Archived: إستراتيجية بيكين الجديدة: افسحوا طريق الشرق لخطة (مارشال) صينية

– تورطت روسيا -رغم أن معظم سكانها المسلمين هم من السنة- في الاصطفاف مع المعسكر الشيعي، وما عاد من الممكن الوثوق بها من قبل السنة. ومع عدم قدرة الولايات المتحدة وروسيا على الاستمرار في علاقات متوازنة بين إيران والسعودية، اتجهت الصين، التي لديها علاقات متينة مع كليهما، وعلى نحو متزايد، لملء الفراغ.

-حاول الرئيس “شي” بشتى الطرق إقحام الصين في الصراع السوري، ودعا كلا من وزير الخارجية السوري وليد المعلم ورئيس جماعة المعارضة، الائتلاف الوطني السوري، إلى عقد اجتماعات رفيعة المستوى في بكين في محاولة لتعزيز الحل السلمي.

-تساور الصين شكوكا، منذ عدة أشهر، في أن الولايات المتحدة، التي تدخل عام الانتخابات وهي مكتفية محليا بإمدادات النفط والغاز، ما عادت حريصة على الشرق الأوسط كما كانت عليه في النصف الأول من القرن الماضي.

-أنزلت روسيا راية الحياد في الشرق الأوسط التي كانت تحملها خلال معظم الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي. كما إن موسكو تربطها علاقات جيدة مع طهران والرياض.

العصر-

بعد عقود من البعد، تقول مجلة “فورين بوليسي”، تقترب الصين من النزاعات الطائفية في المنطقة واحتياطياته النفطية الحيوية.

في بداية عام 2016، لم تكن التوقعات جيدة لما أصبحت فيما بعد واحدة من الجولات الدولية الأكثر تأثيرا للرئيس الصيني، شي جين بينغ. وجاءت زيارته في وقت غير مناسب، حيث تزامنت مع إعدام السعودية للشيخ نمر النمر، أحد أبرز أصوات التمرد الشيعي في السعودية، وما تلاه من قطع للعلاقات الدبلوماسية بين العديد من الدول السنية وإيران.

وزيارته للمنطقة العربية في وقت يشوبه التوتر مع إيران الشيعية من شأنه أن يترك انطباعا بأن الصين تدعم أحد طرفي النزاع، مما يقوض سياسة بكين منذ فترة طويلة في الالتزام بالحياد في منطقة الشرق الأوسط.

ولكن تأجيل الزيارة للمرة الثانية في أقل من سنة ستكون له عواقب أيضا. كانت الصين قد ألغت بالفعل رحلة مماثلة كان من المقرر إجراؤها في ربيع عام 2015، بعد أن شن قوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية حملة عسكرية في اليمن ضد الحوثيين. فمنذ أن أصبح رئيسا، زار “شي” كل مناطق العالم تقريبا عدا الشرق الأوسط.

والشيء نفسه ينطبق على رئيس مجلس الدولة الصيني “لي كه تشيانغ”.وعلى هذا، فالتأجيل مرة أخرى يتعارض مع السياسة الخارجية للصين. بدلا من ذلك، قرر الرئيس “شي” استخدام الأزمة في العالم الإسلامي باعتبارها فرصة لرفع الستار عن إستراتيجية جديدة للصين في الشرق الأوسط، والتي تتضمن انخراطا في قضايا المنطقة وعواصفها.

في الأسابيع القليلة الماضية، وحتى قبل إعدام النمر، حاول الرئيس “شي” بشتى الطرق إقحام الصين في الصراع السوري، ودعا كلا من وزير الخارجية السوري وليد المعلم ورئيس جماعة المعارضة، الائتلاف الوطني السوري، إلى عقد اجتماعات رفيعة المستوى في بكين في محاولة لتعزيز الحل السلمي.

وهذا يعني، إلى حد كبير، خروجا عن سياسة الصين التقليدية في دعم بشار الأسد. ويوم 13 يناير، أصدرت بكين ورقة سياستها العربية، وهي وثيقة مبهمة ولكنها معبرة عن مصالح الصين في الشرق الأوسط. بعد نهب السفارة السعودية في طهران، أرسل “شى” نائب وزير الخارجية، تشانغ مينغ، إلى كل من طهران والرياض، وحث الجانبين على ضبط النفس.

كما أعاد الرئيس الصين “شي” أيضا ترتيب مسار سفره، ليستبدل زيارته المقررة إلى دولة الإمارات بتوقف غير متوقع في طهران، ليصبح بذلك أول زعيم أجنبي تطأ قدماه إيران منذ رفع العقوبات. ولتحقيق التوازن، حمل معه للسعوديين هدية العزاء: إعلان الدعم لسيادة الحكومة اليمنية التي ترعاها السعودية.

وهذا النشاط الدبلوماسي المفرط قد فاجأ الذين اعتادوا على ميل الصين نحو تجنب التدخل. قد يقول الساخرون إن هذه كلها خطوات “تكتيكية” تهدف إلى تأمين فرص الأعمال التجارية للصين في كلا البلدين. قد تكون هناك بعض الحقيقة في ذلك، ولكن سيكون من الخطأ حصر أبعاد وخلفيات تحركات الصين الأخيرة في الجوانب الاقتصادية البحتة، كما يرى كاتب المقال.

وإدراكا منها أن الشرق الأوسط هو أهم من أن تتركه للآخرين -وأن إهماله قد يلحق الضرر بها- ما عادت الصين ترغب في الجلوس على الهامش ومشاهدة المنطقة تنحدر نحو الفوضى.

وتساور الصين شكوكا، منذ عدة أشهر، في أن الولايات المتحدة، التي تدخل عام الانتخابات وهي مكتفية محليا بإمدادات النفط والغاز، ما عادت حريصة على الشرق الأوسط كما كانت عليه في النصف الأول من القرن الماضي.

والأهم من ذلك، قد أنزلت روسيا راية الحياد في الشرق الأوسط التي كانت تحملها خلال معظم الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي. كما إن موسكو تربطها علاقات جيدة مع طهران والرياض.

ولكن بغرقها في الصراع السوري، تورطت روسيا -رغم أن معظم سكانها المسلمين هم من السنة- في الاصطفاف مع المعسكر الشيعي، وما عاد من الممكن الوثوق بها من قبل السنة. ومع عدم قدرة الولايات المتحدة وروسيا على الاستمرار في علاقات متوازنة بين إيران والسعودية، اتجهت الصين، التي لديها علاقات متينة مع كليهما، وعلى نحو متزايد، لملء الفراغ.

هناك عدة أسباب تفسر لماذا تبدو الفجوة بين السنة والشيعة مصدر قلق خاص بالنسبة للصين. فإلى جانب توفرها على ​​جزء كبير من احتياطيات النفط التقليدية في العالم، فإن منطقة الخليج هي ذات أهمية حاسمة بالنسبة للاقتصاد الصيني.

ففي الوقت الذي يمر فيه العالم حاليَا بمرحلة انخفاض أسعار الطاقة بشكل غير عادي، فإن التنافس بين السنة والشيعة يمكن أن يدفع باتجاه التدهور أكثر.

وإذا تورطت السعودية وإيران وحلفائهما في حرب إقليمية، فإن هذا ينطوي على أضرار مادية في البنية التحتية للنفط، وبهذا سترتفع أسعار النفط الخام إلى السقف، وذلك على حساب الاقتصاد العالمي. ومع اعتماد نصف واردات الصين على النفط الخام القادم من الخليج، فإن مثل هذه الأزمة من المرجح أن تضرب الصين أكثر من أي اقتصاد كبير آخر.

وقالت المجلة إن رغبة الصين في رؤية الشرق الأوسط من دون اضطراب طائفي تخدم السمة المميزة للسياسة الخارجية في القرن 21: مبادرة حزام واحد وطريق واحد.

وهذا المشروع المنشود يرمي إلى ربط اليابسة والممرات المائية المحيطة الممتدة من الصين إلى قلب أوروبا في شبكة من ممرات التجارة والنقل، وهو أمر حاسم لمساعي الصين لتحفيز النمو الاقتصادي في آسيا وإيجاد أسواق جديدة للسلع والخدمات الصينية.

)وقد سمته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية بـ”خطة مارشال” صينية للشرق الأوسط، وقالت إن مشروع “الطريق والحزام” -الاختصار لطريق الحرير الجديد والحزام البحري- الذي يرمي إلى بناء سكك حديد متطورة وإقامة طرق تربط قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، يمر عبر 56 دولة، بينها دول عربية.

وقال الكاتب إن مبادرة “الحزام والطريق” هي المشروع الاقتصادي الأكثر طموحا في التاريخ البشري، الذي يكلف بيكين مئات المليارات من الدولارات.

وهذا المشروع ترى فيه الصين آلية حاسمة لإعادة تشغيل اقتصادها الذي يعاني حاليَا من تباطؤ النمو. ولكن، كما يرى الكاتب، الشرق الأوسط المضطرب يقف في طريق كل ذلك.

ويدرك الرئيس “شيء” أن الدبلوماسية الصينية النشطة لا يمكنها أن تنهي الصراعات القائمة وتتجاوز إرث الصراعات الطائفية التاريخية، إلا أن بيكين يمكنها أن تساعد على إبقاء النيران تحت السيطرة والتمكين لمشروعها الاقتصادي الطموح.





Tags: محرر