on
Archived: منير درويش: بين ديمقراطيتهم واستبدادنا.. ملاحظات أولية
منير درويش: كلنا شركاء
الاستفتاء الذي جرى في بريطانيا يوم 23 / 6 لتقرير مستقبل عضويتها في الاتحاد الأوربي أشاء إلى المفهوم الحقيقي للديمقراطية ، حيث أنه ومع أن الحكومة البريطانية وعدد من الأحزاب والسياسيين كانت مع بقاء بريطانيا في الاتحاد إلا أنها لم تستطع أن تفعل أي شيء حول هذا الموضوع أو تتدخل في نتيجة التصويت وهي كانت تعلم أن التوجهات العامة على الأقل ليست في صالحها ، بل أنها بقيت تجهل النتيجة النهائية للاستفتاء قبل الانتهاء من الفرز الكامل للأصوات على غير ما يجري عادة في بلداننا العربية وبعض البلدان الأخرى التي لا تختلف في توجهاتها عنا والتي تعرف مسبقاً نتيجة التصويت ونسبتها التي لن تقل بأي حال عن 99 % ، بل وأكثر من ذلك ، ما أن ظهرت نتائج الاستفتاء التي جاءت لصالح الانسحاب من الاتحاد على غير ما أراد رئيس الوزراء حتى أعلن الأخير وعلى الملأ أنه لن يبقى في منصبه ولا يجب أن يبقى وعلى الشعب البريطاني أن يختار من هو مؤهل لإدارة هذا القرار بفعالية . قراره هذا يذكرنا بموقف الجنرال ديغول الذي استقال من رئاسة الجمهورية عام 1968 عندما لم يوافق الشعب الفرنسي على برنامجه السياسي وخرجت بعض المظاهرات الطلابية ضد هذا البرنامج ، وبالتأكيد إن قرار كاميرون رئيس الوزراء هذا ناتج لأن الشعب البريطاني أختار القرار الذي يخالف رغبته كرئيس للوزراء ، أو لأنه شعر أنه أخطأ بإدارة الحملة التي يبغي من وراءها بقاء بريطانيا في الاتحاد وبالتالي لم يعد المؤهل لإدارة البلاد . .
في الدول المتقدمة الديمقراطية هناك مواطنون هم الذين يقررون المستقبل السياسي ويختارون القادة السياسيون وفق ما تفرضه مصلحة الوطن الذي ينتمون إليه و التي تنسجم مع مصالحهم سواء كانت نتائج هذا القرار تنسجم مع توجهات السلطة التي تدير البلاد أو الأوساط السياسية والاتحادية التي تحيط بهم ومختلفة معهم ، وهم أحرار في ممارسة حقهم الانتخابي ، كحق لهم وليس واجباً عليهم كما يفسر في بلدان ما سمي بالعالم الثالث والبلدان العربية وبالتالي فهم لا يتعرضون لأي مساءلة إذا ما امتنعوا عن الإدلاء بأصواتهم تحت حجة أنه ( واجب ) عليهم ممارسته وإلا خضعوا للمساءلة كمقصرين في واجبهم ، خاصة إذا كان الاستفتاء مفروض من السلطات أو لصالحها ، هذا إذا كان هناك أصلاً استفتاء أو تصويت في كثير من هذه البلدان . نعم في الدول المتقدمة المواطنون أحراراً لهم كامل الحرية في اختياراتهم السياسية وهم الذين يقررونها ولا تستطيع أية سلطة أن تفعل عكس ما يقررون ، في الدول العقيمة لا توجد مواطنة أو مواطنين بل رعية مقادة سياسياً واجتماعيا ، لكن السؤال الذي يتبادر للذهن هو كيف يقبل هؤلاء الناس أن يكونوا رعايا وما هي إجراءاتهم الفاعلة للانقلاب عليها ؟
وإذا كنا لا نصدق ذلك فعلينا بالعودة للكتاب والمثقفين الذين تعلمنا منهم بعض الدروس في هذا المجال وعلى رأسهم ياسين الحافظ والياس مرقص وجورج طرابيشي وجمال الأتاسي وغيرهم المئات الذين ربطوا بين تطور الوعي الاجتماعي والوعي في الثقافة والسياسة .
بالطبع وحسب كل النظريات فإن المجتمع هو الذي ينتج سلطته وسياسيه ومثقفيه فهؤلاء لا ينزلون عليه من السماء ، فالمجتمع المتأخر والمستبد والذي تسوده النزعة الطائفية سينتج سياسة وسياسيين متأخرين ومستبدين وطائفيين وهؤلاء عندما سيصلون للسلطة سيمارسون سياسة التأخر والاستبداد والطائفية بالدرجات التي تخدم مصالحهم و قد تزيد أو تنقص ولكنها في النتيجة هي تعبير عن توجهات المجتمع الذي لا يعارضها إن لم يوافق بالمطلق عليها . إن ما نريد قوله هو أن المواطن العادي في وعيه ليس متقدماً على صاحب السلطة والسياسي أو المثقف ولكن نقول بصدق إن ما يتميز به الإنسان العادي ( المواطن ) هو أنه أكثر انسجاماً في ممارساته السياسية والاجتماعية وأكثر مصداقية في هذه الممارسة من السياسيين والمثقفين الذين أثبت التجارب أن هناك بوناً شاسعا بين ما يدعونه من وعي وبين ممارساتهم التي تختلف تماماً عن هذا الادعاء ، المواطن العادي يقول ما يؤمن به دون مواربة أو تزييف فهو لا يدعي أنه ديمقراطي ويمارس الاستبداد ، أو أنه مع تحرر المرأة ويحاول استغلالها بأي شكل كما يفعل المثقفون والسياسيون الذين ينفصلون انفصالاً تاماً بممارساتهم عما يدعونه من وعي ولدينا في هذا المجال آلاف التجارب .
نعم السلطات في البلدان العربية وما شاكلها هي استبدادية ومتأخرة ، والسياسيون بمنظماتهم وأحزابهم وكذلك المثقفون في منتهى التأخر والاستبداد ، وكل ما نقوله في هذا المجال في منتهى الصحة ولكن نحن أين نقف بين هؤلاء ، وما هي الخطط التي نضعها لمواجهة هذا التأخر ، هل الوسائل التي أنتجناها كانت الأنجع والأفضل أم أننا بحاجة لوسائل جديدة متقدمة تنهض بالمجتمع مبنية على وعي متقدم وديمقراطي جديد لا يكون للثقافة والسياسة القديمة دور فيها ؟
اقرأ:
منير درويش: الديمقراطية التمثيلية، البرلمانات نموذجاً
Tags: محرر