Archived: أحمد أنيس الحسون: الحرب السورياليّة

أحمد أنيس الحسون: كلنا شركاء

بعدما انتقلنا من طور المعركة والمعارك والقتال إلى طور الحرب والحروب والاقتتال؛ أصبحت سوريا المعجم الثريّ الذي يستوعب كل أوصاف الفوضى عبر التاريخ ، إذ دمج الدم السوري البيلوغرافيا بالسيكولوجيا بالميثولوجيا بتاريخ الفنّ والفنون والتفنّن … وكل نظرية تنتهي بـ جيا، عبر التاريخ البعيد والقريب.

هذا هو الواقع السوري السوريالي، أرادوها حرباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالتاريخ لم يصف معركة ما بالحرب إلا التي كانت دموية إبادية ، وتدور حول: الحرب من أجل الحرب، وكل طرف من الأطراف يترأسه مصّاص للدماء لا يرتوي، إذ تتصارع أيديولوجيات منفصلة تماماً عن مطامح وأهداف الشعوب المغلوب على أمرها ، أما المعارك والوقعات فهي مختلفة تماماً، فهي عادة تقوم لتحقيق هدف ستنتهي بمجرد الوصول إلى الهدف، والنهاية قد تكون سلمية أو عسكرية أو ربما بموّال عتابا وبالقليل من الميجانا ، بينما الحرب على خلاف ذلك، فقد تتفرّغ من محتواها الأخلاقي وتصبح إبادة وتطهيراً طائفياً أو عرقيّاً، وسيدفع الأبرياء الثمن الباهظ لإرضاء طموحات قادة وفلاسفة الدم.

لقد تحوّلت المعركة في سوريا من مرحلة صراع بين طرفين إلى مرحلة حروب بين أطراف دولية، مرحلة تستجلب إلى الذاكرة حرب البسوس وأمثالها من حروب سطحية المعنى دموية المبنى. وأصبحت الحرب تشبه إلى حد بعيد في فوضويتها تلك الفوضوية السوريالية في الأدب والفن ، والتي جاءت وقامت بالأساس تعبيراً عن كفرها بالعالم المتعطش للحروب ولمناهضة فوضى الدم ، وإذ بها تعبّر بطريقة فوضوية ، فأصبحت السوريالية أو الدادائية ذات منحى فوضوي غامض كأن يرسم فنان سوريالي لوحة فنيّة بذيل الحمار، حيث يضع الألوان الزيتية على ذيل الحمار ويوخز الحمار بمؤخرته فيجيب الحمار بحركة عفوية تهتز فيها مؤخرته وذيله، وبالتالي تتحرك تلك الألوان والدهانات على الورق الأبيض فتنتج لوحة غامضة عبارة عن خرابيش دجاج كما نصفها بالعامية، وتصبح لوحة عظيمة تُباع بملايين الدولارات وتُقام لأجلها الندوات والأمسيات ، وتنبري أقلام الإعلام والنقّاد لتستفيض بالوصف والتعظيم والتحليل والغور في تفاصيل وخيالات هذه اللوحة السوريالية ، أو أن يجتمع بعض السورياليين في قهوة ثقافية ويمارسون فيها طقوساً ثقافية غريبة كأن يأتوا بلباس النوم ويكسرون كراسي القهوة ويقومون بحركات أو كلمات غريبة كالنائم الذي يتحرّك بعفوية ، وذلك نزولاً وتطبيقاً عند رغبة فلاسفتهم الذين أوحوا لهم أن الإنسان نائم بالدرجة الأولى، وبذلك مارسوا فوضويتهم كالنائم أو الثمل المنفصل عمّا حوله. وهذه الأعمال الفوضوية استهوت النقّاد المبالغين في تحميل تلك الأعمال أبعاداً وخيالات لاستكمال فوضويتها وسورياليتها بفوضى تحليلية نقدية، وطبعاً الجمهور هو التالي سيصفّق للأمسية الرهيبة ويتحوّل هو الآخر لعبطة سوريالية فوضوية دادائيّة ويمارس التصفيق وكأنه في مجلس من مجالس الشعب السوري في عهد نظام البعث الفاسد، وفي مثل هذه الأجواء الفوضوية السوريالية لهذا الاتجاه الفنّي لا بأس من رسم لوحة لجدار مهجور في حارة مهجورة وقد تحوّل إلى مبولة وإلى دفتر ذكريات لكلّ من مرّ من هناك وقضى حاجاته ، وستصبح هذه اللوحة في ظلّ هذه الفوضى الثقافية لوحةً عظيمة يتوظّف عتاة الفكر والنقد لعقد الأمسيات والمهرجانات لتحليلها وسبر أغوارها الإبداعية ، ونسج تحليلات لخيوط البول المتعفّنة على الجدار كأن يصفوها بأنها طرقات ودروب مضيئة للحرية والإبداع أرادها وقصدها ( مُبدع ) هذه اللوحة العظيمة، وأيضاً فإن جمهور المصفّقين للأمسية التحليلية سينحدرون إلى تلك الخيالات المريضة فتدمع الأعين ويعمّ التصفيق، وبالمعيّة سيلمع نجم الخاطبيين والنقّاد والمحلّلين ، وستنمو في خيالات السورياليين الخيالات السريرية لإيقاذ موتهم ، وسيخرج كل عجوز هرمٍ منهم على أمل تطبيق صبيّة من مراهقات الثقافة بعدما يوحي لها هذا العجوز الفهمان بأنه سيعطيها مفتاج الولوج إلى عالم الثقافة والفكر والإبداع …..

نحن نعيش ضمن دوائر صراع سورياليين فوضويين ، وكما تنافس السورياليون بنسج لوحات وخيالات عصيّة عن الفهم كذلك يفعل سورياليو وإرهابيو الحرب في سوريا في فوضوية دموية ، ينسجون لوحات للموت والخراب عصيّة عن أي وصف ، وتتعدّد مشاهد القتل والمجازر ، وبالتوازي تتعدد المهرجانات الخطابية السياسية والفلسفية للمجتمع الدولي ولوسائل الإعلام لتحليل هذه الحرب المدمرة ، فتغرق الحلول المطروحة في سوريالية غامضة فوضوية تماماً كتلك اللوحات الغامضة والبشعة للتفنّن بسحق الإنسان وكرامته على أرضه وفي بيته . كما أنه وعبر تراكم الهزائم البشرية أمام صفقات الشياطين جاءت المرحلة الرومانسية في الفنّ بعد السوريالية الفوضوية زمنيّاً ، وعبّرت هذه المرحلة الرومانسية الفنيّة عن الهروب والتغنّي بالألم كردّة فعل عن الهزائم المتوالية لأحلام الشعوب في التحرر والتطوّر، فلم تجد بدّاً من الهروب إلى الجبال والوديان لتجلد نفسها وتلطم ، وكلّ يلطم على ليلاه ، فالرومانسي القومجي يلطم ويغني ملحمته ( الحلم العربي ) ، والرومانسي المتأسلم سيلطم ويغني ( أوجعيني يا جراحي أوجعيني ) والرومانسي البندوق المُهجّن من الاثنين السابقين سيلطم ويغني أغنية ( سنخوض معاركنا معهم ) ، والرومانسي العلماني سيلطم ويغني أغنية ( تك تك تك يا أم سليمان ) … هذا ونحن لانزال في المرحلة السوريالية ، مرحلة فوضى لوحات الدم والقتل والجنون ، وقبل الانتقال إلى المراحل الرومانسية التي بدأت إرهاصتها تنمو وتتطور كتطبيقها بهجرة الشباب إلى أوربا أو الانزواء والبكاء فقط ، وهي الأخرى ستتبعها مراحل وكل مرحلة لها طقوسها الخاصة في اللطم والصراع على حلبة بعيدة عن المواجهة الحقيقية لأساس المشكلة ، وستبقى الأسطوانة تدور لأننا بكل صراحة نحن في حرب تحرّكها أطراف اللاعبين والمتلاعبين بسوريا وثورة شعبها، والحرب لغوياً وتاريخيّاً وأخلاقياً ودينياً وإنسانيّاً وسياسيّاً  .. وغير ذلك ؛ هي مختلفة عن المعركة التي فُرضت على الشعب الثائر، فالمعركة لها بداية ونهاية، مؤطّرة بأهداف ، وستنجلي المعركة أو الغزوة أو الواقعة بآلامها وتكاليفها بانجلاء أسبابها، أما الحرب فانجلاؤها – وإن تمّ – فإن نتائجها التدميرية باقية وتتمدّد، وهذا هو التفسير التدميري للشعار الداعشي الشهير الذي انطلق مع مرحلة الانتقال إلى طور الحرب ، فإن لم نستوعب مايدور حول سوريا ونعيدها إلى معركة وثورة تخصّ الشعب السوري الثائر فقط لا غير لطرد نظام الإرهاب والإرهابيين فإننا سنموت بلوحات دموية تفوق خيالات اللوحات السوريالية وفوضويتها ، علينا عدم الانقياد لأطراف مشبوهة تعمل لمصالح خارجية لا تخصّنا ولا تعنيهم سوريا شيئاً ، فلو اجتمع كل السورياليين عبر التاريخ لن يستطيع خيالهم الدادائي أن يرسم لوحة لطفل في مضايا أو في عموم سوريا ، إن لم نكترث بكل ذلك و بالتهجير وبهذا التأصيل الدولي المدروس لمفهوم الإرهاب سنبقى ننتقل من مرحلة إلى مرحلة ، وسنبقى نموت على ترابنا ، وسيبقى الاحتلال الداخلي والخارجي لثورتنا ووطننا يبول على غراسنا ، وسيبقى الإنسان السوري الأوربي التركي أو العربي المخيّماتيّ يعيش رومانسية المكسورين المقهورين وهو يغني أغنية فيروز ( نسّم علينا الهوا من مفرق بلادي … خايف يا قلبي تكبر فيك الغربة وما تعرفني بلادي ).

 





Tags: محرر