on
Archived: علاء الدين الخطيب: بريطانيا واليمين الأوروبي يخسرون
علاء الدين الخطيب: كلنا شركاء
خلافا لكل ما يُقال في الصحافة العربية، بأن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو انتصار لليمين، فإن انسحاب بريطانيا هو خسارة كبرى لبريطانيا وضربة قاصمة لليمين الأوروبي، وتقوية للاتحاد الأوروبي.
اليمين الأوروبي المتطرف اعتمد خلال السنوات الأخيرة في دعايته الانتخابية على تضخيم المشاكل الاقتصادية التي واجهت أوروبا منذ بدء العمل باليورو، وتفاقم هذه المشاكل الاقتصادية بعد الأزمة المالية في العام 2008. وبالعودة لتاريخ صعود اليمين منذ نهايات التسعينات (انظر الشكل المرفق)، نلاحظ أن صعود اليمين هذا العام ليس مفاجئا كما يُشاع، بل له أسبابه الداخلية ضمن البلد نفسه، وأيضا أسباب على مستوى الاتحاد. هذه البيانات تبين أن ربط صعود اليمين المتطرف فقط بسيل اللاجئين ليس دقيقا لأنه لا يقدم تفسيرا للتاريخ القريب حيث لم تكن مشكلة اللجوء مشكلة واضحة.
صعود اليمين الأوروبي مرتبط بعدة أسباب يمكن تلخيصها بما يلي:
- المشاكل الاقتصادية، خاصة في البلاد ذات مستوى المعيشة الأفضل. فبعد انطلاق مرحلة العمل باليورو، كان متوقعا أن الاتحاد الأوروبي سيعاني، طبيعيا، من خضات اقتصادية ومشاكل في السنوات الأولى، إلى حين تحقيق الدول لتكامل اقتصادي أفضل؛ ثم كانت المشكلة الأكبر وهي الأزمة المالية العالمية في 2008 التي أرهقت دول الاتحاد.
- الأداء المترهل للأحزاب الكبرى التقليدية (يمين ويسار الوسط)، واعتمادها لسنين طويلة على حكومات ائتلافية أعاقت حركتها، بسبب الخلافات “الحمقاء” فيما بينها.
- الإعلام والبروباغندا الشعبوية. رغم أن الشعوب الأوروبية الغربية تعتبر، نسبيا، من أكثر الشعوب وعيا وثقافة، لكن الغالبية، وهي المتوسطة الدخل والتعليم، تفضل مثل بقية البشر الأفكار السهلة والتفسيرات البسيطة. وقد استغل اليمين الأوروبي المشاكل الاقتصادية ليقدم تفسيرات سطحية للشارع من بينها، “إن السبب هو اليورو، والأجانب الذين يأخذون أعمالكم، والحكومة تدفع من أموالكم للاتحاد، … الخ”. وبنفس الوقت، فإن الأحزاب الكبرى التقليدية، لم تتحرك بمرونة وقوة لمواجهة هذا التضليل الإعلامي. هذا التقاعس السياسي الأوروبي فتح المجال لانتشار الدعاية الشعبوية اليمينية المتطرفة، خاصة وهي تعتمد على خطاب عاطفي محسوس للإنسان البسيط.
في الواقع هذا الاستغلال المكثف لعصر الإعلام الذي نعيشه ووسائل التواصل، من قبل الأحزاب اليمينية يشبه لحد كبير، صعود الأحزاب الإسلامية السياسية التي تقدم أيضا أجوبة بسيطة تلامس المشاعر والعواطف لخداع الغالبية من الناس.
- مشكلة اللاجئين في العام 2015 أضافت قوة للأحزاب اليمينية المتطرفة، خصوصا مع تضخم بعبع الحركات الإسلامية المتطرفة، وتهويل المصاريف المتوقعة لاستيعاب اللاجئين. فقليل جدا من الأوروبيين يدركون حقيقة أن مجموع ما صرفته أكبر دول الاتحاد أي ألمانيا على اللاجئين في العام 2015 وما هو متوقع في العام 2016، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، لا يشكل أكثر من 3 بالألف من الناتج المحلي الإجمالي، الملفت للانتباه أن هذه النسبة في بريطانيا لا تكاد تصل إلى 2 بالعشرة آلاف من الناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك استطاع اليمين البريطاني المتطرف تحويلها لكابوس من خلال حملاته الإعلامية ونشره للدعاية التضليلية.
ماذا نتج عن التصويت لانسحاب بريطانيا من الاتحاد؟
الأخبار تتوالى عن الانهيارات في أسواق البورصة البريطانية، وانخفاض قيمة الباوند، وانخفاض أسعار العقارات، كردة فعل سريعة. لكن على المدى المتوسط والطويل، الأرقام تؤكد أحقية ما حذرت منه كبار البنوك والمؤسسات المالية البريطانية وغير البريطانية. فبخروج بريطانيا من الاتحاد، ستخسر صادراتها ميزة الولوج للسوق الأوروبي بحرية، علما أن بقية دول الاتحاد تستورد 45% من صادرات بريطانيا. كما أن الاستثمار الأوروبي في بريطانيا سيتعرض للتجميد أو التخفيض، ففي عام 2014 أتت نصف الاستثمارات في بريطانيا من الاتحاد (حوالي 700 بليون دولار). بالإضافة لذلك، حسب استطلاع شركة EY، فإن 72% من الشركات الأجنبية العاملة في بريطانيا وضعت استثماراتها هناك لأن بريطانيا كانت بالنسبة لهم بوابة العبور إلى أوروبا، والآن على الأقل ثلث هذه الشركات تنوي إعادة النظر في مكان استثماراتها. بالمقابل الاتحاد الأوروبي سيعاني خسارات أيضا بسبب خروج ثاني أكبر اقتصاد منه، لكن خسائره ستبقى، نسبيا، قليلة جدا مقارنة بخسائر الاقتصاد البريطاني. إذا الخسارة الاقتصادية لبريطانيا هي الاحتمال الأكثر ورودا كنتيجة لهذا القرار “الخاطئ”.
هذه التخلخل الاقتصادي على المدى القصير والمتوسط، سيصاحبه تخلخل أخر في بنية المملكة المتحدة، مع توجه اسكتلندة لإعادة الاستفتاء على الانفصال عنها، وتوجهها لدخول الاتحاد. كما أن السياسيين اليمينيين أثبتوا كذبهم على المواطنين حين وعودهم بأشياء، عادوا وأعلنوا أنهم أخطأوا في تقديراتهم، مثل فضيحة الوعد بتحويل حوالي 10 بلايين باوند سنويا إلى التأمين الصحي بدل ضخها في خزينة الاتحاد. فالسياسيون البريطانيون بمن فيهم اليمينيون متخوفون الآن جدا من تحمل مسؤولية عملية الانفصال.
كل هذه المشاكل الخطيرة يراها ويراقبها المواطن الأوروبي في بقية دول الاتحاد، وبدأ الأوروبيون يرون بعيونهم ماذا يعني الانفصال عن الاتحاد. لم يعد باستطاعة اليمين المتطرف الخداع ورمي وعود بالهواء، أمام مثال واضح للعيان في بريطانيا. نعم، يمكن في كثير من الأحيان التلاعب بالكتل البشرية، من خلال النداء الشعبوي والعاطفي، لكن عندما يرى الناس بعيونهم، فإنهم سيصدقون أن لا عودة عن الاتحاد الأوروبي، وأي انسحاب هو تدمير ذاتي. لكن هذا يبقى أيضا منوطا، لحد ما، بمرونة الطبقة السياسية التقليدية الأوروبية التي يجب أن تتحرك بسرعة ليرى الأوروبيون بوضوح ماذا يعني انهيار الاتحاد الأوروبي. فكثافة الهجوم الإعلامي الغربي على قرار الانفصال، ليس لأنه أصبح أكثر ورودا، بل لأن الأوروبيين يريدون زيادة تحصين الشارع أمام “شعبويات” اليمين المتطرف، وزيادة تماسك الاتحاد الأوروبي، فعلى ما يبدو أن لا بد من الصدمات القاسية، لكي يتعلم منها الناس، ومن سيدفع الثمن الأمرّ سيكون المواطن البريطاني.
Tags: محرر