on
Archived: مرهف دويدري: هل تتغيّر المعادلات في سوريا بعد الانفصال البريطاني؟!
مرهف دويدري: كلنا شركاء
في الوقت الذي التقط العالم بأسره نبأ اختيار البريطانيين وبنسبة ضئيلة لا تتجاوز 2 % الانفصال عن الاتحاد الأوربي، بعد 43 عاماً على تشكيله، كان العدوان الروسي يمطر حلب بالقنابل الفوسفورية والقنابل الحارقة التي قيل أنها تأتي في المرتبة الثانية بعد القنابل النووية في حجم تدميرها، ومقدرتها على سفك الدماء، وهي التي تندرج تحت تصنيف الأسلحة المحرّمة دولياً؛ تابع الروس نشاطهم الإجرامي دون أي ردة فعل من المجتمع الدولي، الذي بات يعرف تماما ًأن أي حل عسكري أو سياسي سوف ينهي هذا النظام المهترئ، وبالتالي فإن انتصار الثورة، وهو مالا يردونه في الوقت الحالي، على الأقل، لينهي النظام السوري ومن خلفه إيران وروسيا تدمير سوريا، ويتمون مشاريعهم التي تعمل على تشظي البلاد.
في عام 2013، ، وبعد ضرب غوطتي دمشق بالأسلحة الكيماوية من قبل طيران نظام الأسد، وبمباركة روسيا التي استطاعت فيما بعد إقناع الولايات المتحدة بعدم توجيه ضربة لنظام الأسد، مقابل إخراج كامل الترسانة الكيماوية من سوريا، كان مجلس العموم البريطاني على موعد للتصويت على اقتراح توجيه ضربة قاضبة للنظام السوري الذي تجاوز كل الحدود، لكن نتيجة التصويت جاءت لصالح نظام الأسد بعدم توجيه هذه الضربات المركّزة والاكتفاء بالإدانة، وبالتالي إقناع فرنسا التي كان لها موقف متقدم جداً في موضوع معاقبة النظام السوري، بعد استخدام السلاح الكيماوي . إلا أنّ الاتحاد الأوربي، للخروج بموقف موحّد من معاقبة النظام الذي كان يرتكب يومها جرائم ضد الإنسانية، حيث كانت بريطانيا آنذاك تهدد دائما بالانسحاب من الاتحاد الاوربي فيما لو أن الاتحاد ذهب في مغامرة بعيداً عن بريطانيا التي تربطها علاقة تحالف شديدة مع الولايات المتحدة، إلى درجة تجعلك تظن أن من يصدر القرار الامريكي – البريطاني هو عقل واحد، وبالتالي فإن القرار الاوربي كان مرهوناً بالولايات المتحدة، بحكم تعنت بريطانيا وتعاملها الفوقي مع دول الاتحاد، ومن جانب آخر هيمنة الولايات المتحدة وبريطانيا على قرار حلف شمال الاطلسي الذي يرى أن الدفاع عن أوربا حيال التهديد الروسي يجب الا يتجاوز حدود القارة العجوز، وصبّ كل الاهتمام على القضية الاوكرانية التي باتت باردة بعد اتخاذ قرارات العقوبات على روسيا، ما تسبّب ببقاء الوضع على ما هو عليه، من سيطرة القوات الروسية على شبه جزيرة القرم وإعلان انفصاله عن اوكرانيا !
لعلّ روسيا هي الأكثر سعادة بهذا القرار البريطاني بالانسحاب من الاتحاد الاوربي – وإن كان موضوع الإقتصاد مقلق لروسيا بحسب رئيس الوزراء ميديدف- الذي سينظر له على أنه بات كتلة ضعيفة، وربما آيلة للسقوط في أي وقت، وعندها سوف لن تكون العقوبات ذات جدوى كبيرة، خاصة أنها تستغل الوضع السوري لتكون لها قنوات تواصل مع الولايات المتحدة، ولا تدخل في حرب باردة جديدة. وعلى الرغم من التذمر الأمريكي، فإن روسيا باتت تعتبر نفسها القطب الثاني، الذي من المتوقع أن تلتف حوله بعض الدول لتكوين حلف معادٍ للناتو، إلا أن الحرب التي اعلنتها في سوريا دعما ً للنظام، مازالت لا تعطي لها تلك الهيبة التي تريدها لفرض سيطرتها مرة أخرى، فبعد ربع قرن من انهيار الاتحاد السوفياتي
أصبح لدى بوتين يقين أنه ما من حل عسكري في سوريا، بعد أن كان يحاول القضاء على المعارضة المسلحة بذريعة محاربة الإرهاب، وبالمقابل، العمل على الحل السياسي. لكن الخلاف الذي بدأ يسري في جسد التحالف الروسي – الإيراني، على خلفية الهزائم الكبيرة في ريف حلب الجنوبي، واتهام طهران لروسيا بوقف الإسناد الجوي للقوات، واعتبارها هي المسؤولة عن هذه الهزائم ،الأمر الذي جعل النظام السوري يتحدث بلسان إيران، وإن كان بلهجة أقل حدة، ما دفع الروس لاستدعاء بشار الأسد على عجل، دون أن يعرف من سيقابل، حيث جرى بث هذا الكلام، مع ضحكة وزير الدفاع الروسي تعليقاً على كلامه، لوضعه في مكانه الصحيح أمام مؤيديه، الذين يعتبرون أنه مازال رئيساً، وكانت الرسالة الروسية واضحة تماماً، مفادها أن من يحكم النظام السوري هو روسيا، وهو ما أكّد عليه وزير خارجية بريطانيا (فليب هاموند) عندما قال: “رجل واحد في هذا العالم قادر على إنهاء المأساة السورية هو في الكرملين” مشيراً إلى بوتين الذي بات معروفاً لدى دوائر القرار أن مصير الأسد بيده هو، أو قد يكون هذا هو ما يريده المجتمع الدولي، لتحميل روسيا المسؤولية الكاملة عما يحصل في سوريا، وتبرئة أنفسهم من هذه المأساة. لكن هذا الغزل البريطاني الموجّه لبوتين، لم يمنع الطيران الروسي من قصف مواقع “جيش سوريا الجديد” الذي أعلنت بريطانيا أنها تدعمه، لأنها لم تجد لدى أي فصيل سوري معارض النية الكاملة لقتال تنظيم الدولة (داعش) فقط، في إشارة إلى أنه محظور عليه قتال نظام الأسد.
من غير الواقعي أن نقول إن ارتدادات الثورة السورية، هي سبب في انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوربي، فلربما كان انهيار المنظومة الاوربية ناجم عن خلل كبير داخل القارة، على مدى سنوات طويلة، حيث تم الاستفتاء الأول للبريطانيين حول بقائهم في الاتحاد أو الانسحاب عام ،1975 أي بعد عامين من تشكيل الاتحاد، ولكن المسألة السورية باتت ترخي ذيولها على مجمل القضايا العالمية، خاصة مع تصاعد مشكلة اللاجئين، التي كانت أهم أسباب الاستفتاء، الذي أقرّ الانفصال، وبالتالي تحرير قرارات الاتحاد الأوربي من تبعات التهديد البريطاني بالانسحاب فيما لو اتخذ الاتحاد الذي بات بقيادة ألمانيا الآن إجراءات جديدة تجاه الوضع السوري، خاصة وأن ميركل التي زارت تركيا عدة مرات، أكدت على وجوب وجود منطقة آمنة للسوريين على الحدود السورية –التركية، لكن الاتحاد الأوربي هو من كان يقف عقبة في وجه هذا الخيار، خاصة بوجود بريطانيا التي من المتوقع أن يكون تتزعزع مكانتها وفاعليتها في قرارات حلف الناتو .
لعل المجتمع الدولي بات أكثر تحرراً بقراراته تجاه الوضع السوري، خاصة أن السبات الانتخابي الامريكي سيدخل حيز التنفيذ في آب المقبل بالتزامن مع انسحاب بريطانيا من كتلة الاتحاد الأوربي، وشعور روسيا باللاجدوى من تصعيد الحرب، وربما كان إطلاق القنابل الحارقة هو الجولة الأخير من الحرب. حيث لم يبقى أمامه إلا السلاح النووي لكسر ارادة المعارضة المسلحة، التي تستعيد الأراضي التي خسرتها، وبالتالي فإن كل التصعيد السابق بات في مهب الريح، على الرغم من ارتفاع فاتورة الدم السورية إلا أن العالم بات بعد الانفصال البريطاني غير ما قبله!
Tags: محرر