Archived: باسل العودات: ضد النساء السوريات ومعهن

دي مستورا ألقى الحجر في البركة ليُعكّرها، إذ كان بإمكانه أن يُحصّل للمرأة السورية حقوقاً مستقبلية بطرق أخرى أكثر نجاعة من هذا المبدأ المباشر الساذج

باسل العودات: أورينت نت

بدأت القصة عندما اكتشف المبعوث الأممي لسورية ستيفان دي مستورا أن نسبة النساء في سورية تبلغ 51% – ربما بتن الآن 61% بعد (عطاءات) الأسد – وبناء على اكتشافه أصرّ على ضرورة أن يتمثلن في الوفود المفاوضة وفي الهيئات السياسية للمعارضة وفي العملية الانتقالية، وأن يكون لهن على الأقل 30% من السلطة في شبه سورية الراهنة، وفي سورية المقبلة.

بذل الرجل جهوداً كبيرة ليفرض هذا الأمر على المعارضة السورية (وبالمناسبة لم يفرضه على النظام)، ثم أقنع مجموعة العمل الدولية من أجل سورية بأن توازن الجندر قضية محورية يعتمد عليها حل الأزمة السورية، كما دفع مجلس الأمن للتأكيد على أولوية هذا الأمر في كل قراراته اللاحقة.

من المُفترض أن يوافق أي عاقل على هذه المبادئ من حيث أنها حقوق لا غبار عليها، ولا يمكن لأي إنسان يُطالب بالحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية إلا أن يتبناها، لكن الرجل الإيطالي – الذي طلّق زوجته مؤخراً – طرحها في الوقت الخطأ والطريقة الخطأ، فتسبب بالتباسات كان السوريون بغنى عنها.

بداية، تجاوبت المعارضة السورية مع طروحات الرجل دون أن تناقشه، فأشركت المرأة بالوفد التفاوضي  – وهي مشتركة أساساً بكل الكتل السورية المعارضة – ثم شكّلت الهيئة العليا للمفاوضات وفداً استشارياً نسائياً دون أن تُناقش نفسها، وقام دي مستورا نفسه بتشكيل مجموعة استشارية نسائية لا يعرف إلا الله كيف اختارها، كما أشرك في مشاوراته نساءً كثيرات من المجتمع المدني وغير المدني، وكالفطر بدأت تُقام مؤتمرات نسوية للمرأة السورية دون الرجل، وعُقدت اجتماعات أخرى لراعيات السلام السوريات وحامياته، ولكاتبات الدستور ومراقباته، ولممثلات الأمهات السوريات والإعلاميات، وصارت رائدات منظمات نسوية يرفعن صوتهن للحصول على تمثيل أكبر ويتزاحمن لكسب مقاعد أكثر في الصف الأول بأي شيء.

تجاهلت تلك النسوة السوريات الساعيات لمناصب ومقاعد ومشاركة في القرار أن النسبة العددية لا يمكن أن تحقق لهن حقوقهن ولا تحفظ لهن كرامتهن وإنسانيتهن، وإن كان الأمر كذلك فمن الأسهل لهنّ الالتحاق بالنظام السوري، فرئيسه حرص على التمثيل العددي للنساء فوضع نائبة له ومستشارة سياسية ورئيسة لمجلس نوابه، ووزيرات ومديرات ومخبرات، ورهط من المستشارات الشخصية والإعلامية، وقطعان من الشبيحات والمقاتلات، لكن لينتبهن قبل الالتحاق به إلى أن حقوق المرأة عنده مهدورة.

تتجاهل تلك النسوة السوريات الساعيات لمناصب والمتهافتات للمشاركة في المرحلة القلقة ما قبل الانتقالية، أن الحصول على حقوقهن عملياً أهم بكثير من نسبة التمثيل الجندرية، وأن هذه الحقوق لا يمكن أن يضمنها قرار أممي إلزامي بل هو حصيلة لنضال مشترك يشارك به نخب الجنسين.

كذلك، تتجاهل تلك النسوة أن قاسم أمين حقق للمرأة أكثر بكثير من كل نساء جيله، وأن زنوبيا وجوليا دومنا لم تحكمان لأن المجتمع كان يضمن للمرأة تمثيلاً لا يقل عن 30% من المناصب، بل لأن الذهنية السورية والقناعات آنذاك كانت تعتبر المرأة كالرجل، وربما أفضل من الرجل، وأن المرأة ليست بالضرورة الأقدر على تحقيق حقوقهن، إذ كما أن عقول الكثير من الرجال العرب منخورة، هناك عقول نسائية منخورة أيضاً، بل وربما (داعشية).

كذلك تتجاهل بعض من تلك النسوة المتربعات على قمة هرم تمثيل المعارضة السورية أن (الجندر) هو بنية اجتماعية من الأفكار التي تُعرّف الأدوار ونظم الاعتقاد والمواقف والقيم والتوقعات للرجل والمرأة، وهي مبنية على أساس المُثل الثقافية في المجتمع، وهو ليس تمييز للجنس بل تطوير للعقلية.

تتجاهل كل تلك النسوة أن الأزمة السورية هي أزمة حرب، والأولوية لوقف السلاح والموت والدمار، واستعادة الأمن ومراقبته، وكبح جماح قوات النظام وميليشياته ومرتزقته، وإخراج مقاتلي حزب الله وميليشيات إيران الطائفية المتعددة الجنسيات، ووقف الغزو التدميري الروسي، وطرد الإرهابيين المتشددين الأجانب الذين حرفوا الثورة، وإعادة هيكلة الجيش ولجم الأجهزة الأمنية ولملمة الثوار وتشكيل جيش وطني، وكلها قضايا عسكرية أهم بما لا يُقاس من الجندرة والتحديد المسبق لنسب التمثيل النسائي.

الأخطر من كل هذا، أن هذا النوع من النساء حوّلن قضية التمثيل النسائي لمحور أساسي للحل في سورية، ونسين الهدف الأساسي للثورة، تماماً كما انحرفت أهداف الإسلاميين الذين استغلوا الثورة لفرض دولة الخلافة وفرض الشرع وتسييد العقليات المتحجرة، وكما انحرفت أهداف بعض الأكراد من حرية وكرامة إلى فيدرالية واستقلال، وكما انحرفت للأسف عند بعض المعارضين الثورة إلى ثروة.

لابد من الانتباه إلى أن دي مستورا ألقى الحجر في البركة ليُعكّرها، إذ كان بإمكانه أن يُحصّل للمرأة السورية حقوقاً مستقبلية بطرق أخرى أكثر نجاعة من هذا المبدأ المباشر الساذج، وما من شك بأن المرأة التي أنجبت وربّت ثم ودّعت ثواراً منتفضين، هي القادرة على تحصيل حقوقها وربما على حقوق الرجال أيضاً.





Tags: محرر