدة.
في عام 1948 وبعد إعلان دولة اسرائيل انتهاء ما سمّي آنذاك (حرب التحرير)، وتهجير الفلسطينيين، كان المجتمع الدولي متفقاً على إيواء الفلسطينيين، وإعطائهم جنسيات بلدانهم -بما فيها الأردن كرمى لعيون الدولة الديمقراطية الناشئة، أما أن يكون المجتمع الدولي متفقاً على إغلاق الحدود في وجه السوريين الفارين من ويلات الحروب، وممارسة كل أنواع الانتهاكات بحق السوريين اللاجئين لدول الجوار، كما يحدث الآن في لبنان والأردن، وإغلاق المعابر البرية والجوية في وجه السوريين فقط في تركيا، بعد أن انحنت صاغرة للعاصفة التي كادت أن تودي بها .. للضغط على هذا الشعب المكلوم من أجل القبول بتسوية يكون فيها رأس النظام (بشار الأسد)رئيساً للمرحلة القادمة من سوريا الجديدة، وبالتالي فرض قوائم بأسماء مطلوبين لأجهزة الأمن السورية على اعتبارهم من داعمي الإرهاب، والعمل على التشتيت الاعلامي بمفهوم منح الجنسية للسوريين بدون تعليمات واضحة؛ هذا كله يصبّ في خانة المطالبة بحق العودة للسوريين إلى سوريا، والذي ربما سيخضع لمشاورات مؤتمرات جنيف القادمة، وربّما يكون من أهم المطالب للنظام السوري، فيما لو أعيد انتاجه، ألا وهو إسقاط حق العودة للسوريين، كما حدث في ثمانينيات القرن الماضي عندما صدر القانون 49 الذي يقضي بحكم الإعدام على كل منتسب للإخوان المسلمين، وبالتالي فإنّ هذه التهمة الواسعة، وغير المحدّدة في ملامح واضحة، ستطال كل سوري طالب بالحرية والكرامة، وستكون المعادلة التي يؤيدها موالو النظام السوري ومرتزقته:(حق العودة مقابل الحرية والكرامة)!
Tags: محرر