Archived: علاء الدين الخطيب: موقف تركيا من سورية لن يتغير جذريا

علاء الدين الخطيب: كلنا شركاء

لم تكن خطوات أردوغان في إعادة الدفء لعلاقات تركيا مع روسيا وإسرائيل مفاجأة، لمن يقرأ الأرقام والمصالح بين الدول، لكنها كانت مفاجأة في الإعلام العربي الذي يعتمد بغالبيته على التحليل العاطفي والشعبوي لجذب القراء والمستمعين. ولم تكن الأزمة بين روسيا وتركيا نتيجة مؤامرة غربية، بل نتيجة أخطاء في الحساب وقعت بها حكومة أردوغان، ولا علاقة جوهرية لها بسورية.

العلاقات بين الدول محكومة بكمية المال المتبادل بينها أولا، وبالتوازن العسكري والاقتصادي فيما بينها ثانيا، أما التاريخ والقوميات والأديان والطوائف فكلها مجرد أدوات للتحكم بالشارع. لقد نمت العلاقات الاقتصادية بين روسيا وتركيا بعد حرب العراق نموا لم يشهده تاريخ البلدين سابقا، وترافق أيضا مع نمو هائل بالعلاقات الاقتصادية التركية الإيرانية (وإيران هي الحليف الاستراتيجي الأهم لروسيا في آسيا، بعد الصين). لقد بقيت روسيا ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا بعد ألمانيا منذ العام 2005 إلى 2014، أما تركيا فهي شريك تجاري أساسي لروسيا وأكبر حتى من إيران، وهي كذلك خامس أكبر مستورد من روسيا، لقد بلغ التبادل التجاري بين البلدين في 2014 حوالي 31 بليون دولار. بالإضافة لذلك تركيا هي ثاني أكبر مستورد للغاز الطبيعي الروسي بعد ألمانيا، كما أن روسيا تقوم ببناء أول محطة طاقة نووية في تركيا بكلفة 20 بليون دولار، وقد كان مشروع مد خط أنابيب غاز لأوروبا عبر تركيا قريبا من التعاقد النهائي في 2015. (للمزيد عن العلاقات التركية الروسية يمكن الرجوع لمقالنا في الرابط رقم 1 بنهاية المقال).

من ناحية ثانية، لم تتدخل روسيا تاريخيا في المشكلة الكردية التركية، بل كانت أميَل للموقف التركي الرسمي المتشدد ضد الأكراد لأسباب كثيرة، ربما يكون أهمها أن روسيا تعاني من نفس المشكلة مع القوميات المتعددة التي تحويها روسيا الاتحادية، والقرب الجغرافي سيعزز من مطالبات هذه القوميات إن حقق الأكراد في تركيا ما يصبون إليه. ما حدث خلال الشهور الماضية من بعض التقارب مع بعض الأكراد في تركيا كان مجرد مناورة سياسية تكتيكية وليس موقفا استراتيجيا روسيا. كما أن تركيا تدرك أن سياستها الناجحة بالانفتاح شرقا بعد عقود طويلة من “الهوس” بالغرب، يجب أن يمر عبر روسيا وإيران، خصوصا وأن علاقاتها ما زالت متوترة مع الصين التي تسعى لتأمين منطقة وسط آسيا. بل يمكننا التنبؤ أن إعادة الدفء للعلاقات الروسية التركية ربما يكون بداية لتحسين العلاقات التركية الصينية. (للمزيد عن العلاقات التركية الروسية يمكن الرجوع لمقالنا في الرابط رقم 2 بنهاية المقال).

إذا لماذا حدثت الأزمة بنهاية العام 2015؟

ببساطة كان خطأ في الحسابات التركية أكثر منه الروسية، وهو خطأ ممكن أن تقع به أي حكومة بالعالم. لقد كان الزعيمان أردوغان وبوتين بحاجة لإعادة حشد الشعب خلفهما، خاصة وأن كلاهما يعتمدان في شعبيتهما على بروباغندا إعلامية تعد بإعادة أمجاد البلدين كدول كبرى، لقد أخطأت الحكومة التركية بتوقع ردة الفعل الروسية، وحاجة بوتين للبقاء بصورة “القيصر المنقذ” مع المشاكل الاقتصادية الهائلة التي كانت تضرب روسيا؛ والحكومات العاقلة هي الحكومات التي تعرف كيف تصحح أخطاءها.

كيف سيؤثر ذلك على سورية؟

لن يحصل تغيّر جذري على مواقف البلدين من سورية، فهما كانا يسيران على أحسن حال خلال 5 سنين من الصراع على سورية، فعلاقتهما وحتى علاقة تركيا بإيران في أوجها، لكنهم يتصارعون داخل سورية. إنها الحرب بالوكالة التي فهمت قواعدها هذه الدول بعد ولادة النظام العالمي الجديد. وما يؤكد ذلك، أن روسيا استطاعت فرض رؤيتها على النظام السوري والإيراني حول حلب، وهي أن لا حاجة ماسة لاستعادة السيطرة على حلب لأنها يجب أن تبقى ورقة المساومة الأخيرة عندما تريد الدول الكبرى فرض نوع من الاتفاق فيما بينها. كما أن المشكلة الكردية باتت أكثر خطورة في تركيا، والحكومة التركية لا يمكن أن تثق بنظام متهاوٍ يعيش على أنابيب الإنعاش الروسية الإيرانية، فالأجدى والأضمن لها امتلاك أوراق التأثير في سورية عبر المعارضة والفصائل المسلحة.

أما ما يُقال عن التفجيرات الإرهابية في تركيا، وأن الحكومة التركية خائفة من النظام السوري لأنه وراءها، فلا يعدو أن يكون أضغاث أحلام مدسوسة من قبل النظام السوري لرفع معنويات أتباعه. فالمخابرات التركية هي من أقوى المخابرات العالمية، ولعبة التفجيرات ليست جديدة في تركيا، والأهم أن الحكومة التركية تدرك جيدا أن النظام السوري ومخابراته أضعف وأجبن من أن يتحدى تركيا بهذه الطريقة. ولا ننسى طبعا أن رأس النظام السوري في خطابه الأخير، وبحماقة المراهق، قد قطع كل خطوط العودة مع الحكومة التركية. الأمن التركي هي التنسيق الدقيق والفعّال مع إيران وروسيا أولا، ثم مع بقية الحلفاء الدوليين والإقليميين.

بقي أن نضيف أن الإدارة الأميركية ربما تكون الأكثر ارتياحا لما جرى، فهدف الإدارة الأميركية لم يتغيّر منذ بداية الثورة السورية لليوم، وهو محاصرة الأزمة ضمن حدود سورية، وإدارتها بهدوء من الخارج. والتنسيق الروسي التركي بات أكثر إلحاحا مع وجود قوات أميركية وغربية حول الشمال والشمال الشرقي السوري.

المراجع:

  1. http://www.infosalam.com/home/researches/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%82%D9%8A%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%86-%D8%A3%D9%85-%D8%A8%D9%84%D8%A7%D9%8A%D9%8A%D9%86/
  2. http://www.infosalam.com/home/articles/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A9/




Tags: محرر